على خطى البشير… حميدتي يلقي السودان في الأحضان الروسية

الأحد 27 فبراير 202205:36 م

غداة زيارة الرجل الثاني في السلطة السودانية، وقائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو "حميدتي" إلى موسكو؛ بدأ الجيش الروسي عملية عسكرية في أوكرانيا.

كثيرون رأوا في الزيارة موقف علني من الخرطوم ينحاز إلى الجانب الروسي، قبالة الدول الغربية المنضوية تحت مظلة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

واكتفت السلطات السودانية، بالقول إن الزيارة تهدف إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين، ومناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، من دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

لكن من المتوقع أن تبحث الزيارة في كثير من الملفات، خاصة تلك المتعلقة بالاقتصاد وملفات التعاون الأمني والعسكري.

توقيت مريب للزيارة

يعكس توقيت الزيارة، أهميتها البالغة عند كلا الطرفين، إذ تجئ في وقتٍ شديد الحساسية بالنسبة للخرطوم وموسكو على حد سواء.

فبعد ساعاتٍ من وصول حميدتي إلى موسكو، توغل الجيش الروسي في العمق الأوكراني، في عملية أطلق عليها بوتين "عملية عسكرية خاصة"، يصفها الغرب بأنها غزو شامل.

وباتت السلطات السودانية في حاجة ماسة إلى تبيان موقفها وتوضيح أين تضع أقدامها في الأزمة الأوكرانية.

وفعلاً، سارعت سفارة السودان في روسيا إلى نفي تصريحات منسوبة إلى حميدتي يعلن خلالها تأييد السودان لإعلان انفصال "دونستيك" و"لوهانسك" وإعلانهما دولتين مستقلتين.

وقال بيان صادر عن الخارجية السودانية، إن حميدتي تحدث عن "ضرورة اتباع السبل والوسائل الدبلوماسية لحل الأزمة، مع التأمين على أحقية روسيا في حماية مواطنيها بما يكفله القانون والدستور".

تحذيرات أمريكية

لم تكن أحاديث حميدتي عن الحل الدبلوماسي لأزمة أوكرانيا كافية بالنسبة إلى لجنة العلاقات الخارجية بالكونغرس الأمريكي، حيث قالت الأخيرة إن "إرسال السودان وفداً إلى روسيا مع بدء الغزو؛ رسالة لا يمكن تجاهلها بأن المجلس العسكري السوداني لا مصلحة لديه في دعم الديموقراطية أو المبادئ الأساسية للسيادة".

ويعكس هذا التحذير المنتهي بعبارة "نحن نراقب"، أن الولايات المتحدة قد تكون في طريقها لفرض عقوبات قاسية على السودان، ورجالات النظام العسكري.

يعكس هذا التحذير المنتهي بعبارة "نحن نراقب"، أن الولايات المتحدة قد تكون في طريقها لفرض عقوبات قاسية على السودان، ورجالات النظام العسكري

في السياق، انتقد السفير محمد بشارة، زيارة حميدتي إلى موسكو في هذا الوقت المشحون، كونها تضطر الخرطوم الانحياز إلى أحد أطراف المعركة بين روسيا والناتو.

وقال بشارة لرصيف22، إنه "بالرغم من إعلان الخارجية السودانية، فإن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة ستبدأ في تضييق الطوق على النظام السوداني، بحسبانه مؤيداً لروسيا"، لا سيما في ظل ورود تصريح حميدتي المثبت في البيان بـ"أحقية روسيا في حماية مواطنيها بما يكفله القانون والدستور"، وهي ذات الذريعة التي يسوقها بوتين لغزو أوكرانيا.

وأضاف السفير: "بعد الزيارة ليس أمام السودان خلاف المضي قدماً في علاقاته مع روسيا، فأي تراجع الآن سنخسر بسببه دعم موسكو كما سبق وخسرت [السودان] واشنطن عقب الانقلاب".

الذهب السوداني كلمة السر

عودة إلى الأوضاع الداخلية بالسودان، نجد أن النظام العسكري يتعرض إلى هزات كبيرة، جراء استمرار الاحتجاجات المطالبة بإزاحته للشهر الرابع توالياً، في وقت تتواصل الضغوطات الخارجية على الجيش للعودة إلى المسار المدني الديموقراطي، يحدث ذلك كله بموازاة أزمة اقتصادية طاحنة وتراجع غير مسبوق للعملة المحلية مقابل سلة العملات الأجنبية.

وتهاوى الجنيه السوداني مقابل الدولار الأمريكي لأكثر من 500 جنيهاً في السوق الموازية (السوداء)، في ظل ارتفاع مستمر لأسعار السلع والخدمات.

"بالرغم من إعلان الخارجية السودانية، فإن الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة ستبدأ في تضييق الطوق على النظام السوداني، بحسبانه مؤيداً لروسيا"

ويعلق المحلل والكاتب الاقتصادي، الزين ضو البيت، "في ظل العزلة التي تفرضها الولايات المتحدة وشركائها الغربيين على السودان. فإن زيارة حميدتي إلى روسيا تبدو ذات طابع اقتصادي في المقام الأول للجانب السوداني، على عكس روسيا التي تنظر إلى السودان من منظور عسكري".

وقال ضو البيت، إن طبيعة الوفد المصاحب لحميدتي تعكس هذا التوجه، لا سيما أن الوفد المرافق لحميدتي ضم كل من وزير المالية جبريل إبراهيم، ووزير الطاقة والنفط محمد عبد الله محمود، ووزير المعادن محمد بشير عبد الله أبو نمو، ورئيس اتحاد الغرف التجارية نادر الهلالي.

في ظل العزلة التي تفرضها الولايات المتحدة على السودان. فإن زيارة حميدتي إلى روسيا تبدو ذات طابع اقتصادي في المقام الأول للجانب السوداني، على عكس روسيا التي تنظر إلى السودان من منظور عسكري

وعاد ضو البيت ليؤكد أن الزيارة ستنتهي بإبرام اتفاقيات اقتصادية بين الجانبين، تتيح لروسيا وجود أكبر في السودان.

ويعتقد بأن زيارة حميدتي لموسكو ستبحث على نحو خاص مسألة الذهب السوداني، حيث يتوقع أن تفرض الولايات المتحدة عقوبات على صادرات الذهب.

ويحل السودان في المرتبة الأولى بين الدول المصدرة للذهب بين الدول العربية، إذ يصدِّر أكثر من 80 طن سنوياً.

وأشار ضو البيت، إن الخرطوم في حاجة ماسة إلى تدارك الوضع الاقتصادي المتداعي، جراء توقف الدول والصناديق الغربية عن دعم النظام السوداني، بوصفه نظام انقلابي.

ويتوقع المحلل الاقتصادي، أن تشمل الاتفاقات استيراد السودان للقمح الروسي، بعد توقف الولايات المتحدة عن إمداد السودان بـ300 ألف طن من القمح.

القاعدة الروسية

يتوقع أن تفتح روسيا عدة ملفات أمنية في زيارة حميدتي، على رأسها إنشاء قاعدة لاستقبال الفيالق الروسية في ساحل البحر الأحمر.

ويشدد الخبير الأمني، ناظم محمود، على أن زيارة حميدتي ستنتهي بإبرام اتفاق أمني بين الجانبين، يمهد لإقامة القاعدة الروسية بالقرب من ميناء بورتسودان. ويحصل السودان في المقابل، على دعم مادي وعسكري روسي.

ويستدل محمود في حديثه مع رصيف22 بأمرين، أولهما أن النظام السوداني في أشد لحظاته ضعفاً وبعداً عن الولايات المتحدة الأمريكية، وثانيهما أن الحكومة المدنية التي كان أفرادها ضد إقامة القاعدة، صارت خارج مسرح اتخاذ القرار. مذكراً بأن الرئيس المعزول عمر البشير، سبق وطلب من بوتين حماية نظامه، مقابل قاعدة بحرية.

يشير محمود إلى أن البرهان وحميدتي يسيران فوق ذات القضبان التي سار عليها البشير. لكن ينبغي إدراك أن التحالف مع روسيا يعني إحداث قطيعة مع الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين. هذه قفزة هائلة، على النظام أن يتحسب لها بشكلٍ جيد.

ولا يستبعد محمود أن تناقش الزيارة ضمن ملفات الأمن؛ إمداد النظام بكميات من الغاز المسيل للدموع، بعد شكوى وزير المالية من دفعيات الغاز الشهرية بصورة ترهق الخزينة العامة. وقد يوقع حميدتي ووفده على اتفاقات يحصل بموجبها على تكنولوجيا حديثة وبرمجيات لملاحقة المناوئين للانقلاب، ممن يتخذون من مواقع التواصل الاجتماعي منصات إلكترونية لتنظيم الحراك المندد بالحكم العسكري.


تقوية الدعم السريع

يملك السودان حدوداً مع عدة دول إفريقية تشهد توغلاً روسياً، أبرزها جمهورية إفريقيا الوسطى. ويتوقع أن يصادق النظام السوداني، على توفير ملاذات آمنة لانطلاق القوات الروسية ومرتزقة (فاغنر) الموجودين في المنطقة، لا سيما مع ارتفاع وتيرة التصعيد ضد القوات الفرنسية في الجارة الغربية ودول أخرى قريبة مثل تشاد والنيجر ومالي.

تحركات حميدتي وشقيقه عبد الرحيم لتقوية قوات الدعم السريع، باتت لا تخفى على أحد. وقد أبرم الدعم السريع عدة صفقات للتدريب، والحصول على أسلحة، بما في ذلك أسلحة وتقنيات إسرائيلية. سعيًا لخلق قوات موازية للجيش السوداني، ما يعكس طموحات حميدتي في حكم السودان مستقبلاً.

وتشير أنباء إلى توتر العلاقات بين حميدتي وقادة الجيش السوداني، حيث تغيَّب دقلو عن عدة اجتماعات لمجلس السيادة الانتقالي، ما يعزز الأحاديث عن وجود خلافات بينه وأحد قادة المجلس والجيش البارزين: شمس الدين الكباشي.

ويشاع في الأوساط السياسية السودانية إن زيارة حميدتي إلى إثيوبيا، أغضبت الكباشي الذي عدها خيانة للجيش الموجودة عناصره على الحدود لاستعادة منطقة الفشقة من الجيش والمليشيات الإثيوبية.

تأتي زيارة حميدتي إلى روسيا، ضمن إستراتيجية السلطات العسكرية لأجل البقاء، حتى لو كان هذا البقاء مقابل الأمن، وربما فتح حدود السودان شرقاً وغرباً أمام الفيالق الروسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard