ست زوايا للصلاة... أن تشيد إبداعاً واقعياً مبنياً على الخرافة

الخميس 23 ديسمبر 202110:00 ص

قديماً، حكت لنا الجدات عن أمنا الغولة التي تأكل الصغار إن لم يسمعوا الكلام، وعن أسطورة النداهة التي تغوي صاحبها، فيظل مسحوباً وراءها غير مركّز في شيء سواها، وعن الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم إن رأينا بومة، فهي دليل على الشؤم والفأل السيئ، وغيرهم من الحكايات المتوارثة عن جداتنا، والتي عندما كبرنا فهمنا أن أصلها يرجع إلى الخرافات الشعبية.

لكن ماذا إن تحولت تلك الخرافات إلى حقائق مأساوية، يمزقنا حدوثها، ونتوارثها جيلاً وراء جيل.

هذا ما تحاول طرحه القاصة والمترجمة الشابة أميرة بدوي في مجموعتها "ست زوايا للصلاة" الصادرة عن دار العين، والتي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة ساويرس منذ يومين، حاولت من خلالها إعادة حكي الحواديت القديمة التي روتها لنا جداتنا قديماً، بشكل سردي سلس وممتع، بل وضعت الخرافة مقابل الواقع وتساءلت أيهما يتفوق في الضغط على الجروح وتعرية عوار الواقع؟

مهدورات الدماء لمجرد الشك في سمعتهن

تبدأ المجموعة بقصة البومة التي تحكي فيها عن قانون قطاع الطرق في الريف، فلهم دستورهم الخاص الذي يقضي بعدم قبض الأرواح إلا بأمر سيدهم، سيد العارفين، وكأن الموت والحياة بيده هو، وعن حكاية سنية التي حكموا عليها بالقتل لمجرد أنها أرملة، تنفق على نفسها وابنتها من بيع الخضار على عربة بسيطة، زعماً منهم أنها منحلة.

يأتي أخوها بالكفن ويطلب من سيدهم أن يسمح له بقتلها، حتى يأتي القاضي علام ويقنع سيدها بقتلها، وهنا نفاجئ أنه يريدها لنفسه، إذ إنه يتهجم عليها في دارها، يغتصبها ويقتلها بعد محاولة منها للمقاومة.

إن سمعة النساء، خاصة الأرامل والعازبات، تظل محض ثرثرة للدرجة التي تباح فيها دمائهن لمجرد الشك في سلوكهن.

حاولت القاصة والمترجمة الشابة أميرة بدوي في مجموعتها "ست زوايا للصلاة"، التي وصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة ساويرس،  إعادة الحواديت القديمة التي روتها لنا جداتنا، بشكل سردي سلس وممتع، ووضعت الخرافة مقابل الواقع وتساءلت أيهما يتفوق في الضغط على الجروح وتعرية الواقع؟

بعث الأرواح في شكل حيوانات

صلى علام بعد قتله لسنية داعياً أن تصحو من جديد. قطع جسدها إلى أربع قطع، ووضع كل جزء في مكان بالجبل. اغتسل وتطهر من الذنوب فربما يستجيب الله وتنبت روح في جسدها.

"لم يفرغ من الصلاة حتى أتاه صوتها، صوت اشتعال الروح في الجسد، عندما قامت سنية على غصن شجرة أبصرت العالم بعينيها الواسعتين، لكنها لم تكن رحيمة، كان في صدرها نار ومن يومها تلبد وراءه في كل شارع تطارده وتهند بصوتها الباكي".

تنتهي القصة بإعادة روح سنية على شكل بومة، هل هذا الشؤم الذي تتحدث عنه حكايات جداتنا؟

المكان بطل أساسي في القصص

ترسم بدوي ببراعة تفاصيل البلدة والناس، كما تشعر معها أن المكان بطل أساسي في المجموعة، إذ استطاعت رسم تفاصيله بعناية، فبإمكانك رؤية الحناطير والطراطير والأكواز الملونة، والحمص والحلاوة وأواني النابت، والبنادق والأباريق والترع والطلمبات والزرع والأشجار وتكحيل النساء بالكحل، بإمكانك رؤية الأفران وهي تشتعل لتسوية الفطير المشلتت، حتى أنك تشاهد الجبانات والتفاف الناس حول المقامات في الندر السنوي لتحقيق أمانيهم.

إعادة تدوير حكايات الجدات

"لماذا خلق الله القمر! في هذه اللحظة احمرَّ القمر وكشف عن وجهه الآخر، نار تحرق من ينظر إليها، وعلام ينظر إلى ناره المشتعلة في الأرض، يرى أعيناً واسعة، مدورة تبحلق فيه، كأنها تريد أن تقول شيئاً، تريد أن تعريه أمام نفسه".

ترسم بدوي ببراعة تفاصيل البلدة والناس، كما تشعر معها أن المكان بطل أساسي في المجموعة، إذ استطاعت رسم تفاصيله بعناية

أسقطت بدوي في تلك الفقرة شهوة علام تجاه سنية على حبه للقمر الذي يحرق من ينظر إليه، فالشهوات تحرق صاحبها.

نعود لحكايات الجدات اللائي حكين لنا أن النظر في المرآة يعني لبس الجن للجسد، وهنا أعادت بدوي تدوير الحكاية في قصة العرس.

العروس البهية التي ترقص لها نساء القرية، والتي تتسم بقوام فائر، تقف أمام المرآة عارية. تشبع عينيها من الحملقة في جسدها الأبيض، حتى تذهب إلى شادر الذكر لتقدم الندر السنوي، وهناك  ترصدها أعين صغيرة سوداء، تقترب منها وتمص الهواء من حلقها.

تعود إلى بيتها، لكنها ليست ذات الفتاة، فجسدها شاحب، مبقع، آثار حبل على عنقها، ترى نفسها عارية أمام المرآة رغم الجرائد المغطاة بها، وروح خفيفة تلبسها وتعدو داخلها، فتعفر صدرها بالغبار وتسكن ذرات التراب حلقها.

استخدام خرافة الجن في الحكي

تستخدم الجدات في الريف الفاسوخ في فك الأعمال والسحر كترياق، كما تنخز عروس من ورق بإبرة منجّد، وهي تصلي على النبي وتستعيذ من شر العيون التي رأت الفتاة ولم تصلّ على النبي. ثم تحرق العروس الورقية وتلقي برفاتها في المولد بشرط عدم الحديث مع إنسي أو جني.

في قصة النعش، تحكي بدوي عن ثعبان عظيم يلتهم أهل القرية ومن وصفها البديع نعرف أنه ليس كأي ثعبان، بل له عينان وحشيتان وفيهما مقبرة كبيرة، يحتاج إلى قربان من الناس كي يسكن الأرض، ثم يعود لالتهام أحدهم وهكذا. يخنق الأرواح وينفخ في الأبراج ويبتلع البيوت والقبور، يشم روائح الناس ليختار أحدهم.

أسطورة سيد الرفاعي المُخلّص من الجن والراقي الشرعي وصاحب الكرامات لم تفلح مع هذا الثعبان، بل التهم رأسه، كما انتهت القصة بموت ليلى وتقديمها قرباناً للثعبان الذي كلما جاع ألقوا في باطن الأرض أحدهم وصاروا ينجبون من أجل ذلك، في إشارة إلى أننا نولد لنموت، فالثعبان هنا رمز للموت.

المترجمة والقاصة أميرة بدوي

رمزية ملك الموت "عزرائيل"

تتبع بدوي أسلوب التفكيك وإعادة البناء في السرد، حيث تشير بقطع مفككة من البازل داخل قصصها، وعليك الانتباه لما تحمله بين سطورها إن أردت الوصول إلى المعاني.

تحكي القصة عن الشيخ النوبي الذي جاء إلى البلدة منذ سبعين عاماً، قبل أن يولد بطل القصة "الشحات" وقبل أن يولد أبوه وجده، الشحات لا يقدر على ضيافته اليوم ولا بعد سنة من الآن، ويسأل نفسه: ماذا ستفعل زوجتي بدوني؟ في الوقت الذي ينفض فيه الشيخ عباءته أمام البيت، وينادي بصوت أجش أن يفتح الباب، يفتح الله أبواب الجنة في وجهه.

الشحات لا يريد أن يفتح الله أبواب الجنة أو النار، لا يريد لزوجته أن تشق صدرها حزناً عليه ولا لصبيانه أن يروه مخشباً، لا يستطيع أن يحمل أحدهم على ظهره، أو يلعب معهم "ثبت صنم". أما الشيخ النوبي فيستمع لما يحدث، ويحثه على وداعهم والخروج إليه بجلباب أبيض معطر بالمسك، في إشارة إلى الكفن.

ترمز القصة إلى ملك الموت "عزرائيل"، وللدلالة على ذلك، رأى الشيخ النوبي الناس من حجب الغيب، يتسللون الى بيت الشحات ويعطونه الطعام، فمشى في لمح البصر على ماء الترعة ووصل إليهم.

تدركين بعد قراءتك للقصة أن غلق باب البطل في وجه عزرائيل لم يفلح في هروبه منه، فوجوده أمام المنزل منع الناس من الدخول إليه بالطعام، فكانت النتيجة أنه مات جوعاً، أي كما نقول في المثل "تعددت الأسباب والموت واحد".

حتى لو تخلص بعضنا من خرافات شعبية متوارثة، يظل آخرون يبنون عليها واقعاً مأساوياً من الجهل والتعصب والختان والتخلف، وهذا ما حاولت طرحه أميرة بدوي في مجموعتها المذهلة "ست زوايا للصلاة"

تسقط بدوي اللغة على الحدث الذي تحكيه قصتها، فتقول: "تساقطت أوراق الشجر، ارتفع الصراخ والعويل من بيت الشحات، واجتمع الناس في وقار ليشربوا الشاي".

واقع مأساوي مبني على الخرافات

وفي قصة البرص، تحكي بدوي عن سلطان الحداد الذي أحب سكينة. كان دميم الخلقة، ومن شدة حبه لها صنع عروساً حديدية تشبهها، أشعل النار من أجل عينيها وظل ينفخ فيها، وعندما انتهى من هديته، أمسك أبوها يد الهون وضربه على رأسه قائلاً: اذهب أيها البرص، وسلط عليه طوب الأرض ليضربوه حتى سكن ساقية مهجورة. ظل سلطان طوال السنين يبحث عن ذلك البرص حتى وجده، واعتقد أنه برص إبراهيم الذي أشعل النار في سيدنا إبراهيم.

وكأنه ظل يبحث عن البرص القبيح ليريه لأبي سكينة، كأنه يقول هذا ما يجب أن تضربه، هذا البرص الحقيقي وليس أنا.

حكت بدوي قصة حب واقعية مأساوية مستندة على أسطورة برص إبراهيم الملعون الذي ساعد النيران على الاشتعال في سيدنا إبراهيم، والذي بسبب فعلته، ظل ملعوناً إلى يومنا هذا.

تتسم قصص بدوي بالكشف عن لحظة التنوير في آخر الحكاية، بعد تشييد عالم من التفاصيل والشخصيات والأحداث، تحاول أن تربطها ببعضها حتى تظهر لحظات الكشف ويتجلى الفهم.

أما في قصة الغولة استخدمت ذات الطريقة رسمت حالة كاملة من وصف امرأة معصوبة بتربيعة سوداء، بعينين واسعتين ورمش منحول، جلد منقرش بالبياض وضب به ناب وحشي. أمنا الغولة التي حكوا عنها لنا صغاراً تأتي لتخطف الأولاد الذين لا يسمعوا الكلام. تعيد بدوي تدوير حكاياتها وتسلط الضوء -من خلال الخرافة- على واقع مأساوي تعاني منه فتيات الريف وحتى بعض المدن. الفتيات اللائي يغتال الموس قطعة من عضوهم دون قدرة على الهرب، فلا حول لهن ولا قوة أمام عادة الختان اللعينة. جرمت الآن بنص قانوني لكن حتى هذا لم يمنعها.

تتوارث الفتيات تلك العادة عن أمهاتهن اللائي ورثنها عن جداتهن، وهكذا سلسال لا ينتهي أبداً. فتتحول ذات الفتاة المختونة إلى أمنا غولة جديدة في إشارة إلى تسليم الراية لبعضهن البعض في مأساة لا تنتهي.

حتى لو تخلص بعضنا من خرافات شعبية متوارثة، يظل آخرون يبنون عليها واقعاً مأساوياً من الجهل والتعصب والختان والتخلف، وهذا ما حاولت طرحه أميرة بدوي في مجموعتها المذهلة "ست زوايا للصلاة". 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard