ليست كل خشخشة لحمّالة المفاتيح علامةً للمرح

الأحد 9 يناير 202212:07 م

كانت جدتي تملك من الثقة والطمأنينة ما يجعلها تكمل جلستها الطويلة عند الجارات، طالما أن مفتاح صندوقها السحري مربوط بخيط قوي كسوار في يدها، بينما أبي كان أكثر طمأنينةً، إذ يكتفي في الليل بردّ باب الدار من دون قفله.

وحين كنت، أنا الطفل، أقول له مستنكراً أو راجياً: "لماذا لا تقفل الباب يا أبي؟ قد يأتي الحرامي ويسرق أختي الصغيرة". يبتسم ويرد ساخراً: "سيردها لنا في الصباح الباكر. لن يحتمل بكاءها الذي لا ينقطع"، ثم يستدرك بحنان وجدية: "لا تخَف يا حبيبي، لا لصوص في حيّنا".

فقط حين نعود إلى الغابة، ونعيش وحيدين، هناك سنتخلى عن المفاتيح.

مات أبي، وصرنا نقفل باب الدار، ونملك نسخاً للمفاتيح تساوي عددنا. أتذكر أن أول مفتاح ملكته كان لدرج خشبي صغير وضعت في داخله مقتنياتي البسيطة التي لن تعني شيئاً لأحد، لو صادفها، لكنها تخصني أنا بالذات. وتراكم السرّ الذي أربّيه منذ قفلت للمرة الأولى باب الحمام من الداخل، وتلقيت دروس الاغتسال المعقدة بصوت أمي من خلف الباب، وأتممتُ المهمة من دون أن تشاركني البخار، ورائحة الصابون. كنت يومها وحيداً بما يسمح لي بأن أتأكد بدقة من أن الزغب الناعم بين ساقيّ لم يعد كذلك، بل بدأ يميل إلى الخشونة قليلاً، ويصبح لونه غامقاً أكثر فأكثر. ثمة وقت كافٍ، ومساحة مغلقة وخاصة، يتيحان لي أن أمارس "العادة السرية"، من دون أن يقطع عليّ المتعة مخلوق في هذا الكون، فالجميع، وحتى أصواتهم، هي خلف الباب. جميعهم في حفرة ضيقة، وأنا وحدي في الكون الفسيح الذي لا يزيد عن مترين مربّعين.

صرت أملك مفتاحاً. لا بد إذاً من حمّالة. في السوق، طلبت من أمي أن تشتري لي واحدةً من تلك الكرات الأرضية الصغيرة التي تتدلى من بسطة البائع، ليكتمل المشهد أمام الرفاق في الحي. صرت الآن أملك حمالةً بمفتاح وحيد أقلّبها بين أصابعي، وأعقلها لتتدلى من خصري.

روى لنا صديق أخي الأكبر في سهرة قديمة، كيف أنه بقي أسبوعاً كاملاً يتأمل باب الزنزانة من الداخل. قال: ثم تألف المشهد تماماً، وتبدأ تالياً بتفحّص تفاصيل الجدران، والسقف، والأرضية. تستمر في ذلك حتى وإن حفظتها عن ظهر قلب. محظوظ من يسليه وجود حشرة. يبقى صوت واحد يشغلك طوال سنين معتمة، ويصبح أحد أهم هواجسك. إنه صوت دورة المفتاح في قلب القفل، وصرير الباب حين يفتح. أضاف: الاعتقال ببساطة هو أن تعيش مع قفل محكم، وليس بيدك مفتاحه، وليست كل خشخشة بحمالة المفاتيح، علامةً للمرح.

يبقى صوت واحد يشغلك طوال سنين معتمة، ويصبح أحد أهم هواجسك. إنه صوت دورة المفتاح في قلب القفل، وصرير الباب حين يفتح. أضاف: الاعتقال ببساطة هو أن تعيش مع قفل محكم، وليس بيدك مفتاحه، وليست كل خشخشة بحمالة المفاتيح، علامةً للمرح

لو كنت في رأس الأقفال، كنت لأحسد المفاتيح، إذ تبقى حرةً طليقةً، بينما القفل كامن لا يغادر مكانه. لكن هذا حسد غير مبرر، فالكمون قوة وحضور، ولا يقل عن الفاعلية والحركة. الأمر أشبه بالذكورة والأنوثة، إذ تمثل الذكورة الإيجاب. إنها حركة وفعل. بينما الأنوثة تمثل السلب. إنها كمون فاعل، وإن بدا بلا حركة. وأشهر الأمثلة انتظار البويضة ملايين الحيوانات المنوية المندفعة نحوها، فلا معنى للمفتاح بلا أقفال، إذ سيصبح خردةً تافهةً. ثمة خلل في المفاضلة بين السلب والإيجاب، وعدّ الإيجاب عنصراً رفيعاً، بينما السلب ينتمي إلى الأدنى! الأمر في النهاية حاجة متبادلة، ومحض تكامل.

حتى في المخيال الشعبي، تفضح اللغة أمراً مهماً حين يعبّر الناس عن "المسألة"، بمفردة "مفتوحة"، كنايةً عن وصم الأنثى التي فقدت عذريتها بشكل أو بآخر، محمّلين الكلمة شحنةً من المعاني تخص قوة الرجل، وفاعليته، ومقدرته، بينما هي مجرد قفل لا معنى له ينتظر الإيلاج، ويمكن انتهاكه ببساطة، وحتى تدميره بقضيب الذكر، كأنه مالك للمفتاح السحري.

لا تخلو الأمثال الشعبية، والحكم، من المفاتيح. نجد استخدام المفتاح في الكثير من المجازات على منوال (العلم مفتاح النجاح، أو الصبر مفتاح الفرج... إلخ)، حتى أن صاحب ورشة نسخ المفاتيح، وضع على الجدار الأوضح في محله، عبارة "الصبر مفتاح الفرج"، راسماً شكل مفتاح جميل، بدلاً من كلمة مفتاح التي تتوسط الصبر والفرج. أعتقد ببساطة أن الأمر ينتمي إلى نوع من الإبداع البسيط المنتشر بين الكثير من المراهقين وألعابهم في ملل الحصص الدراسية، وأشهرها I love you، برسمة قلبٍ مكان مفردة love. كما لا تخلو بعض الأغاني من عدّ الحبيب مالكاً للقفل والمفتاح (قلبي ومفتاحه). اشتهر استخدام الجوزة والمفتاح كرمز يخصّ العشاق، عابراً كل الثقافات.

أنا متأكد من أن الكثير من السوريون في الشتات، ودول اللجوء، لا زالوا يملكون مفاتيح بيوتهم التي هجروها خوفاً، إذ صار للسوري مفتاح ينتظر في قلادة، كما الفلسطيني.

فقط حين نعود إلى الغابة، ونعيش وحيدين، هناك سنتخلى عن المفاتيح. وإذا ما انتبهنا فجأةً إلى حمالة المفاتيح القادمة معنا من عالم الحضارة مصادفةً، تلك المنسية في جيب ما، سننظر إليها بعين الريبة والسخرية، ونقول في سرّنا: ماذا تفعل هذه الخردة هنا؟ إذ لا معنى لوجودها أبداً، مع أنها هي ذاتها المفاتيح التي لطالما أخّرتنا عن الدوام الصباحي غير مرة، وهي ذاتها من شغلنا الأصدقاء بالبحث عنها لساعة كاملة في آخر السهرة الصاخبة، وهي ذاتها من يملك أفراد الأسرة نسخاً منها. لكن مهلاً، مهما كان شكل الازدراء الذي لقيته مفاتيحنا في تلك اللحظة، فإننا سنبحث في الغابة عن طرق وأدوات تحمينا من الأخطار المحتملة. قد تكون لوحاً خشبياً ضخماً يسد باب كوخنا، أو بعض العيدان التي نشبكها لتمنع مرور الحيوانات المفترسة. في كل الأحوال، لا مفر من الأقفال والمفاتيح والأرتاج، مهما كان شكلها. الفكرة في الأصل واحدة؛ إنه الخوف من شيء يقتحم أمننا أو سرّنا وخصوصيتنا، حتى ورقة التوت تلك التي تغطي العورات، هي قفل بشكل أو بآخر. ربما وحدهم المجانين لا يملكون مفاتيح ولا أقفالاً. لا أداة عبر التاريخ البشري أكثر التصاقاً بنا مثلها.

يقال إن المفاتيح ظهرت منذ ستة آلاف عام، واكتُشف أول قفل في المدينة العراقية القديمة نينوى، وكان هناك مفتاح الحياة عند الفراعنة والمصريين القدماء الذي يرمز إلى الحياة، وأشهر صانعي الأقفال والمفاتيح في الحضارة العربية الإسلامية، كان العالم أبو العز الجزري في القرن الثاني عشر، صانع القفل الحرفي المعقد. في عام 1778، عكف روبرت بارون في بريطانيا، على تمكين قدرة الأقفال، وزيادة أمنها. استمرت أعمال التطوير والإضافة على قدرة الأقفال من قبل التكنولوجيين إلى اليوم، فصُنعت الأقفال الذكية التي تعتمد على الرمز، والبطاقات الممغنطة، وأشعة الليزر، وبصمات الصوت والعين والأصابع، وغيرها مما يقدّمه الذكاء الاصطناعي في عصرنا.

تفاجأ الشيخ كيف أن الباب الزجاجي الضخم قد فُتح من تلقاء نفسه لحظة وصوله المستشفى. أدهشه الأمر، فوقف قليلاً، ثم التفت إلى مرافقه قائلاً بمزيج من الإيمان والاعتداد بالنفس، كمن تلقى إشارةً من الله بأنه صاحب كرامات: "يا بني... لا تروي هذه الحادثة عني قبل أن أموت"

كان المفتاح رمزاً للسلطة والمقدرة، مثلاً عبارة "الفتح الإسلامي". كما نجد المفتاح مرسوماً على الرايات والأختام، ورمزاً لمآلات ما يحصل في الفتوحات، فحين يمتلك الغازي مفتاح المدينة، يعني هذا نصراً مكللاً، وحين يُسلّم المفتاح تسليماً، فثمة خيانة في الجو. ومن أشهر المفاتيح في هذا العصر، مفتاح العودة الفلسطيني. أنا متأكد من أن الكثير من السوريون في الشتات، ودول اللجوء، لا زالوا يملكون مفاتيح بيوتهم التي هجروها خوفاً، إذ صار للسوري مفتاح ينتظر في قلادة، كما الفلسطيني. ولا أبالغ إن قلت: كذلك من بقي في الداخل السوري، يملك مفاتيح مؤقتة وقلقة لبيوت لا يعرف متى يهجرها ويتركها وحيدةً، بحثاً عن الحياة الطبيعية في مكان ما.

تقول إحدى أظرف النكات أن رجل دين عجوز زار العاصمة للمرة الأولى، برفقة مُريده، وحين وصلا إلى المشفى، تفاجأ الشيخ كيف أن الباب الزجاجي الضخم قد فُتح من تلقاء نفسه لحظة وصوله. أدهشه الأمر، فوقف قليلاً، ثم التفت إلى مرافقه قائلاً بمزيج من الإيمان والاعتداد بالنفس، كمن تلقى إشارةً من الله بأنه صاحب كرامات: "يا بني... لا تروي هذه الحادثة عني قبل أن أموت".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard