أنا المهاتما غاندي أخلع البدلة الإنكليزية وأرتدي "الدشداشة" العمانية

الجمعة 21 يناير 202205:25 م

كلما ظننت أنني ابتعدت عنها كنت أقترب منها أكثر، أدور في فلكها، أصاحب أساطيرها، أرقص على فنونها. اختزلت مدن أحلامي على شواطئها كابن بطوطة. قررت يوماً الترحال والبحث عن غيرها، لكنني كنت حيث أذهب وأسافر أجدها.

من مضيق هرمز وصحراء الربع الخالي، ومن الجبل الأخضر وسمحان وشمس، لم تحجب يوماً عمامة الرأس العمانية الأصيلة الأفكار، فقد تواصل ابن هذه الأرض مع حضارات العالم، قاد المعارك وقاوم الغزاة، فكيف أخرج من تلك العباءة وأتخلى عنها، ومنها تصدح أصوات أمم تعاقبت على هذه الأرض، يخيل لي أنها ستلعننا متى أصبح تراثنا متحفاً، منسياً، غريباً عنا، يزوره السيّاح الأجانب. 

قد لا يدرك المرء الارتباط الإنساني بالتراث في بداية تفتح أفكاره وانطلاقته نحو الدنيا، فتبهرنا المدن العصرية التي نقرأ عنها، ونشاهدها، ونبدأ بطرح أسئلة، مثل: لماذا ليست لدينا ناطحات سحاب؟

تلك النظرة السطحية للتطور والمدنية مررت بها في مرحلة ما، خاصة أن الاهتمام العماني بالتراث كان لعقود طويلة، وما يزال قائماً. 

التذمر

وما زلت أتذكر تذمري وزملاء الدراسة من ارتباط التراث بكل شيء في حياتنا، فقد كان التلفزيون العماني مغرقاً بنقل كافة تفاصيل الموروث الشعبي، بداية من قصص وأمثال وصناعات يدوية وليس نهاية بالغناء والرقصات الشعبية والأزياء حتى المهرجانات السياحية، مثل مهرجان مسقط ومهرجان "صلالة" اللذين يشكل التراث جزءاً هاماً منهما، وتعتبر سلطنة عُمان من الدول القليلة التي تمتلك وزارة للتراث، وهناك توجه حقيقي لإبراز الهوية الثقافية للبلد.

هل تحول تراث بلادكم لمتحف منسي غريب لا يعرفه أو يزوره سوى الأجانب؟ أشعر لو حدث هذا في عمان فستلعننا أراضينا 

في رحلة مع فريق عمل، فاجأني مصور أجنبي وهو يوقفني، حاملاً كاميرته الاحترافية، ويستأذن بلطف لالتقاط بعض الصور لي، أمامية وجانبية، لم أمانع الفكرة.

عندما انتهى أخرج من حقيبته كتاباً، كان قد نشره منذ أربعين عاماً، وثّق فيه رحلته إلى عُمان، وهو يستعد لإصدار كتاب جديد يرصد فيه تطور وتغير البلد بعد مرور كل ذلك الوقت.

للأسف لم أحفظ اسم المصور أو الكتاب، لكن أتذكر لحظة استغرابي: لماذا اختارني؟ فلست الأوسم بين المجموعة، وبعد عدة ثوانٍ تنبهت إلى أنني الوحيد بينهم الذي يرتدي الزي العماني الرسمي. 

كلما نضجتُ ازددت انجذاباً نحو الأرض التي جئت منها، فتثير الموسيقى المتوارثة شجوني، وكأن بداخلي قبيلة عمرها آلاف السنين.

بت أدرك أهمية الحفاظ على المباني العتيقة والصناعات والحرف التقليدية. وتعتبر عُمان الأكثر تركيزاً ومحافظة على الرقصات المشتركة بين دول مجلس التعاون الخليجي إلى جانب العراق واليمن في شبه الجزيرة العربية، وشاركت فرق الفنون الشعبية العمانية في الكثير من المحافل الدولية، في عواصم العالم، وهي تعزف موسيقى فن "الربوبة" تلك الرقصة التي يؤديها الجنسان معاً.  

تصوير أسعد الرزيقي

العباءة السوداء ممنوعة على الشاشة

تستدعي الذاكرة يوم حضرت مهرجاناً في إحدى دول المنطقة (شبه الجزيرة العربية) وفوجئت بفتيات أجنبيات ضمن فريق عمل المهرجان، يرتدين العباءة السوداء، في دلالة على اللبس المحلي للبلد، ولم أجد في كل الفعاليات أي أثر للزي النسائي التقليدي، وكأننا نخفي أزيائنا الجميلة و"المحتشمة"، ونطمس ألوانها الزاهية ونستبدلها بالعباءة السوداء، وهنا أدركت أهمية بعض القرارات التي كان ينتهجها التلفزيون العماني، منها منع المذيعات من ارتداء العباءة السوداء على الشاشة، ونجدهن في الأعياد والمناسبات الوطنية يتزيّن باللباس التقليدي العماني، وتتنوع الأزياء العمانية النسائية، وتختلف تصاميمها وألوانها من منطقة إلى أخرى. 

تصوير أسعد الرزيقي

ومن أشهر الفنانات اللواتي ارتدين الزي العماني والثوب الظفاري تحديداً، كانت سمراء البادية سميرة توفيق، إذ أظهرت وهي ترتديه في أغنية "يا بنات الخليج" نهاية السبعينيات، كما تصدرت صورتها أغلفة المجلات الفنية حينها.


الدشداشة

الثوب الرجالي "الدشداشة" أو "الجلابية" ليس حكراً على سكان منطقة الخليج العربي، فهو موجود في أرياف مصر وصعيدها وبلاد الشام، خصوصاً منطقة الجزيرة السورية، الرقة، دير الزور والحسكة، وصولاً إلى المغرب العربي، ولكن البعض ما يزال مصرّاً على أن ينظر إلى من يرتديها بنظرة فيها من الدونية، خاصة نحو أبناء الخليج، ونعتهم بـ"البداوة"، في ربط غريب بين المحافظة على الزي التقليدي والتحضر.

للحظات يتراءى لي أنني المهاتما غاندي، وهو يخلع البدلة الإنكليزية وربطة العنق الأنيقة، ويعود إلى "الدوتي والشال" الهندي، ذلك الزي التقليدي الضارب في جذور الأرض، وعلى وقع الطبول والموسيقى الهندية يحرق الملابس والأقمشة المستوردة، ويقود حملة تحرير للاقتصاد الوطني.

لكني لست غاندي، رغم أني من مؤيدي "فلسفة اللاعنف"، ومقاومة الاستعمار بالصناعة والعودة إلى الأصل، وفرض "حضارتنا وثقافتنا على أصحاب البدلات"، كما حدث عندما حضر غاندي مؤتمرات دولية بزيّه التقليدي.

هذه ليست دعوة لأن نعيش بعباءة الأجداد ونركب الجمال بدلاً من السيارات، ليس تعنتاً ورفضاً لمواكبة العصر، لكن يجب ألا ننسى من أين جئنا، وألا نصدق أن التقدم يتحصل بطمس هويتنا.

بالتأكيد، التراث بحاجة لعملية تنقيح وغربلة، فهناك عادات سيئة ومفاهيم خاطئة توارثناها جيلاً بعد جيل، والحل ليس بإلغاء الموروث الشعبي وردمه، إنما دمجه وتجديله مع العصر.

الرحالة الإنكليز وعادات العمانيات

عندما نقرأ عن الأجداد في المراجع الأجنبية نظن أننا سنجد ذلك المعتقد السائد في تلك الفترة، عن "تخلّف العرب" ومحاولة إظهار التميز الأوروبي، إلا أننا سنفاجَأ بوجه حضاري قديم للمنطقة يمثل الموروث الحقيقي لها، ويكشف كتاب "عُمان في عيون الرحالة البريطانيين... قراءة جديدة في الاستشراق"، للدكتور هلال بن سعيد الحجري، والمترجم الدكتور خالد البلوشي، عادات تميز أبناء عُمان، وخصوصاً دور المرأة العُمانية في المجتمع حينها، كما رآها الرحّالة البريطانيون في الفترة ما بين 1800 حتى 1970.

أغلب الدول في شبه الجزيرة العربية طمست، بشكل ما من الأشكال، الرقصات النسائية والرقصات الشعبية المشتركة بين الرجال والنساء أو لم تعد في صدارة الفنون. وحدهما عُمان واليمن بقيتا محافظتين على هذا التراث 

خصص الرحالة والمستكشف ويليام غيفورد بالغريف، الذي يوصف "بأكثر مستكشفي الجزيرة العربية من الإنكليز غموضاً"، ثلاثة فصول من كتابة "سرد الأخبار"، يحكي فيه عن زيارته لعُمان عام 1863، أذكر كلماته عن النساء العمانيات بأنهن يتفوقن عموماً في أي مكان آخر؛ فلهن من الفرص ما للرجال، ووجوههن ليس "مضروباً عليها" الخمار الإسلامي، فالرجل والمرأة في عمان يعاملان معاملة قوامها المساواة، على نحو يكاد يكون أوروبياً.

أما في شؤون الحياة اليومية، فالنساء يبادرن إليك ويظهرن أنفسهن ويتجاذبن الحديث، شأنهن في ذلك شأن عامة البشر ذوي التفكير المتزن، خلافاً لنساء نجد والرياض اللاتي يسود وضعهن الكتمان والصمت، بحسب ما رأى.

بينما يصف جیمز ریموند ویلسيد عُمان، حين زارها عام 1833 في كتابه "رحلات في الجزيرة العربية"، قائلاً عن عادات نسائها: "لا شك أن النساء المسلمات في عُمان يتمتعن بحرية أكثر من غيرهن في البلاد الشرقية الأخرى، ويبدي (الواحد منا) لهن احتراماً أكثر مما يبدي لنظائرهن في تلك البلاد. وغالباً ما يشاركن في الشؤون العامة إذا ما اضطربت أحوال المجتمع، ويظهرن في بعض الأوقات من البطولة أقصى درجاتها".

ويضيف أن النساء العمانيات لا يغطين وجوههن إلا في مسقط، حيث يلبسن خماراً فريداً من نوعه، مزركشاً بحافات مذهبة.

ويقول إن لبسهن يتكون من زوج فضفاض من السراويل، مع مشد موصول وثوب طويل من قطن أزرق.

يزينّ أذرعهن وكواحلهن بعنبر أو بأسورة وخواتم من فضة، وآذانهن بخواتم وحلي أخرى متنوعة، ويستعرضن أحاسيسهن بالأناقة في حلي الذهب التي تزين رؤوسهن. وتنتشر بينهن عادة ملفتة للنظر، إذ يصبغن أجسادهن كاملاً بالحناء، وبعضهن يكشفن عن جمالهن بوشم وجوههن وأذرعهن، وشماً يميل إلى الزرقة.

أما الرحالة جون أوفنغتن، فيصف العمانيين في زيارته عام 1693 قائلاً: "إن هؤلاء العرب على قدر كبير من دماثة الخلق، يُظهِرون لطفاً وكرماً كبيرين للغرباء، فلا يحتقرونهم ولا يُلحِقون بهم أذى جسديّاً. وهم على تشبثهم الثابت بمبادئهم والتزامهم الراسخ بدينهم، لا يفرضون تلك المبادئ وذلك الدين على الآخرين. كما أنهم لا يغالون بالتمسك بها، مغالاة تجردهم من إنسانيتهم أو من حسن معشرهم، فالمرء يقطع في بلادهم مئات الأميال دون أن يتعرض للغة نابية أو لأي سلوك فج".

وفي النهاية، ما أجمل أن ندرك أننا مختلفون، وما يميزنا دائماً خلفيتنا الثقافية والبيئية، والتاريخ الذي نحمله.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard