سعيد الحظ من يصادق القطط

الجمعة 4 مارس 202211:47 ص

-بتحبي القطط؟

-أيوه، كان عندي قطة رومي، بس جدتي ماكانش بتحبها. سمتها وماتت... أهي ماتت هي كمان.

تخبرني الطفلة بمنتهى التلقائية تلك الإجابة بعد أن رأيتها تحاول أن تتواصل مع قطة تركض بجانبها بمحبة ظاهرة. متى أصبحت القطط عدوتنا؟ 

في بعض المجتمعات السكنية الحديثة، غالباً ما نجد على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات أو طلبات من البعض للتخلص من القطط الضالة، وفي بعض المجتمعات الأكثر تهميشاً تصبح الأفعال العدائية عادية تجاه الحيوانات.

الحيوانات البرية، أو الضالة في المدن والمجتمعات، غالباً ما تتشبه بروح قاطنيها، ففي المدن المزدحمة كالقاهرة، تجد القطط الضالة تهرع كحال البشر في المدينة، تتلفت حولها خائفة من الأصوات عالية ولا أحد يرحب بها في معظم الأحيان وغالباً ما تتلقى رفسة
الحيوانات البرية، أو الضالة في المدن والمجتمعات، غالباً ما تتشبه بروح قاطنيها، ففي المدن المزدحمة كالقاهرة، تجد القطط الضالة تهرع كحال البشر في المدينة، تتلفت حولها خائفة من الأصوات عالية ولا أحد يرحب بها في معظم الأحيان، وغالباً ما تتلقى رفسة.

قطط المعادي من صفحة Cats of Egypt

في بعض المناطق الهادئة نجد القطط تتعامل كأنها "صاحبة مكان"، تنفرد وتطوف حول البشر، غالباً ما يطعمها أحد الأشخاص الساكنين في الحي. كثيراً ما لفت نظري اختلاف تعامل القطط مع البشر في دور العبادة، كالمساجد والشوارع المحيطة بها، وحالها في شوارع مزدحمة، كالمنيل مثلاً. ففي المساجد الأثرية على سبيل المثال، غالباً مع تشعر القطط بالاستئناس، تطوف حول المصلين أو الزائرين مطمئنة أن حرمة المكان تحميها من كل سوء.

كثيراً ما لفت نظري اختلاف تعامل القطط مع البشر في دور العبادة، كالمساجد والشوارع المحيطة بها، وحالها في شوارع مزدحمة. ففي المساجد الأثرية على سبيل المثال، غالباً مع تشعر القطط بالاستئناس، تطوف حول المصلين أو الزائرين مطمئنة أن حرمة المكان تحميها من كل سوء
القطط المصرية  لها وجودها المؤثر في حياة البشر، فمنذ الإلهة باستيت والقطة كان لها حق كبيرة في القدسية لخدماتها التي تقدمها للمجتمع، بدءاً من حماية المحصول من القوارض، وحماية أطفال البشر. تلك العلاقة الساحرة بهذا الكائن الجميل شكلاً، والغامض أحياناً كثيرة، ربط به عديد من الأساطير والحكايات، هالة من الغموض ألهمت الكثيرين أن القطط غالباً تعرف ما لا نعرفه، وربما ارتبطت بها قوى سحرية أو جان، فالقطة السوداء كان لها نصيب الأسد من وصفها بالعفريت. وفي مصر على سبيل المثال يقال إن الأطفال التوائم يتحولون مساءً إلى قطط تهيم على وجها، تمسح الأرض جيئة وذهاباً ثم تعود الفجر إلى مضاجعها.
دراسة التاريخ تخبرنا بأن للقطط وجودها المؤثر في مصر فمنذ الإلهة باستيت والقطة كان لها حق كبيرة في القدسية لخدماتها التي تقدمها للمجتمع بدءاً من حماية المحصول من القوارض إلى حماية أطفال البشر

قطط مصر

منذ أكثر من عامين، خرج صديقي محمد حسن بفكرة صفحة "قطط مصر"، على غرار صفحة "هيومانز أوف نيويورك"، وبها أن نقوم بتصوير القطط، والقطط تحكي قصتها كأننا قمنا بمحاورتهم. الفكرة بدأت بطرافة في أول الأمر، ومساحة حرة للكتابة الإبداعية على لسان القطط، وما لبثنا أن شجعنا متابعينا أن يرسلوا لنا قصص قططهم، ونعيد نحن صياغتها بما يتلائم مع طريقتنا في السرد.

قطط بورسعيد من صفحة Cats of Egypt
أعتقد أن الأمر تحول من مجرد مساحة إبداعية إلى رسائل توعوية، مع أول قصة قطة عرضت للتبني على الصفحة ووجدت منزلها، أصبح لنا صوت محدد نستطيع من خلاله تقليص الفجوة بين البشر والحيوانات.
تلقينا العديد من القصص، والتي أحياناً كان هدفها المواساة، على سبيل شخصي أو اجتماعي. حاولنا التأريخ لأحدث بعينها من منظور القطط، علاقة القطط بالمكان بدورهم ركين أساسي في المجتمع.

القطط وذاكرة المكان

كثيراً ما انتابني فضول حول ارتباط القطط بالمكان، فالمعروف أن القطط غالباً ما ترتبط بالأماكن أكثر من الأشخاص، فما مجال ارتباطها بالأمكان العامة؟ نجد هالة قوية حول القطط في الأماكن الأثرية، كأنها جزء لايتجزأ من المكان. وفي الأماكن الأقل أهمية لا يقل تعلق قططها أو كلابها بها، فالبيوت المهجورة غالباً ما تسكنها الحيوانات لتكون بعيدة عن البشر قدر الإمكان. وقت أحداث الشيخ جراح، كان لدي اهتمام شخصي أن أروي الأحداث على لسان القطط في كل ربوع فلسطين، من القدس لغزة للضفة. كان أصحاب القطط يحكون عن قططهم التي تبدلت أحوالها تحت صوت القصف... القطط أيضاً والحيوانات تمر بكل ما نمر به نحن، فهم امتداد للبشر.

قطط الاسكندرية من صفحة Cats of Egypt

القطط غالباً ما ترتبط بالأماكن أكثر من الأشخاص

بطبيعتي لا أميل محاولات الإنسان المستميتة إلى أنسنة كل شيء. كأن الإنسان لا يستطيع الشعور بالتعاطف ولا المواجدة إلا أن تشارك معه الكائن الحي في كل صفاته. لكن أمام موجات الكراهية الشديدة للحيونات الضالة كالقطط والكلاب، نجد أنفسنا مجبرين على أنسنة شركائنا في المجتمع لتقليص الفجوة بينهم وبين البشر. منذ أن بدأنا وإلى الآن، انهالت علينا الرسائل والتعليقات التي تخبرنا أنهم أصبحوا يتخيلون حوارات دائمة بينهم وبين القطط في الشارع. هنك الآن من يكفر في قصة القطة التي تهرول لعبور الطريق. كما وصلتنا الكثير من الرسائل من أناس اعتادوا الخوف من القطط، أصبحوا الآن على درجة ألفة كبيرة منها وبعضهم تبنى قططاً.

فنون المواساة

منذ الوهلة الأولى، اختلف متابعونا عن أي متابعين آخرين. فكان من العادي أن تجد تعليقات ترسل تحياتها للقطة، أو تكتب لها جمل تشجيعية أو تنبيهية. وكان من العادي أن نجد مالك القطة يخبرنا أنه سيحرص على قراءة التعليقات لقطه أو قطته.

قطط القاهرة من صفحة Cats of Egypt
في يوم، أرسلت لنا فتاة تطلب أن تكتب قصة قطها الذي كان يرعاه والدها الذي توفى حديثاً، على أمل أن يناله بعض الدعوات الصادقة من المتابعين، وبالفعل، انهالت التعليقات المواسية للفتاة، والدعوات الصادقة لوالدها، ولكن ألطف ما شاركه البعض قصصهم عن قططهم التي حضرت عزاءات آبائهم أو أمهاتهم لشدة القرابة بينهم.
فهناك متابع أخبرنا أن القطة حضرت صلاة الجنازة الخاصة بوالده، وجلست على كراسي العزاء ثلاثة أيام ثم اختفت إلى الأبد.

واتفق مع هذا التعليق تعليقات أخرى كثيرة تؤكد على حضور القطط لصلاة الجنازة وعزاء صاحبها ثم اختفائها من المنزل بعدها. هناك من روى أن القط وقت وفاة صاحبه أصبح يموء بشدة في المنزل وأصر على حضور الغسل، قبل أن يختفي بعدها.

القطط والكلاب ستظل جزءاً لا يتجزأ من مجتمعاتنا من حيواتنا سعيد الحظ من يستطيع أن يصادق قط أو قطة. لين القلب... هذا كل ما يلزم

في مرة من المرات، وعبر رسائل الصفحة التي نتأخر كثيراً في الرد عليها، أرسلت لنا فتاة سورية قصة قطتها، وأخبرتنا أنها اكتشفت إصابتها نفسها بمرض خطير، وأنها على مشارف إجراء عملية جراحية، طلبت منا نشر القصة والدعاء لها، وأغلقت حساب الفيسبوك الخاص بها بعد أن أرسلت الرسالة، نشرنا القصة بعد فترة من إرسال الرسالة نظراً لأننا لا نتابع الرسائل بشكل جيد، ولكن الفتاة اختفت إلى الأبد، ظللنا نبحث عنها، وأعدنا نشر القصة بعد مرور سنة عليها، لكن لا أثر لها، واكتفينا بأن نتمنى لها الراحة والسلام في أي مكان هي فيه الآن.

متى نفقد لين القلب؟

"جفاف القلب، هذا كل شيء، عقلي كان ينمو، وقلبي يجف"، كما يقول حسين البرغوثي في كتابه "الضوء الأزرق". جفاف القلب أساس كل الداء. تحت عجلة الحياة الطاحنة يصبح التطبيع مع العنف أو القهر للأضعف هو الشيء الطبيعي.
خلال رحلتي واهتمامي بالحيوانات اكتشفت أن معظم الناس لديهم صورة واحدة عن الحيوانات أنها لا تشترك مع البشر في المشاعر وأنها أقل من البشر، لا يجب التفكير فيها كثيراً عند تخويفها أو تجويعها أو قتلها. في بداية الجائحة كان هناك شائعات للتخلص من القطط والكلاب المنزلية باعتبارها تنقل المرض. عدد كبير من الحيوانات وجد نفسه في الشارع يصارع من أجل النجاة.
علاقتي بالقطط بدأت قبل أن أتذكر، لطالما جذبني هذا الحيوان الجميل الساحر، ولم تسنح لي الفرصة أن يكون لي صديق أليف قبل 20 سنة، والآن لا أتخيل حياتي بدون قطط، بدون تخيل قصصهم، بدون محاولاتي الدائمة لتقريبها ممن لا يحبونها. القطط والكلاب ستظل جزءاً لا يتجزأ من مجتمعاتنا، من حيواتنا، سعيد الحظ من يستطيع أن يصادق قط أو قطة. لين القلب هذا كل ما يلزم.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard