ميلادٌ كئيب في دمشق

الخميس 23 ديسمبر 202110:48 ص

تغيّر وجه الشام كثيراً خلال السنوات الماضية. لا يحتاج المرء إلى بذل مجهود كبير لاكتشاف التفاصيل التي تبدلت؛ الشوارع، والمنازل، ووجوه المارّة في الطرقات، ومرتادي وسائل النقل العامة، تتحدث عن نفسها. يمكنك قراءة الحالة المعيشية السيئة التي وصل إليها الناس في العاصمة، من ملامحهم العابسة، وتفاصيلهم المكفهرّة، إذ ترتسم الهموم على محيّاهم، وتشرح خطوطها الأثر الذي تركته سنوات الأزمة العشر.

كانت دمشق في ما قبل عاصمةً "للميلاد"، كما هي أرض للفرح في كل الأعياد، ويُعدّ الاحتفاء بالمناسبات الدينية من المظاهر الأساسية لأهل العاصمة وسكانها، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم. للطقوس الدينية حرمة يتعايش معها الجميع، ويشاركون فيها بحفاوة، وكثيرة هي المناسبات التي كانت توضع فيها الزينة على اختلاف أشكالها، كدلالة على الفرح، وهو الواقع الذي تغيّر لاحقاً متأثراً بغياب المقوّمات، ونقص الموارد، وانعكس بوضوح على مظاهر عيدَي الميلاد ورأس السنة، أي أكثر الأعياد حفاوةً بالنسبة إلى السوريين.

للطقوس الدينية حرمة يتعايش معها الجميع، ويشاركون فيها بحفاوة، وكثيرة هي المناسبات التي كانت توضع فيها الزينة على اختلاف أشكالها، كدلالة على الفرح، وهو الواقع الذي تغيّر لاحقاً متأثراً بغياب المقوّمات

"وضعنا زينة الميلاد، لكننا لا نشعر بفرحة العيد. وضعنا الشجرة والزينة، لكن لا كهرباء لدينا لنستمتع بزينة العيد. التفاصيل كلها تغيّرت. نحاول جاهدين أن نحافظ على الطقوس من أجل أولادنا، لكنهم بالتأكيد لا يشعرون كما كنّا نشعر نحن من قبل. فرحة العيد هي في اجتماع الناس، لكن الآن الهموم طغت بسبب الظروف المعيشية، وهذه السنة أصعب من التي قبلها بكل تأكيد"، تقول رؤى، وهي أم لطفلتين، ومن سكان العاصمة دمشق.

يعكسُ كلام رؤى واقعاً مغايراً لما كانت عليه الحياة سابقاً في سوريا. المشهد الشاحب حالياً يخيّم على العاصمة دمشق، والأحياء ذات الغالبية السكانية المسيحية. فالشوارع التي كانت تضجّ بالحياة والأضواء والأشجار المزيّنة في فترة عيدَي الميلاد ورأس السنة، صارت معتمةً وكئيبة، إثر أزمة الكهرباء، والضغوط المعيشية والاقتصادية.

المشهد الشاحب حالياً يخيّم على العاصمة دمشق، والأحياء ذات الغالبية السكانية المسيحية. فالشوارع التي كانت تضجّ بالحياة والأضواء والأشجار المزيّنة في فترة عيدَي الميلاد ورأس السنة، صارت معتمةً وكئيبة

بين باب توما، والقصّاع، والغساني، وباب شرقي، المشهد يتحدث عن نفسه، العدد الأكبر من شرفات المنازل بلا نجوم أو غزلان أو شلالات أنوار مضيئة، والأحياء بلا فعاليات، أو حفلات صاخبة، لإضاءة أشجار الميلاد. غابت الشجرة عن ساحة العباسيين، فيما بقيت واحدة متواضعة قرب المشفى الفرنسي في القصّاع. ويقتصر "شهر الفرح" حالياً على بعض الحفلات التي تأخذ طابعاً اعتيادياً في المطاعم والمقاهي، ومحاولات محدودة لنشر الفرح داخل المنازل، ومظاهر خجولة أخرى في الشوارع والساحات العامة، نظراً لغياب الكهرباء وعدم انتظام التقنين، ناهيك عن ارتفاع الكلفة، لأن خط الإنارة الذي كان سعره العام الماضي 4000 ليرة، ارتفع الآن إلى أكثر من 12 ألف ليرة سورية.

فقدت الليرة السورية قيمتها خلال سنوات الحرب، ويبلغ سعر الصرف اليوم 3،500 ليرة مقابل الدولار الواحد، فيما لا تزال الرواتب على حالها، والحد الأدنى للأجور من دون تعديل يوازي تراجع قيمة الليرة، وتراجع قدرة السوريين على الحفاظ على الحد الأدنى من مقوّمات الحياة التي اعتادوا على بعضها في السابق.

يؤكّد مصدر في محافظة دمشق، لرصيف22، أن "إنارة زينة الميلاد تقلّصت خلال العام الماضي، ولم تشهد العاصمة مظاهر احتفالية ضخمة، بسبب إجراءات الوقاية من فيروس كورونا. أما في هذا العام، فالسبب الرئيسي هو مراعاة مشاعر الناس، وغياب التغذية الكهربائية الكافية"، مشيراً إلى أن ثلاث شجرات ميلادية فقط ستوضع في العاصمة، قبيل أيامٍ من العيد، في ساحة الأمويين، وباب توما، والقصّاع، من دون أي إضافات أو مبالغات أخرى في التزيين".

إنارة زينة الميلاد تقلّصت خلال العام الماضي، بسبب إجراءات الوقاية من فيروس كورونا. أما في هذا العام، فالسبب الرئيسي هو مراعاة مشاعر الناس

وفي حين غابت المظاهر الاحتفالية الاعتيادية عن عموم العاصمة، أنفقت الفنادق ذات النجوم الخمس، عشرات الملايين، لوضع زينة الميلاد وإنارتها. وتؤكد المديرة العامة لشركة WE DO ، لتنظيم الفعاليات الفنية صفاء حمادة، أن "كلفة التزيين للمقاهي والمطاعم بلغت العام الماضي نحو مليوني ليرة سورية، أما الآن فقد تضاعفت الكلفة، والشجرة التي كانت كلفتها 400 ألف في العام الماضي، وصلت إلى مليون ليرة هذا العام، من دون أيّ ربح".

تتراوح تكلفة حضور إحدى الحفلات الميلادية في مطاعم دمشق القديمة، بين 80 و120 ألف ليرة سورية للشخص الواحد

وتضيف حمادة، في حديثها إلى رصيف22: "أحد أفخم فنادق العاصمة وضع العام الماضي زينةً بكلفة تصل إلى 40 مليوناً، أما الدراسة التقديرية لكلفات الزينة، كإنارةٍ فحسب، من دون مجسّمات وغيرها، هذا العام، وصلت إلى 85 مليون ليرة سورية، لأن أنوار الزينة ذات اللون الأبيض لم تعد متوفرة في السوق السورية، ومن يريد كميات كبيرة مضطر إلى استيرادها من الخارج".

الانفاق الضخم هذا لم ينجح في جذب الناس، كما كان يحصل سابقاً. حصريةُ مظاهر الفرح في تلك المقاصد الترفيهية التي تجتذب أصحاب المال، والفئات المترَفة أو الغنية فحسب، يبدو مثيراً لاستفزاز العامة الذين صارت أكبر همومهم إحياء العيد بأقل التكاليف الممكنة، وصار مقتصراً على بعض العوائل، أو الأشخاص الذين يتوقفون لالتقاط بعض الصور التذكارية. في حين تتراوح تكلفة حضور إحدى الحفلات الميلادية في مطاعم دمشق القديمة، بين 80 و120 ألف ليرة سورية للشخص الواحد، ناهيك عن التكاليف الضخمة لحفلات الفنادق، والتي تستقطب طبقةً معيّنةً من التجّار وأصحاب رؤوس الأموال والعوائل الثرية.

تقول ماري، وهي ربّة منزل من سكان جرمانا في ريف دمشق: "ميلاد هذه السنة حزين، الهمّ يأكلنا، قليلٌ من الناس لديه القدرة على الزينة وحضور الحفلات، أما الغالبية العظمى فسيعيّدون في بيوتهم، مع القليل من الطعام، وهذا ليس ما اعتدنا عليه، ولا فيه أيّ نوعٍ من الفرح، عسى أن يكون في ميلاد المسيح فرج للجميع".

ميلاد هذه السنة حزين، الهمّ يأكلنا، قليلٌ من الناس لديه القدرة على الزينة والحفلات، أما الغالبية العظمى فسيعيّدون في بيوتهم، مع القليل من الطعام

حزن ماري، ينسحب على مجتمعٍ بأكمله يعاني في سبيل لقمة العيش، وانخفضت قدرته على الفرح والسعادة إلى حدودها الدنيا، كنتيجةٍ طبيعيةٍ لحربٍ وضغوطٍ اقتصادية، حدّت من قدرة الناس على العمل والإنتاج الكافي لمتطلبات الحياة، ودفعتهم إلى التخلّي عن الكثير من العادات والطقوس التي اعتادوا عليها سابقاً، وأجبرتهم على التأقلم مع أعيادٍ بلا بهجة، والاحتفال بالميلاد الحزين هذا العام، بأقلّ الممكن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard