كريسماس مرّ أو بطعم الشوكولا؟

الخميس 23 ديسمبر 202112:32 م

مع بداية كانون الأول/ ديسمبر، تستعد الواجهات في دمشق لاستقبال الكريسماس. يتحوّل كلّ شيء إلى كرنفال ملوّن يتقدّمه دائماً سانتا العجوز، في الحارات الضيّقة، والشوارع الكبيرة. تنتشر زينة الأشجار الذهبية والفضّية، والشموع الحمراء والخضراء، ووردة الميلاد الجميلة، وصناديق الهدايا. كل شيء يغريك للاحتفال والسعادة. شهر دافئ، ذو روحانية عالية بالنسبة إليّ، ومرتبط بطفولتي وبالعائلة، وبالأحلام والأمنيات، كالحصول على الشوكولا المحشوّة بالكريما، كما يحبّها أخي وأمي، والمحشوّة بالمكسرات، كما أحبها أنا وأبي.

بالنسبة إليّ، كانون الأول/ ديسمبر شهرٌ لإعادة تقييم الذات، وتقييم العام بشكلٍ كامل، ومحاولة لطرد الحزن، وإفساح مساحات أوسع في القلب للفرح؛ هكذا كان مفهومي عن هذا الشهر. أحتفل بالألوان وتحضير شجرة الميلاد التي تأخذ منّي الكثير من الوقت، لتغدو في أفضل حلّة، وتضفي على بيتنا الكثير من الهدوء والجمال والطمأنينة.

لعنة الفقر توحّد أحزان الأطفال، فتصبح البلدان كلها متشابهةً...

كيف تحوّل شهر التأمّل، إلى شهر الكآبة والعجز؟

بقيت هذه تصوّراتي عن عيد الميلاد، إلى أن بدأتُ بالعمل مع منظّمةٍ إنسانية، زرت خلاله، في دمشق، بيوت النازحين من مدنٍ أخرى. في إحدى الزيارات إلى عائلةٍ محبّبة إلى قلبي، أخبرتني الأم بأن الكريسماس يُشعِرها بالاكتئاب، كما يُشعِر أطفالها أيضاً بالحزن، فتشعر هي وزوجها بالعجز الكامل. لم أستطع في البداية إدراك ماذا تشعر في شهر الألوان والفرح، و"الجنكل بيلز"، التي تملأ مسامعنا بالاكتئاب والعجز؟ تتابع حديثها بينما مونولوج الأسئلة لا يتوقّف في داخلي.

تقول الأمّ: "أمنيتي أن أشتري لأطفالي شجرةً وزينةً وأضواءً وملابس جديدة، وأن تخرج رائحة المخبوزات من بيتنا". تتمنى هذه الأمّ أن تقول لأطفالها يوم الكريسماس: "صباح الخير يا أولاد... تعالوا لتأكلوا شوكولا العيد". تختصر الأمّ في هذا العام العيد، بالحصول على كيلو شوكولا. بحزنٍ عميق، وملامح شاحبة، تسرد أمنياتها.

لعنة الفقر توحّد أحزان الأطفال، فتصبح البلدان كلها متشابهةً...

استحضر مشهداً من رواية "شجرتي شجرة البرتقال الرائعة"، للكاتب البرازيلي خوسيه فاسكونسيلوس، يحاول فيها لويس وزيزا الحصول على هدية للميلاد في حيٍّ فقير، إلا أنهما لا يستطيعان الحصول على الهدايا، بسبب تأخّرهم عن موعد توزيعها مجاناً، فيبكي لويس في الشارع، أما زيزا فيغضب ويتحطم قلبه يأساً، بسبب الفقر، مردداً: "هل تظنّ بأننا لن نحصل على شيء... لا شيء أبداً في عيد الميلاد؟".

في داخل هذا الكيس الكبير والمليء، الذي يحمله سانتا على ظهره، ألا يوجد قلب قادر على أن يحتويني ويحميني، وفرصة عمل جيدة بمردودٍ عالٍ؟ وتأشيرة دخول إلى بلدٍ أختاره أنا، وأحبّه؟

يصف الكاتب عشاء ليلة الميلاد: "كان عشاءً حزيناً جداً، من الأفضل عدم التفكير فيه مجدداً. تناول الجميع الطعام من دون أن يقولوا شيئاً، كما لم نذهب لحضور قدّاس منتصف الليل. الأسوأ أن لا أحد تكلّم مع أحد، فبدا وكأن السهرة مأتم المسيح الصغير، لا الاحتفال بمولده".

أفكّر في لو أزلنا الشجرة والأضواء والهدايا وموسيقى فرانك سيناترا، وفيروز، والشوكولا بألوانها كلها، والمخبوزات، هل سأشعر فعلاً بأنه شهر العجز والاكتئاب؟ هل وضع سانتا سوريا هذا العام على القائمة السوداء؟ لا تساعده الشوارع المعتمة على اكتشاف طريقه، ولا البيوت الباردة تساعده على التسلل عبر المداخن، وإن شعر بالجوع عند وضعه للهدايا، وأراد الأكل قبل رحيله، فسيجد ثلّاجةً فارغة.

هل وضعنا الفرح، كسوريين، على القائمة السوداء، وباتت هدية الكريسماس لأطفالنا أمنية؟

هل كآبة كريسماس معدية؟

هل كآبة كريسماس معدية؟

يقيناً، أعلم أن السلام والرجاء والحب هي هدايا لا يستطيع سانتا كلوز منحي إياها، لكن كيف تقنع طفلاً صغيراً يرى في سانتا والهدية، بهجةً لن يجدها في أيّ شيء آخر؟ وسط ذلك كله، شعرت أنا أيضاً بالحزن، واستعدتُ ما مرّ عليّ هذا العام، كله، من صعوبات، وكأن كلام تلك المرأة استفزّ العجز الذي أشعر به أنا أيضاً. أردت أن أقول لسانتا الكثير، وكأن فكرة أنه شخصية وهمية ساعدتني لأكشف له خبايا قلبي وعجزي.

هل يستطيع سانتا جعل الذين نحبّهم يحبوننا؟ هل يستطيع سانتا جعلنا نشعر بالطمأنينة والاكتفاء الداخلي؟ هل يستطيع حماية قلوبنا من الخذلان؟

في داخل هذا الكيس الكبير والمليء، الذي يحمله سانتا على ظهره، ألا يوجد قلب قادر على أن يحتويني ويحميني، وفرصة عمل جيدة بمردودٍ عالٍ؟ وتأشيرة دخول إلى بلدٍ أختاره أنا، وأحبّه؟

أثر هذا الموسم الكئيب، والشعور بالعجز عن تحقيق ما أردنا طوال العام، بالإضافة إلى الدفء الروحي للميلاد، يضطرنا إلى مواجهة برودة أرواحنا وغربتها التي نهرب منها طوال العام بانشغالاتنا الوهمية، نضطر إلى الاعتراف بأحلامنا المؤجّلة كلها، وأن نواجه ضعفنا المخفي

أثر هذا الموسم الكئيب، والشعور بالعجز عن تحقيق ما أردنا طوال العام، بالإضافة إلى الدفء الروحي للميلاد، يضطرنا إلى مواجهة برودة أرواحنا وغربتها التي نهرب منها طوال العام بانشغالاتنا الوهمية، نضطر إلى الاعتراف بأحلامنا المؤجّلة كلها، وأن نواجه ضعفنا المخفي.

أدرك في النهاية أنه وعلى الرغم من مبادرات الجمعيات الإنسانية لمساعدة أطفال سوريا، وعلى الرغم من المساعدات المادية والمعنوية والنفسية، إلا أن الرفاه الاقتصادي سيبقى بعيد المنال عنهم، وعن عائلاتهم. كآبة الصغار في الأعياد والمواسم والعطلات الصيفية، دليل على أن بلادنا غير صالحة لأحلام الأطفال البريئة، وبيئة قاسية عليهم، تكسر كلّ يومٍ أملاً صغيراً فيهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard