الحرية لمن؟ ... حلقة جديدة من إهدار "حق يوسف" بالقانون

السبت 15 يناير 202203:06 م

لم تتخيل مروة قناوي، والدة الطفل يوسف العربي، الذي اخترقت رأسه رصاصة طائشة قتلته وقتلت معه أحلامه وأحلامها، أن الجرح الغائر في قلبها منذ وفاة ولدها في عام 2017، سينزف من جديد بعد نحو أربع سنوات، مع صدور قرار بالإفراج الشرطي عن قاتلَيْ ابنها، رغم المعاناة التي تكبدتها مدة عامين لإثبات التهم والضغط على الاجهزة المختصة للتوقف عن تقاعسها في تنفيذ العقوبة على القاتلين اللذين يتمتعان بصلة قرابة بمتنفذين في الأجهزة الأمنية والتشريعية في مصر.

بدأت الحكاية في 18 أيار/ مايو 2017، عندما كان الطفل يوسف العربي، البالغ من العمر حينذاك 13 عاماً، يقف بصحبة أصدقائه في ميدان الحصري بمدينة السادس من أكتوبر( جنوب غربي العاصمة)، وإذ به يسقط فجأة غائباً عن الوعي. بعد الفحوص الطبية اللازمة تبيّن أنه أصيب برصاصة في مكان قاتل بالمخ وظل في غيبوبة 12 يوماً قبل وفاته. وكشفت التحقيقات أن حفل خطبة كان مقاماً بالقرب من مكان وجود يوسف وصحبه شهد إطلاق أعيرة نارية من أسلحة غير مرخصة، قتله إحداها، وأصاب عيار ناري آخر الطالبة دعاء أحمد. واستناداً إلى مقاطع مسجلة بالصوت والصورة وُجّه الاتهام إلى أربعة أشخاص، قُبض على اثنين منهم في 25 أيار/ مايو 2017، وهرب الآخران وهما: النقيب طاهر محمد أمين أبو طالب، ضابط مفصول، وخالد أحمد عبد التواب، نجل نائب برلماني.

لم تتخيل مروة قناوي، والدة الطفل يوسف العربي، أن الجرح الغائر في قلبها منذ مقتل ولدها في عام 2017، سينزف من جديد بعد نحو أربع سنوات، مع صدور قرار بالإفراج الشرطي عن قاتلَيْه

بعد عام من وفاة يوسف وجهود والدته لمواصلة التحقيق في القضية والقبض على المتهميْن  صدر حكم محكمة الجنايات في 13 أيار/ مايو 2018، القاضي بالسجن المشدد من خمس إلى سبع سنوات ضد ثلاثة من المتهمين، لحيازة أسلحة غير مرخصة وممنوعة التداول، وسنتين إضافيتين عقوبة "القتل الخطأ"- بينما عاقبت المتهم الرابع بالسجن خمس سنوات لثبوت أن سلاحه غير قاتل. قبلت مروة قناوي حكم القضاء وإن كان لا يشفي ألمها على ابنها. لكنها دخلت حرباً من أجل القبض على المتهميْن الهاربين، بدأتها بالضغط الإعلامي وأنهتها بالإضراب عن الطعام في 31 مارس/ أذار 2019، حتى سلّم المتهمان نفسيهما في 15 مايو/أيار من نفس العام. وفي 1 سبتمبر/ أيلول 2020، أصدرت محكمة النقض حكماً نهائياً بتأييد حكم السجن سبع سنوات، ورفضت الطعن المقدم من المتهمين.

وبعد مضي نحو ثلاث سنوات ونصف على صدور الحكم الأول في 2018، وأقل من عامين من بدء تنفيذ القاتلين الهاربين لعقوبتهما، علمت والدة يوسف العربي "بمحض الصدفة" أن المتهمين نفسيهما طاهر أبو طالب وخالد عبد التواب، حصلا على إفراج شرطي قلل 15 يوماً، وأنهما على وشك استرداد حريتهما.

تواصل رصيف22 مع مروة قناوي، التي قالت إن محاميها ذهب للاستعلام عن مكان سجن المتهمين لإعلامهم بالشق الثاني من القضية، وهو شق التعويض، فاكتشف أنهم في سجن وادي النطرون، وأنه تم إبلاغ المتهمين طاهر وخالد بالإفراج الشرطي عنهما. وتوقعت أن يتم التنفيذ في 25 كانون الثاني/ يناير الجاري، مؤكدة أنها ستسلك كل السبل القانونية خلال الفترة القصيرة المتبقية في سبيل إلغاء قرار الإفراج عن قتلة ابنها.

الإفراج الشرطي

في ضوء المادة 52 من قانون تنظيم السجون الجديد والمستبدلة بالقرار الجمهوري الرقم 6 لسنة 2018، المعمول به اعتباراً من 24 كانون الأول/ يناير 2018، تجتمع لجان مصلحة السجون دورياً لفحص ملفات نزلاء السجون والمحكوم عليهم بعقوبات جنائية نهائية أصلية مقيدة للحرية لتحديد مستحقي الإفراج الشرطي عن باقي العقوبة إذا توافرت في شأنهم بعض الشروط، منها: تمضية المتهم نصف مدة عقوبته، وإظهار حسن السلوك داخل المؤسسة العقابية، وعدم تشكيل الإفراج عن المحكوم عليه خطراً على الأمن العام.

مروة قناوي تؤكد أن الإفراج عن المتهمَين بقتل ابنها ليس قانونياً، موضحة أن المتهمين قد ينطبق عليهما شرط قضاء نصف المدة، إلا أن شرط حسن السير والسلوك غير منطبق عليهما

ويُستثنى من قرار الإفراج الشرطي المتهمون المدانون في جرائم التجمهر، ومكافحة والإرهاب، والمخدرات، وغسيل الأموال.

وتصدر مثل هذا القرار لجنة الإفراج الشرطي في إدارة مصلحة السجون، ثم يوافق عليه وزير الداخلية ثم يقرّه رئيس الجمهورية ويُنفّذ. وفي العادة يجري تنفيذ مثل هذه القرارات في المناسبات القومية والأعياد الرسمية.

لكن مروة قناوي تؤكد أن الإفراج عن المتهمَين بقتل ابنها ليس قانونياً، موضحة أن المتهمين قد ينطبق عليهما شرط قضاء نصف المدة، إلا أن شرط حسن السير والسلوك غير منطبق عليهما. تقول: "عندي ما يثبت إنهم خلال الفترة من ساعة صدور الحكم ما أثبتوش استحقاقهم الإفراج، دول خطر على الأمن الشخصي للناس، بعدما قتلوا يوسف وخلال فترة هروبهم من الحكم القضائي، حصل إنهم ضربوا نار مرة أخرى في بعض المناسبات، وحاولوا يتلاعبوا بالقانون بمحاولة إقناع الفتاة المصابة في واقعة قتل يوسف بتغيير شهادتها بمقابل مادي كبير، ده غير إنهم ما احترموش القانون من الأول وهربوا، هو إحنا بنكافئهم مثلاً؟!".

وقالت إنها ستجتمع مع المحامين لتحديد الإجراءات التي يمكنها اتخاذها، وستتقدم بتلغراف إلى رئاسة الجمهورية وبلاغ للنائب العام، متمنيةً أن تساندها وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي.

رسالة إلى رئيس الجمهورية

حالما علمت أم يوسف نبأ قرار الإفراج عن قتلة ابنها، اتجهت إلى وسائل التواصل الاجتماعي، وأطلقت هاشتاغ "حق يوسف" الذي دشنته من قبل بينما كانت تبحث عن العدالة، وانتشر الوسم في صفوف المتضامنين مع قضيتها وكتبوا مطالبين بإيقاف قرار الإفراج عن الجناة.

وقالت قناوي: "أنا عملت اللي عليا وجبت حق يوسف، والفسدة عملوا اللي عليهم وسرقوا حق يوسف، وكله بالقانون!". واتخذت من خبر متداول عن بكاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي متأثراً بحديث إحدى الفتيات خلال حفل ختام منتدى شباب العالم، مدخلاً لتوجيه رسالة إليه، قالت فيها: "عزيزي سيدي الرئيس، شاهدتك عندما تحدثت إليك فتاة في مقتبل العمر عن مخاوفها من المستقبل وعن أحلامها التي طالما حلمت بها، فأردت أن أقص عليك أحلام طفل قتل من أشخاص ذوي نفوذ في مراكز حساسة بالدولة، يوسف سامح العربي، طفل ذو 13 عاماً أصابته رصاصة طائشة من أحد الأفراح وظل يقاوم 12 يوماً حتى وافته المنية، فرضيت بقضاء الله وقدره واحتسبته شهيداً، لكني أبيت أن ترحل ابتسامته فرسمته على جدران بيتي، وأبيت أن تنتهي إنجازاته فقمت بحملة ضد تلك العادة المميتة – حملة "لا لإطلاق النار في المناسبات"- وأبيت أن تقتل أحلامه فَجُعْتُ حتى يتم تحقيق العدالة ويُسجن من كان سبباً في قتله. لكني أبلغت أمس بأنه صدر قرار بالإفراج الشرطي على هؤلاء ليخرجوا من السجن بنصف المدة، مع العلم أنه لا تنطبق عليهم شروط العفو الشرطي".

 وأضافت: "هؤلاء يمثلون خطراً على أمن الناس، فارتكبوا نفس الجرم (إطلاق النيران احتفالاً) بعد وفاة والد أحدهم ونجاح عمه في الدورة التكميلية لانتخابات مجلس الشعب، وذلك بعد وفاة يوسف وقبل القبض عليهم أثناء هروبهم من حكم قضائي، كما حاولوا التواصل بالشاهدة دعاء أحمد، المجني عليها في نفس القضية، ومحاولة إقناعها بتغيير شهادتها في مقابل مادي كبير، فأي حسن سير وسلوك يتحدثون عنه مع أنهم أشخاص لم يشعروا للحظة بالندم تجاه ما اقترفوه من جرم؟ وأساءوا للدولة المصرية حينما استغلوا سلطاتهم ونفوذهم في عرقلة تنفيذ القانون وعدم احترام القضاء".

وطالبت مروة الرئيس بالتدخل لوقف ما وصفته "بالعبث"، مؤكدة أن استكمال عقوبتهم ضمانة لمستقبل العدالة. وأكدت أن أملها كبير في وصول صوتها لرئيس الجمهورية واستجابته لها، قائلة: "الصدفة اللي خلتني أعرف بقرار الإفراج قبل تنفيذه بـ10 أيام خلت عندي يقين بإن صوتي هيوصل".

سبق أن أثارت عدة قرارات عفو حفيظة المصريين بعدما صدرت في حق متهمين ارتكبوا جرائم بشعة شغلت الرأي العام، منهم قاتلي الفنانة اللبنانية سوزان تميم وبلطجي شهير يدعى صبري نخنوخ

 الإفراج والعفو لمن؟

يعتبر الإفراج الشرطي أحد أنواع الإعفاءات التي يتم بموجبها الإفراج عن بعض المسجونين قبل انقضاء مدة عقوبتهم، ومن بينها أيضاً: العفو الرئاسي والعفو الصحي.

بمعزل عن قضية الطفل يوسف العربي، سبق أن أثارت عدة قرارات عفو حفيظة المصريين بعدما صدرت في حق مجرمين متهمين بقضايا شغلت الرأي العام بعض الوقت. ففي أيلول/ سبتمبر 2017، صدر قرار بالعفو الرئاسي عن رجل الأعمال الشهير هشام طلعت مصطفى، الذي كان مداناً بالتحريض على قتل المطربة اللبنانية سوزان تميم عام 2008 في دبي، وحكم  عليه بالإعدام أولاً ثم خُفف الحكم إلى 15 عاماً، وقد أثارت هذه القضية غضب الرأي العام في مصر ولبنان والإمارات.

وفي عام 2018، صدر قرار بالعفو الرئاسي في حق أشهر بلطجي في مصر، صبري نخنوخ، الذي كان يلقب بـ"أمير بلطجية المصريين ووزير البلطجة في مصر" وهو محكوم بالسجن 28 عاماً بعد القبض عليه في عام 2012.

وفي عام 2020، شملت قائمة العفو الرئاسي 3157 سجيناً، بينهم محسن السكري، وهو ضابط أمن سابق استأجره رجل الأعمال طلعت مصطفى لقتل سوزان تميم، وحُكم عليه بالسجن المؤبد، وقد أيقظت هذه القائمة جدلاً واسعاً بسبب شمولها اسمه وخلوها من أسماء المعتقلين السياسيين وسجناء الرأي.

محامون: "لن توقف القرار"

في سياق متصل، قال المحامي نجاد البرعي لرصيف22 إن وزارة الداخلية هي صاحبة القرار في تحديد المستحقين للإفراج الشرطي، ويضيف: "الأساس في الموضوع إن اللي يقضي جزء من العقوبة وزارة الداخلية يكون ليها الحق في تحديد مدى حسن سلوكه، وبالتالي يخضع لشروط العفو أم لا".

وعلّق على تصريحات والدة يوسف العربي بشأن عدم انطباق شرط حسن السير والسلوك على المتهين بقتل ابنها: "لو عندها ما يثبت تقدمه، لكن فكرة حسن السير والسلوك بتعتمد على سلوكه داخل السجن مش قبل دخوله، ماهو قبل دخوله أكيد كان سيء السير والسلوك، والعقوبة هدفها إصلاحه وتهذيبه".

وأضاف: "هتثبت ازاي إنهم مش حسني السير والسلوك داخل السجن؟ دي أمور بيحددها إدارة السجن إن السجين بقى عضو نافع في المجتمع والعقوبة غيرت سلوكه"، لافتاً إلى أنه لم يحدث من قبل أن اتخذت وزارة الداخلية قراراً بالإفراج الشرطي عن متهم ثم تراجعت عنه: "ده قرار إداري أكثر منه قانوني".

أيّد هذا الرأي، شادي طلعت المدير العام لمنظمة اتحاد المحامين للدراسات القانونية، وقال لرصيف22 إن والدة يوسف لن تتمكن من إلغاء قرار العفو عن المتهمين، لأنهم استوفوا شروط وزارة الداخلية للإفراج الشرطي بقضاء نصف مدة العقوبة داخل السجن و"ليسا هاربين"، "خاصة أن جريمة القتل وقعت خطأً إذ لم يكن هناك سابق معرفة بين والدة المجني عليه والمتهمين".

وأشار إلى أن قرار الإفراج الشرطي يصدر بعد استيفاء بيانات المتهمين والتأكد أن سلوكهم داخل السجن حسن، وأنهم أيضاً ليسوا على ذمة قضية أخرى. "حتى الاستغاثة برئاسة الجمهورية لن تجدي".

وفرّق طلعت بين العفو الشرطي والعفو الرئاسي، موضحاً أن العفو الرئاسي لا يتقيد بمدة وليس له شروط. وختم: "لو واحد محبوس بتأبيدة ممكن الرئيس يخرجه وده موجود في كل دول العالم".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard