سُلطة الباب ومفتاحه… "ارجع إلى الوراء والتزم"

السبت 5 فبراير 202210:31 ص

الخارج إلى الضوء


وقف فؤاد بجانبي في بهو الانتظار. كان يتحدث إليّ بحشرجة صوت مبحوح و رأسه منكوس، ثم رفعه قليلاً، فاستدار نحو زجاج واجهة البنك، وأشار بإصبع سبابته ليفصح عما يعتبره "ذنباً لا يغتفر": "انظر هناك أمام البنك!

هل تراه؟

إنه مسجد.

إني أحس بالذنب في كل مرة أسمع فيه صوت الأذان،

وهو يخترق أذني.

إني أحارب الله و رسوله.

لقد سمعتها من خطيب صلاة الجمعة ".

" فأذنوا بحرب من الله ورسوله"

على الرغم من أن الخطاب الديني السائد في المغرب يحرّم بشكل بائن منح القروض للمسلمين بنسب "ربوية"، فإن فؤاد يصر على أن هذا الأمر يعنيه، طبقاً لما تنص عليه الآية القرآنية: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله، وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين، فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله".

لم يستسغ فؤاد، على سيماه زبيبة من أثر السجود، وظيفته كحارس للأمن الخاص في فرع للبنك، بعد أن أَوَّلَ و فسر كلام خطيب الجمعة على أنها دعوة لترك مهنته، التي لم يخترها ولكنه مارسها اضطراراً لإبعاد شبح البطالة.

"يوماً ما سأغادر هذه المهنة"، يقول فؤاد.

"حراسة الفجور"

لا تُختزل مشاعر حراس الأمن الخاص بالمغرب بانتشاء مهني لحظي، يغذيه ارتداء ملابس تشبه الى حد ما بدلة رجل الأمن البوليسي، لكنها تشمل أيضاً إحساس بعضهم بالذنب، والإدانة تجاه ممارسة مهنية تتنافى مع أخلاقياتهم الشخصية.

يشاطر جمال علي إحساسه، فحراسته لملهى ليلي يدخل ضمن ما يصفه بـ"حراسة المنكر و الفسق و الفجور".

كل يوم، وفي اللحظات الأولى من الفجر، يلجأ جمال إلى المداومة على الصلاة، خاصة صلاة الصبح ونوافلها كسبيل لمواجهة إحساسه بالذنب.

"أواظب على صلاة الفجر بعد أن أنهي الدوام، أحس بأن ثقلاً تخلصت منه، واغتسلت و كأني ولدت من جديد"، يقول جمال.

على الرغم من إدانته هو الآخر لعمله، الذي يمارسه اضطراراً في ظل غياب البديل، فإنه ينظر إلى جانب مضيء، لا يفصح عنه للآخرين، جانب يلبي أناه الساعية نحو انتشال السكارى في لحظة ضعفهم، ورميهم على الرصيف، تنفيذاً لأوامر صاحب الملهى.

يمنح هذا الجانب لجمال شعوراً داخلياً بالقوة، بالرغم من أنه يظل مجرد مطيع لأوامر رؤسائه، إلا أن طرد السكارى المزعجين هو بحد ذاته تعويض لإحساس الذنب الذي يعتريه، و هو يحرس ما يسميه بـ"المنكر".

"أحس بالذنب في كل مرة اسمع فيه صوت الأذان، إني أحارب الله ورسوله" يقول رجل الأمن الحارس

إنها لحظة "عقاب" السكارى و"الفاسقين" عَلَّهم "يتوبوا"، بحسب نظرة جمال.

"رْجَع اللُور و شْد الصّف"

عادة ما نجد حراس الأمن الخاص في المغرب، في كل مؤسسة ومتجر وشركة وإدارة ومصلحة عمومية (حكومية) الوقوف هو سيد موقفهم، والجلوس يكون لماماً.

أما أنا كسواي من المنتظرين، وقفت ذات مرة في الممر المحاذي لباب المصلحة العمومية، أنتظر دوري ضمن طابور طويل بشكل غير مسبوق، بسبب اعتماد هذه المصلحة لإجراءات "احترازية" لمواجهة انتشار فيروس كورونا، تلزم بدخول ثلاثة أشخاص في المرة الواحدة على الأكثر.

كان الغضب بادياً على حارس الأمن الخاص، فبعض المنتظرين لا يحترمون دورهم، انزعج من طريقة تعاملهم معه. أحياناً تكون مُحمَّلة بعدم اللباقة والأدب،  في حديثهم معه.

اقتربتُ من الباب، وأوشكت على الدخول، نظر إلي نظرة تستدعي تضامناً، ثم قال: "أنا كانعاني مع البشر غير باش (فقط لكي) ارجع اللور (ليرجع إلى الوراء) واشد (يلتزم) الصف".

يذكرني موقف هذا الحارس بالفيلم المغربي "وليلي" لمخرجه فوزي بنسعيدي، عندما يضطر حارس الأمن عبد القادر أن يطبّق مبدأ "ارْجَع اللُورْ و شَدْ الصف" (ارجع الى الوراء و التزم بالطابور) لكل منتظر وافد على المتجر الضخم للملابس الجاهزة الذي يحرسه.

بيد أن عبد القادر كان أكثر تشدداً وتشنجاً وعنفاً في تنفيذ مهامه وأوامر رئيسه المباشر، فهو لا يتسامح مع الزوار والزبناء الذين يستعملون الدرج الكهربائي المتحرك، إنه عنفواني إلى درجة الغباء في تعاطيه لإدارة الزحام والطوابير، تارة يصرخ بشكل غير لائق مع الزبناء، وتارة أخرى يضرب أي مخالف للأوامر ويرميه خارج المبنى الزجاجي، مغشياً عليه على الرصيف.

في المقابل، يظهر عبد القادر بأنه جريء ولا يخاف لومة لائم في تنفيذه للأوامر، التي يجب أن تطبق على الجميع على حد سواء إلى أن جاءت زوجة رجل نافذ، تجاوزت الطابور. كان عبد القادر لموقف هذه السيدة بالمرصاد، ردّ عليها: "شدي الصف (التزمي بالطابور) مع عباد الله". أصرّ على الالتزام بالطابور برغم الضريبتين التي دفعهما، الأولى: صفعة من زوجة النافذ ، والثانية: عسف وصفعات مُذلّة من الزوج.

سلطة الباب و مفتاحه

يحب رجل الأمن الخاص أن تستفسر منه أولاً قبل أي موظف آخر، هذا ما يمنحه قيمة، وتعويضاً عن دور مفقود.

في إحدى المرات دخلت إدارة عمومية، لم أجد موظفاً في الاستقبال. فقط حارس أمن خاص، وعلى غير عادة زملائه، جلس على كرسي وثير بطريقة مسترخية، و غير منضبطة.

منحت لي طريقة جلوسه انطباعاً أولياً بأنه يملك المبنى، ويعرف فيه كل صغيرة وكبيرة، استفسرته عن مشكلتي الإدارية، ردّ علي بثقة مفرطة ورأسه مرفوع إلى الأعلى، ولكن جوابه كان فضفاضاً وغير دقيق.

يشعر رجل الأمن الخاص بأنه يحرس مباني خاصة وعمومية دون أن يملكها، فيعوض عدم الامتلاك المادي للمؤسسة بامتلاكه لسلطة الباب و مفتاحه.

صحيح أن رئيسه المباشر و غير المباشر هو من يملك هذه الصلاحيات، لكن يبقى للحارس صلاحية التحكم فيمن يدخل و يخرج .

تُجَسد شخصية طه في الفيلم المصري "وش إجرام" هذا الميكانيزم، إذ تشعر و كأنها تملك العالم مختزلاً في مبنى العمارة السكنية، وتمارس سلطة الوصاية الأخلاقوية على ساكنة العمارة من خلال مراقبة ومنع أي فعل ينافي "الأخلاق العامة"، وغيرها من الموانع.

ووصل طه مداه عند فضح زوجة رجل معروف في العمارة "مُتلبّسة" مع شاب في سرير النوم.

"أنا ماشي عْسّاس"

لا تقتصر مشاعر حارس الأمن الخاص على الانتشاء بالذنب تجاه فعل ما يتنافى مع أخلاقياته الدينية والمجتميعة أو حتى انتشائه بسلطة ما، سواءً كانت حاضرة بشكل جزئي وشكلي، بل تشمل في المقابل إحساساً بالضآلة يمتد مداها إلى الإحساس بالخواء.

تبدو وظيفة حارس الأمن الخاص مجرد ديكور، يضفي للمتاجر و مباني المؤسسات صبغة شكلية توحي بالتنظيم والحفاظ على أمن الزوار و الزبناء، وهذا ما يجعل معظم ممتهني هذا النشاط يشعرون بالخواء.

بم يشعر حارس البار المتدين وهو ينفذ أوامر مديره بـ"رمي" السكارى على الرصيف؟ وبم يحس عندما يصلي الصبح بعد انتهاء شيفته الليلي؟... مجاز في رصيف22

تقاسمت هذا الإحساس مع حارس فرع البنك الذي اجتزت فيه تدريباً تكوينياً، ففي الوقت الذي يضيع وقتي في إنجاز أعمال تافهة، من قبيل: ترتيب ملفات الزبناء، وتنظيمها، ورصها، ملء البيانات وتصوير الوثائق في الآلة الناسخة، وهكذا... كان يحس -بالموازاة- بالفراغ، و هو بادٍ من طريقة وقوفه المستمر، وجلوسه القليل، وحركاته المتكررة: حكّ الشعر من خلف. شدّ الحزام. إعادة شدّ ربطة العنق. النظر. التحديق. فتح باب البنك و غلقه. هكذا دواليك...

حاول أن يطرد هذا الملل بأن يلوك معي أحاديث عن أي شيء يخطر بباله، ويستشيرني في كل مرة حول أنسب وأفضل رنات هاتفية لجهازه، كلها كانت صيحة زمنها خلال السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة. كانت الرنات الهاتفية تكسر رتابة حياته المهنية المسجونة وسط هذا المكان الزجاجي.

لا يبدو الإحساس بالضآلة و قلة القيمة لدى حراس الأمن الخاص حالة خاصة و ضيقة، بل عامة وتمس قطاعاً واسعاً منهم، لذا تواجه هذه الفئة هذا الكليشيه بعبارة "أنا ماشي عساس" (لست مجرد حارس)، وتحاول ما أمكن أن تنهل من أدوار أمنية ومهنية مفقودة.

بالنسبة لمراد فهو يرى بأن مهنته كحارس أمن خاص لها تأثير عدمي يتجاوز ضآلتها، إذ تكرس انهيار إنسان يقف معظم الوقت لمراقبة كل صغيرة و كبيرة.

يقول مراد: "كاتحس براسك (بنفسك) لا شيء، ما تدير والو (لا تقوم بأي شيء) و ما عندك حتى قيمة".

أما عبد القادر، بطل فيلم "وليلي"، فلا يعتبر نفسه مجرد "عْسّاس" عادي يحرس وكفى، بل منقذاً لطبقة مطحونة تحت وطأة أقلية متجبرة و مستعبدة لهم، وما كان للإهانة و الإذلال اللذين تعرضا لهما من قبل هذه الطبقة سوى وقود متقد ليستعيد كرامته، وينتقم لنفسه ولطبقته من خلال سعيه نحو فضح فساد زوج السيدة النافذ في مدينة مكناس.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard