هل انتهى عصر القس المصري مكاري يونان؟

الخميس 13 يناير 202208:01 م

انتشرت عادة غريبة في أوساط المسيحيين المتدينين، لا سيما في الصعيد المصري، وهم يشاهدون بتركيزٍ وورعٍ شديدين، عظة القس الشهير مكاري يونان، عبر قناة الكرمة الفضائية، مساء كل يوم جمعة، إذ يقوم هؤلاء بوضع زجاجة مياه بجوار شاشة التلفزيون، لتحضر الصلاة معهم، وتحلّ عليها البركة، وتشفي الأمراض، بعدما يتلو عليها الكاهن صلواته!

ما أثار انتباهي وقتها، اتفاق هؤلاء المؤمنين كلهم على وضع زجاجة المياه بهذا الشكل، قبل أن تُفهمني أمي أن "أبونا مكاري هو اللي قال لنا نعمل كده". ربما هذا النوع من الإيمان الغيبي، والثقة المفرطة في التعامل مع رجل دين، جعلتني لم أندهش عندما ربط بعض المسيحيين حدوث زلزال في مصر، الثلاثاء الماضي، بوفاة الكاهن الأكثر شعبيةً وجدلاً في مصر طوال نصف قرن مضى، القس مكاري يونان، عن عمر يناهز الثامنة والثمانين، إثر إصابته بفيروس كورونا.

كنت فتى لم يتجاوز الثانية عشرة، حين سمعت اسم مكاري يونان للمرة الأولى، عندما قرر رجال العائلة اصطحاب إحدى قريباتي إلى القاهرة ليراها "أبونا مكاري"، ويُخرج منها الجن الذي يتلبّسها. كان ذلك في منتصف تسعينيات القرن الماضي. ذهبت قريبتي إلى القاهرة بالفعل، وقابلها القس الشهير، وعادت هادئةً تماماً، وتبتسم في بعض الأحيان، وظلّ، ليلة عودتها، يحكي الرجال والنساء الذين كانوا بصحبتها عن قوة "قاهر الشياطين"، وسلطانه، على الأرواح الشريرة، ويباركون لبعضهم البعض لشفاء ابنتهم.

ربما هذا النوع من الإيمان الغيبي، والثقة المفرطة في التعامل مع رجل دين، جعلتني لم أندهش عندما ربط بعض المسيحيين حدوث زلزال في مصر، بوفاة الكاهن الأكثر شعبيةً وجدلاً في مصر طوال نصف قرن مضى، القس مكاري يونان، عن عمر يناهز الثامنة والثمانين، إثر إصابته بفيروس كورونا.

ظللت طوال الليل أحاول السيطرة على رهبتي وخوفي، وأنا أستمع إلى حكاياتهم عن الممسوسين من الجن الذين رأوهم في الكنيسة وهم يصرخون ويتلون على الأرض بمجرد رؤية الكاهن. بعد أقل من أسبوع على ذهاب قريبتي لمقابلة القس، قامت بإحراق نفسها، وأنهت حياتها، تاركةً صغارها لأبٍ قاسٍ كان ينهال ضرباً على جسد الأم المسكينة كل مساء، طوال عشر سنوات هي مدة زواجهما، وكان هو السبب الرئيسي في سوء حالتها النفسية، وانتحارها في النهاية، وليس الجن كما كان يؤمن الجميع. يومها، لم أجد إجابةً على حيرتي وسؤالي: هل عاد الجن إلى جسد قريبتي ثانيةً، فقامت بفعلتها هذه؟ أين ذهبت بركة "قاهر الشياطين"، "أبونا مكاري"، وقوّته؟

استمر اسم القس وصوته ذو النبرة الحادة، في مطاردتي بعظاته التي انتشرت في كل بيت مسيحي في مصر، بشكلٍ يضاهي انتشار شرائط كاسيت المطربين الشباب وقتها، مثل عمرو دياب، وإيهاب توفيق. فقد تحوّل اسم "أبونا مكاري يونان"، إلى ماركة مسجلة وتحقق شرائط الكاسيت المحمّلة بعظاته، أعلى المبيعات في المكتبات المسيحية، بسبب نهجه المختلف عن الكهنة الأرثوذكس، في الطريقة ونوعية الموضوعات، والحبكة في رواية القصص، فضلاً عن صوته، الذي يجيد استخدام طبقاته ومخارج كلماته المطعّمة بلهجة صعيدية محببة، مع الكثير من التأثر، وأحياناً البكاء، وهي المدرسة الإنجيلية في الوعظ الديني، المختلفة كلياً عن طريقة الأرثوذكس الهادئة الرزينة والكلاسيكية. ويبدو أن جمهور المؤمنين كانوا بحاجة إلى التجديد، فتفاعلوا بشدة مع هذه الطريقة. ليس الجمهور فحسب، بل رجال دين آخرون تبعوه، حتى من ديانات أخرى، كالداعية عمرو خالد، الذي تندّر على طريقته البعض أوّل ظهوره، وأطلقوا عليه "مكاري يونان المسلمين".

يمكنك مجادلة المسيحي الأرثوذكسي المصري في مسائل عقائدية كبرى، كالمعمودية، أو الاعتراف، لكنه لا يسمح لك أبداً في مجادلته في شأن قدرة "أبونا مكاري يونان" على صنع المعجزات.

ومع نجوميته غير المسبوقة لرجل دين، انتشرت شائعة التصقت بنجوميته بين العامّة، بأنه قس إنجيلي ترك مذهبه، واعتنق المذهب الأرثوذكسي. وعلى الرغم من كونها شائعةً، إلا أن التهمة تحولت إلى اتهام، وتم تحويله إلى المجلس الإكليريكي لشؤون الكهنة، لمحاكمته.

لكن يبدو أن شعبية الرجل ونجوميته وسط جموع المسيحيين، حالتا دون الاقتراب منه، وتركه وشأنه طالما أنه لا يتدخل في شؤون الكنيسة، أو يطلق تصريحاتٍ سياسيةً تجلب المشكلات للكنيسة، على الرغم من تحذيرات البطريرك الراحل له مراراً، بعدم ترهيب الناس، والكلام عن نهاية العالم، لا سيما بعد انتشار عظته الشهيرة عن علامات قرب الساعة، والمعروفة باسم عظة "البقرة الحمراء". وكنت أنا قد بدأت أكبر قليلاً، لكنها تكفي لتجعلني أضحك كلما سمعت، أو جاءت حتى سيرة إحدى العظات التي كانت تخيفني في طفولتي، عن العقاب الإلهي للبشر يوم القيامة، والنار والوحوش التي ستلتهم الخطاة أمثالي.

منذ معرفة القنوات الفضائية طريقها إلى تلفزيون بيتنا، لا تشاهد أمي سوى قناة ctv المسيحية، لكنها تحفظ ميعاداً مقدساً على محطة أخرى، تعرض البث المباشر للاجتماع الأسبوعي، كل يوم جمعة، للقس مكاري يونان، من مقر الكنيسة المرقسية في القاهرة، أو "البطركخانة"، المعروفة على المستوى الشعبي باسم "كنيسة أبونا مكاري"، والتي لم يغادرها القس طوال نصف قرن.

أخيراً أصبح بإمكان كل مسيحي رؤية وجه "أبونا مكاري يونان"، الذي نعرفه من صوته طوال عقود. مرحلة أخرى من النجومية للرجل بدأت، فقد تحولت العظات المسموعة إلى صورة حية استحوذ بها القس على عقول البسطاء، حد الهوس، بالترويج لقدرات إعجازية له، بجانب استخراج الجن من أجساد الناس على الهواء مباشرةً، وشفاء بعض الأمراض، بالصلاة والماء المقدس فحسب، وامتلأ اجتماعه الأسبوعي "كل جمعة"، بالمريدين المرضى من كل حدب وصوب، الباحثين عن العلاج، وحدوث المعجزة، ما فجّر اتهاماتٍ وسخريةً من معارضي مكاري يونان، بسبب منهجه، واتهموه بخداع البسطاء، ورفضه للطب النفسي في علاج هذه الحالات، ولم يتراجع الرجل عن الاعتراف بقدرته على صنع المعجزات باسم الرب، وهي الشهرة الشعبية الكاسحة له بين أتباعه من المسلمين قبل المسيحيين في مصر. وقد يمكنك مجادلة المسيحي الأرثوذكسي المصري في مسائل عقائدية كبرى، كالمعمودية، أو الاعتراف، لكنه لا يسمح لك أبداً في مجادلته في شأن قدرة "أبونا مكاري يونان" على صنع المعجزات. حتى بعد فضيحة فبركة صور ظهور المسيح، التي روّج لها القس في 2015، وفي النهاية اتّضح أن القصة بالفعل مفبركة، وخرج "يونان" ليعتذر عنها، ووصف الأمر بـ"سوء الفهم".

استمر اسمه وصوته ذو النبرة الحادة، في مطاردتي بعظاته التي انتشرت في كل بيت مسيحي في مصر، بشكلٍ يضاهي انتشار شرائط كاسيت المطربين الشباب وقتها، مثل عمرو دياب، وإيهاب توفيق. فقد تحوّل اسم "أبونا مكاري يونان"، إلى ماركة مسجلة وتحقق شرائط الكاسيت المحمّلة بعظاته، أعلى المبيعات في المكتبات المسيحية

كنت قد كبرت أكثر وأكثر، لأقتنع بأنه لا جدوى في المناقشة والجدال. أصبحت أذكّر أمي بموعد الاجتماع الأسبوعي للقس الذي اكتفيت بأنه على الأقل لم ينزلق إلى بحر السياسة، كنجوميةٍ إضافية له، على الرغم من الأحداث الكبرى التي تعرّضت لها مصر، بدءاً من ثورة 25 كانون الثاني/ يناير في 2011، وحتى عام 2015، ولم يخرج القس مكاري يونان خارج جدران كنيسته وعظاته وجمهوره؛ يعظ ويرنّم ويُخرج الشياطين، كل يوم جمعة، على قناة "الكرمة" المسيحية، ولم يتدخل في السياسة كعادته طوال عمره، ولم يطلق تصريحاتٍ، أو يشارك في أي فعاليات لها علاقة من قريب أو بعيد بالسياسة.

لكن، قبل رحيله، تغيّرت هذه المعادلة، وذلك عندما استقبل الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، على الرغم من كبر سنّه، وحالته الصحية، مع جموع مؤيدي الرئيس المصري، عقب عودته من إحدى رحلاته إلى الولايات المتحدة، بعد دعوات المقاول المصري المعارض، محمد علي، بالتظاهر ضد النظام المصري، وصرّح القس يومها بأن الرئيس السيسي "مرسل من الله لحماية مصر"، ويتمنى أن يحكم البلد طوال عمره، وهو ما أكد عليه أكثر من مرة بعدها، في فترة التعديلات الدستورية الأخيرة، داعياً الأقباط إلى قبول هذه التعديلات والترحيب بها. وهذه خيّبة إضافية.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard