ما كان ليكون لو لم تُولد أم كلثوم؟

الخميس 3 فبراير 202209:25 ص

تندرج هذه المادة في ملف "كان صرحاً من خيال... لعبة التاريخ البديل"

هل قال المصريون، أو العرب، أو العجم قبلهم، لبعضهم: "يا صباح الخير ياللي معانا"؟... هل كانوا قبلها يُسائلون مَن تبدو عليه أمارات العشق: "ما دام تحب بتنكر ليه؟"... ما الذي كانت ستفعله مقاهينا، التي سُميت باسمها طمعاً في أُنسها، لتصنع سُمعةً رائجةً في عالم الليل وعفاريته، لولا وجودها؟ هل كان لدى عبد الناصر ورجاله سلاحٌ اشتراكيٌّ بديل عنها للتأثير في الجماهير العربية؟ كيف كان الشعب العربي سيقضي ليل الخميس الأول من كل شهر، إذا لم تولد بينهم أم كلثوم؟

تعالوا لنلعب لعبةً! ماذ لو غيّبنا أم كلثوم؟!

إنني أستمع إليها منذ أن كنت في سن الست سنوات.

إنني أستمع إليها منذ أن كنت في سن الست سنوات. لم أكن أفهم طبعاً شيئاً مما تقول في أطلالها، بأننا "انتبهنا بعدما زال الرحيق؟"، لكن مادة التباهي تولّدت في نفسي بأنني أستمع إلى "صوتِ معجزةٍ"، كما قال لي مَن ألهمني وجود "الست" في حياتنا.

منذ هذه "الأطلال" الخالدة، وأنا أحاول أن أعي ما هي. إنَّ الطرَبَ تشابَهَ علينا! وكثيراً ما دخلتُ في جدالات حول ما الغناء؟ ما غناؤنا نحن بالتحديد؟ ولماذا أنحاز إليه بكل هذا العنفوان؟ ولماذا هي... لماذا أم كلثوم، تلك التي تختصر غناءنا/ حضورنا؟

جلستُ ذات مرة لألعب لعبة الأرقام، كي أعرف كم أنفقت في أم كلثوم. كم أضعت من العمر في غرامها وأسرها. كم بعتُ من السنوات لأعرفها وأعرّف الناس إليها، وبقيت أتساءل وأنا ألعب في عدّاد هذا العمر: "يحسبوه إزاي عليا؟".

هل قال المصريون، أو العرب، أو العجم قبلهم، لبعضهم: "يا صباح الخير ياللي معانا"؟... هل كانوا قبلها يُسائلون مَن تبدو عليه أمارات العشق: "ما دام تحب بتنكر ليه؟"... ما الذي كانت ستفعله مقاهينا، التي سُميت باسمها طمعاً في أُنسها، لتصنع سُمعةً رائجةً في عالم الليل وعفاريته، لولا وجودها؟

تقول اللعبة:

لو افترضنا أنني عشتُ حتى الآن 44 عاماً، فقد قضيتُ منها مع أم كلثوم 38 سنةً. وبافتراض أنني أستمع إليها أربع ساعات أسبوعياً -وهذا معدل أقل مما عايشه هوسي بها- إذاً أكون قد استمعت إليها في العام 208 ساعات، أي نحو تسعة أيام كاملة في السنة، 329 "يوماً كلثومياً"، في 38 سنةً مما تعدُّون.

هذا على مستوى سماعها. أما على مستوى الجدل حول صوتها وتجربتها والحكي عنها وتأثيرها في المصريّ خصوصاً، والعربي عموماً، فإن هذا المعدل ربما يُضرب بعشرة أضعاف، لتكون أم كلثوم ممثلةً تقريباً في ربع أو ثلث عمري، وتالياً ثلث عُمر المصريين والعرب تقريباً.

انتهت اللعبة... وغالباً ما تنتهي بهذه الأسئلة:

كيف لفرد واحد أن يملأ هذه المساحة الزمنية من حياة أمّة؟ كيف لفرد واحد -ليس زعيماً سياسياً، ولا قائداً عسكرياً تاريخياً، ولا صاحب اختراعات غيّرت وجه البشرية- أن يحيا به الناس عبر المكان والزمان بكل هذه الحيوية والحب والتيه؟

تلك سؤالات كبرى بالتأكيد، لكن يمكن أن ننزل بمستواها إلى التفاصيل الصغرى:

كم مقهى قابلته في عالمنا العربي -وربما في كُرتنا الأرضية- سُمّي باسم "أم كلثوم"؟ كم جُملةً من كلمات أغانيها صارت علامةً تجاريةً ومثلاً دارجاً، وردّاً حياتياً بين عموم الناس: "فات المعاد... وقول للزمان ارجع يا زمان"؟ كم طلباً رئاسياً وصل إلى أم كلثوم لطلب الدعم لدولة تغرق: "يا جمال يا حبيب الملايين!".

كم مرةً خفّفت "الست" آلام العاشقين بواقعيتها: "إزاي يا ترى؟... أهو دا اللي جرى..."؟ إنه درس التسليم للألم (ناقشوا الواقع أيها العشاق!).

كم مرةً زادت أم كلثوم شوقَ العامة إلى المقدَّس: "دعاني لبّيته!". كم مرةً تعاملت حنجرتُها مع انكسار العرب/ انكسار عبد الناصر: ابْقَ فأنت الأملُ الباقي لغدِ الشعب!

كم مرةً ربط المصريون والعرب أعيادهم بـ"يا ليلة العيد آنستينا"!

في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، تَسمَّى كثيرون من المواليد في مصر والدول العربية باسم "جمال"، نظراً للتأثير الكبير لعبد الناصر في الشعوب العربية، ويمكننا بالقياس على ذلك فهمُ التأثر الباهر بأم كلثوم سيرةً وغناءً ووجوداً بين العرب، وبين المصريين بالأسبقية، لعلها كانت الوِحدة العربية الوحيدة، التي تحققت في أمّتنا، حين كانت تغنّي فيجتمع الكل حول الإذاعة المصرية يلتهمون في طبق واحد صوتها.

هل سمعتَ عن محطة إذاعية حكومية، مصرية أو عربية أو عالمية، سُميت باسم مطربة، كإذاعة أم كلثوم؟

خُذ هذه أيضاً!

هل سمعتَ عن محطة إذاعية حكومية، مصرية أو عربية أو عالمية، سُميت باسم مطربة، كإذاعة أم كلثوم؟

كان هذا مما أدركه رجال مخابرات عبد الناصر، إذ كانت الإذاعة هي الوسيلة الإعلامية الأهم في وقتهم، لذا كان السعي إلى الحصول على أكبر حصة من الموجات الإذاعية عبر الاتحاد الدولي للإذاعات، نظراً للحاجة المصرية الشديدة إلى محطة تستخدمها للتراسل المشفّر مع أعوانها في دول العالم وسفاراتها. لم تجد دولة عبد الناصر أهم من اسم أم كلثوم يستحق أن يُطلق على مثل هذه الإذاعة السرية، التي يتعامل معها المصريون كجزء من برنامجهم اليومي، من دون أن يعرفوا لها مقراً على الأرض. لعلهم فهموا أن محطة باسم "الست" يجب أن تكون سماوية المقر، أرضية الاستخدام.

لقد دخلت أم كلثوم في لغة المصريين وعاداتهم الزمنية. ولو جلسنا لنحصر ما في كلام المصريين العادي من استشهاد بما غنته "الست"، لما وجدنا عمراً يكفي لحساب ذلك.

لقد دخلت علينا كتاريخ لشكل القصيدة العربية، حتى كأنها توازي بثقلها تأثير أكبر شعراء العربية. وكأنها "متنبي الغناء"، ذاك الذي إذا قال شعراً أصبح الدّهرُ من ورائه مُنشداً. لقد دخلت من باب الغرباء لتحتل مقاعد أهل البيت. دخلت بشموخ معبد فرعوني، وأم مصرية قائدة. مثّلت أنثروبولوجيا كاملة لشعب وادي النيل والشعوب المجاورة مع فارق التوقيت... لا فارق هنا في التوقيت، ما دام الجميع على موجة صوتها منضبطين.

ربما كانت الحقبة الناصرية ستخسر رُكن مجدها الأعظم، بعدم وجود شخصية غنائية طاغية كأم كلثوم. ربما فَقَد غناؤنا مذاقه وتماهى مع اللا شكل في غياب هذه الفتاة ذات العقال، ثم ذات الشّعر الأسود المرفوع فوق رأسها كهرم. أيقونة بصرية تُعرف بسهولة حتى لو كانت بلا ملامح أخرى. ربما بغيابها كانت ستتسع مساحات لمطربين أقل من جهة المشاريع الكبرى. وأقل من جهة التماس مع الوجدان المصري ذي الروافد والخصوبة المتعددة. ربما دفع كثيرون من الموهوبين من صناع الموسيقى ثمن غيابها: قل لي مثلاً ماذا كان في وسع رياض السنباطي أن يفعل بموسيقاه الواسعة كصحراء لولا أم كلثوم؟ هل كان أحمد رامي سيحظى بهذه القيمة والشهرة لولا محبته وهيامه بها؟

لقد دخلت علينا كتاريخ لشكل القصيدة العربية، حتى كأنها توازي بثقلها تأثير أكبر شعراء العربية. وكأنها "متنبي الغناء"، ذاك الذي إذا قال شعراً أصبح الدّهرُ من ورائه مُنشداً. لقد دخلت من باب الغرباء لتحتل مقاعد أهل البيت

حتى عازفو فرقتها، الذين صارت أسماؤهم معروفةً لعامة الجمهور العربي، صاروا نماذج تُحتذى لكل من أراد أن يشتغل بالموسيقى طمعاً في شهرة مماثلة. لولا أم كلثوم لخسرنا كثيراً من موسيقانا.

لا أحاول أن أكرّس أن أم كلثوم كانت تعطي صك الوجود والخلود لمن حولها. فهم كبارٌ بالتأكيد، لكنهم معها أضيف إليهم ما يمنحهم روح الاكتمال التي تعلو بهم حد القداسة.

لا آسى على عُمر أضعتُه في تفاصيل كلثومية. وأعتذر عن اللعبة: فلا يوجد سيناريو -ولو تخيّلي- يستطيع محو أثر هذه الأسطورة من ضمير العرب. فما أجمل بقاءها في المخيلة! وما أبهى أثرها في بلادنا التي تبدّلت أحوالها... وما أحلى السنوات حين تملؤها أم كلثوم مقاماً أو رحيلاً!

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22             

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard