الحجاب على كتفيها والبلاد مستقرة... ما نعرفه/ لا نعرفه عن النساء الملكات في عُمان

الخميس 17 فبراير 202202:28 م

على موسيقى القيثارة السومرية ونغمات الناي المصري، تخرج الصبية بزيها العماني من مخبأها لتكشف وجهاً نسيه الزمان.

تتماهى مع الألحان، وتقرأ النقش الموسيقي العتيق لمدينة أوغاريت السورية، تغني بصوت التاريخ، وتراقص بنات أفكاري، وتخلق مدناً من خيال في رأسي، فتظهر تدمر وزنوبيا.

ودُقّت أجراس الحرب.

وكانت بلقيس في اليمن، تودّع مملكة سبأ، وتتأهّب لرحلتها الطويلة. رددت الفتاة، مختزلة في حنجرتها أصواتهن: "من رحمي ولدت الحضارة".

ما كُتب عن الملكة المرأة

عرفت حضارات الشرق القديمة العديد من النساء اللواتي كان لهن أثر في الحياة السياسية والاجتماعية، ظهر وتجلّى تقديس المرأة في صورة إلهات للحضارات التي نشأت بين نهري دجلة والفرات، والنيل.

وردت شرائع قانونية تحمي حقوق المرأة، كما حدث في شرائع حمورابي، 92 مادة من أصل 383 تخصّ المرأة، فكان لها حق الطلاق، والعمل، ورعاية الأبناء.

لكن حتى في ذلك الزمان، لم يدم امتياز المرأة، وتغيرت الأدوار. قرأتُ لباحث الحضارات العراقي، خزعل الماجدي: "في حدود 5000 ق.م اكتشف الرجل في وادي الرافدين النحاس والتعدين، واكتشف دوره في الإنجاب، فحصل الانقلاب الذكوري، وتهمّش دور المرأة، ونشأت المدينة والمعابد، وأصبح الرجل زعيم المجتمع وزعيم الآلهة، وأصبحت المرأة تابعة له".

هل تقبلت العصور القديمة المرأة الحاكمة، وهل كانت هناك محاولات لطمس تاريخ بعض النساء وسيرهن؟

بحسب نقوش المعابد وكتابات مؤرخين، فإن حتشبسوت ملكة مصر القديمة كانت ترتدي زي الرجال وتضع ذقناً اصطناعية، ويقال إن المعارضة كانت لكونها امرأة، ومن خلفها في الحكم حاول طمس تاريخها، ومسح بطولاتها، وأسطولها البحري الشهير، وهو ما حدث مع "شجرة الدر"، الجارية الأرمنية التي حكمت مصر في عصر المماليك. لم ترحب الخلافة العباسية في بغداد بجلوس امرأة على عرش مصر، وكتب الخليفة المستعصم إلى أرض النيل، قائلاً: "إن كانت الرجال قد عدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسيّر إليكم رجلاً".

لعقود من الزمن، ارتبط ذكر شجرة الدر لدى العامة، الحكواتية وبعض كتاب السير بطريقة موتها غرقاً في الحمام أو ضرباً بـ "القباقيب" من ضرتها والجواري، متناسين أهم أدوارها، فقد أدارت شؤون الدولة في وقت حرج، بعد وفاة زوجها السلطان صالح نجم الدين أيوب.

ينسب لها ولعصرها أسر لويس التاسع في معركة المنصورة، ودحر ما عرّفه المؤرخون بـ"الغزو الصليبي" لمصر.

شمساء

ذكر الأديب والمؤرخ العماني الراحل عبدالله بن محمد الطائي اسم الملكة شمساء أو شمسة التي حكمت مملكة "مجان" في عُمان قبل 4 آلاف عام في كتابه "تاريخ عُمان السياسي": "بالنظر إلى قرب فارس من عُمان، و اتصالها بحراً بها، فقد كان لابد من أن تكون بين القطرين مشاهد تاريخية، وأقدم ما عرف من ذلك هو ما ظهر من طمع الفرس في عُمان أيام سرجون الأكدي، فقد كانت عُمان تضم مناجم للنحاس، طمع فيها ملك الفرس، وهجم على عُمان، وكانت تحكمها ملكة اسمها شمساء، التي عملت بقول الشاعر: (فإن كنت مأكولاً فكن خير آكل) واتصلت بسرجون الأكدي ملك العراق، واتفقت على استثمار النحاس، وتمكنت بعد ذلك من صدّ الفرس بمساعدة أبناء العم في العراق".

ملكة على العُمانيين تُسمى شمساً استعانت بالرومان في جلب مصانع لعُمان.

لم يكن الطائي أول من ذكر الملكة العمانية، فقد سبقه أبو بشير محمد بن نور الدين السالمي، في كتابه "نهضة الأعيان بحرية عُمان"، الصادر عام 1961، ورد فيه: "ذكر الدكتور فليب في كتابه المسمى، تاريخ العرب المطول، أن السومريين استحضروا النحاس من مناجمه في عُمان. وذكر غيره من المؤرخين أن ملكة على العُمانيين تُسمى شمساً، استعانت بالرومان في جلب مصانع لعُمان، فاستخرجت النحاس".

‏‎‎لا شك في صحة العلاقة التجارية بين السومريين وعُمان، ذُكرت تلك الرحلات في الألواح المسمارية، إلا أن بعض العمانيين يشككون بما ورد عن شمساء، فلا يوجد ذكر تاريخي موثق، ومصدر واضح، يتناول ملكة باسم شمساء.

ويذهب البعض إلى أن الأمر قد يكون اختلط على الباحث، وأن المقصودة بشمساء هي سمسي أو شمسي الملقبة بـ"ملكة العرب"، التي تولت حكم مملكة قيدار، من دومة الجندل إلى بادية الشام،  في القرن الثامن قبل الميلاد، وامتد حكمها لعشرين عاماً، خلفاً لأختها الملكة زبيبة، التي واجهت الآشوريين.

قد يكون الرابط بين شمسي وعمان جاء لأن ملكات قيدار اعتدن قيادة القوافل التي تحمل التوابل والبخور إلى الشرق الأدنى وسوريا من شبه الجزيرة العربية.

كانت عُمان إحدى أهم مراكز تصدير اللبان والبخور في العصور القديمة، ومن المستغرب أيضاً أن سير ملكات قيدار لم تأخذ حقها من البحث والاهتمام.

موزة

في عام 1996 قدِّم مسلسل "عُمان في التاريخ"، الممثلة السورية منى واصف في مشاهد معدودة، وهي تجسد شخصية السيدة موزة بنت الإمام أحمد بن سعيد (1749 – 1832) المرأة التي حكمت عُمان، وحافظت على استقرار البلاد.

كتبت عنها السيدة سالمة بنت سعيد بن سلطان في مذكراتها التي نشرت في القرن التاسع عشر باللغة الألمانية، وفيها: "هذه الشخصية هي عمة أبي، التي ما زالت حتى هذا اليوم مضرب المثل في الدهاء والشجاعة والهمة، فقد ترك جدي، حاكم عُمان وإمام مسقط، عند وفاته ثلاثة أولاد، هم أبي سعيد، وعمي سالم، وعمتي عائشة، وكان أبي هو الوارث للعرش. لكن بما أنه لم يكن قد أتم التاسعة من عمره بعد، كان لا بد من تنصيب وصي عليه، لكن عمته، وخلافاً لكل السوابق، أعلنت أنها ستتولى بنفسها حكم البلاد، والوصاية على ابن أخيها حتى يبلغ سن الرشد، ويتولى شؤون الملك".

تحكي سالمة عن قرار السيدة موزة في تولي مقاليد الحكم، وأثره على الطامعين: "صدم هذا القرار المفاجئ رغبات الوزراء/ الذين كانوا يريدون استغلال صغر سن أبي وضعفه للاستيلاء على السلطة، واستغلالها لمصالحهم الخاصة، ولكنهم على كل حال لم يجدوا في نهاية الأمر بداً من الطاعة والخضوع، وصار عليهم أن يفدوا إلى ديوان الأميرة الوصية كل نهار ليرفعوا إليها تقاريرهم عن شؤون البلاد، ويتلقوا أوامرها حولها، وقد أمسكت الأمور بقوة وحزم".

حكمت السيدة موزة عُمان، وهي تضع الحجاب على كتفيها، والويل كل الويل للكسلان من رجال الحكم والإدارة، وجسدت شخصيتها الفنانة منى واصف

"وراقبت الأشخاص والأشياء بعين يقظة ساهرة، وكان الويل كل الويل للمخاتل أو الكسلان من رجال الحكم والإدارة، وقد تبنت قيود العرف، فكانت تكتفي بوضع (الشيلة - الحجاب) على كتفها حين تجالس وزراءها، وتناقشهم في الشؤون العامة، غير عابئة بكلام الناس ونقدهم، فقد كان همها وتصميمها أن تنجز مهمتها بنجاح وإخلاص".

لم تتوقف المؤامرات لإزاحة السيدة موزة عن سدة الحكم، وكتبت سالمة بن سعيد عن ذلك: "لم يمض على توليها شؤون الوصاية إلا وقت قصير حتى تعرضت شجاعتها لامتحان عسير، فقد نشبت في البلاد ثورة هوجاء، وهو أمر مع الأسف كثير الحدوث في عُمان".

"فقد نهض فرع من عائلتنا يريدون اغتصاب الحكم لأنفسهم، وقد خيل إليهم لصغر سن أبي، وخلو مركز الوصاية إلا من سيدة، أنهم بالغوا أربهم بسهولة ويسر، وهنا كشفت هذه الأحداث عن معدن هذه السيدة، حكمة في الرأي، وصلابة في التصميم، وعادت البلاد جميعها إلى حكم الأميرة دون منازع، واستمرت في تنظيم البلاد، وإدارتها حتى بلغ أبي سن السابعة عشر، فتسلم منها الحكم".

بيبي مريم

ضريح عتيق، ومميز في مدينة قلهات، حكت عنه أساطير عمانية، يعود لـ"بيبي مريم"، ومعنى "بيبي" باللغة البلوشية "السيدة الحرة"، وهي إحدى اللغات المتداولة إلى اليوم في عُمان.

ويقال إن "بيبي مريم" حكمت "قلهات" إبان حكم قطب الدين، ملك هرمز، بينما تقول الرواية الثانية إنها كانت زعيمة قبيلة بعد وفاة والدها، كما قاومت وحاربت مع أبناء مدينتها الاحتلال البرتغالي لعُمان في القرن السادس عشر.

زعيمات قبائل، وملكات ينتمين إلى بقعة جغرافية في جزيرة العرب باتت تعرف بـ"سلطنة عمان"، قاومن الغزاة، وأدرن شؤون البلاد، وساعدن في استخراج معادن ساهمت في بناء مدن الحضارات الأولى

تذكر كتب السير العديد من الشخصيات النسائية العمانية، المؤثرة تاريخياً، منها فاطمة الجهضمي أو الزهراء السقطرية، شهدت في زيارتها لقريبها القاسم بن محمد الجهضمي، الوالي العماني على جزيرة سقطرى، يوم كانت تابعة لعُمان في القرن الثالث الهجري، دخول جنود الحبشة إلى الجزيرة الآمنة، والتنكيل بأهلها، ومحاولة الاستيلاء عليها.

أرسلت الزهراء رسالة تستنجد فيها بالإمام والحاكم العماني، الصلت بن مالك الخروصي، فكانت سبباً رئيسياً في وصول أخبار الجزيرة إلى عُمان، فسير الخروصي مائة مركب، وانتهت المعركة بإنقاذ سقطرى وطرد الأحباش.

وجوخة البوسعيدي، التي أشعلت "ثورة السويق" 1830، وأعلنت التمرد في محافظة الباطنة، بهدف إطلاق سراح شقيقها من السجن.

في ولاية مرباط بمحافظة ظفار، نقرأ اسماً لامعاً في القرن التاسع عشر، نور بنت معروف اليافعي الشهيرة بـ"الحاكمة"، وتذكر المصادر أنها صاحبة نفوذ سياسي واقتصادي، ومرجع مجتمعي، ويقال إنها كانت تقدم التسهيلات للسفن الراسية في بندر مرباط.

ستبقى تلك الصبية العمانية، وهي تتسلل لأفكاري، تكتب سطوراً عن تاريخ المرأة في هذه البقعة الجغرافية، وتكشف دورها الفاعل سياسياً واجتماعياً، وتضيف أسماء بقيت مجهولة، وأخرى لم يلق عليها الضوء كما يجب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard