"قد تكون مقدمة لحملة أوسع"... بيروت "تطرد" معارضين!

الجمعة 17 ديسمبر 202112:53 م

لم يمرّ أسبوع على احتجاج السلطات البحرينية على مؤتمرٍ حقوقيٍّ أقامته جمعية الوفاق البحرينية المعارضة، حتى طلب وزير الداخلية اللبناني، بسام المولوي، من المديرية العامة للأمن العام، اتّخاذ جميع الإجراءات الآيلة إلى ترحيل أعضاء الجمعية من غير اللبنانيين، إلى خارج البلاد. 

وبحسب المكتب الإعلامي لوزير الداخلية، فإن الطلب جاء لما سبّبه انعقاد المؤتمر الصحافي لجمعية الوفاق في 11 كانون الأول/ ديسمبر الجاري، في بيروت، من "إساءةٍ إلى علاقة لبنان بمملكة البحرين الشقيقة، وضررٍ بمصالح الدولة اللبنانية". كما طلب رئيس الحكومة، نجيب ميقاتي، من النيابة العامة إجراء التحقيقات اللازمة بخصوص المؤتمر، عقب احتجاج سلطات البحرين رسمياً في هذا الشأن.

وكانت البحرين قد أعربت عن "بالغ أسفها واستنكارها من استضافة العاصمة اللبنانية، بيروت، مؤتمراً صحافياً لعناصر معادية ومصنَّفة داعمةً وراعيةً للإرهاب، لغرض بثّ مزاعم وادّعاءات مسيئة ومغرضة ضد مملكة البحرين، وترويجها". وأعلنت وزارة الخارجية أنه "تم تقديم احتجاجٍ شديد اللهجة إلى الحكومة اللبنانية، بشأن هذه الاستضافة غير المقبولة إطلاقاً، والتي تُعدّ انتهاكاً صارخاً لمبادئ احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، بما يخالف المواثيق الدولية، وميثاق جامعة الدول العربية".

أعربت البحرين عن "بالغ أسفها واستنكارها من استضافة العاصمة اللبنانية، بيروت، مؤتمراً صحافياً لعناصر معادية ومصنَّفة داعمةً وراعيةً للإرهاب، لغرض بثّ مزاعم وادّعاءات مسيئة ومغرضة ضد مملكة البحرين"

وقد تحدّثت جمعية الوفاق، كما تفعل دورياً، عن الانتهاكات الحقوقية التي يتعرّض لها المعارضون والحقوقيون في المملكة، في العامين الماضيَين، وهي تقوم بهذه المؤتمرات الصحافية في بيروت، منذ اندلاع الاحتجاجات في البحرين، في شباط/ فبراير 2011، ضمن تظاهرات الربيع العربي.

وجمعية الوفاق هي تنظيم سياسي إسلامي معارض في البحرين، تأسست عام 2001، وأمينها العام هو الشيخ علي سلمان الذي يقبع في السجن المؤبَّد منذ عام 2014، لاتهامه بالتخابر مع قطر، في فترة مقاطعة دول خليجية للدوحة، فيما يُرجَّح أن يكون سبب اعتقال الشيخ، خطبته في صلاة الجمعة، والتي وصفتها السلطات البحرينية بأنّها طائفية.

تحدّثت جمعية الوفاق، عن الانتهاكات الحقوقية التي يتعرّض لها المعارضون والحقوقيون في المملكة، في العامين الماضيَين، وهي تقوم بهذه المؤتمرات الصحافية في بيروت، منذ اندلاع الاحتجاجات في البحرين، عام 2011

وترفض الجمعية الدعوة إلى إسقاط النظام الحاكم في البحرين، مكتفيةً بالمطالبة بالإصلاح السياسي، وتعديل الدستور، وإضافة صلاحيات إلى البرلمان، وجعل الشعب مصدر السلطات، بدلاً من العائلة الحاكمة. وكانت أحد أبرز الأطراف الداعمة للتظاهرات الاحتجاجية التي اندلعت في عام 2011، ولا زالت مستمرةً بشكلٍ متقطّعٍ إلى هذا اليوم.

لم تُعلّق جمعية الوفاق على القرار الوزاري، مكتفيةً بالقول لرصيف22: "إن الموضوع لبنانيّ داخليّ"، وحاول رصيف22 التواصل مع عدد من أعضاء الجمعية، حتى من هم خارج لبنان، إلا أنهم رفضوا بدورهم الإدلاء بأي تصريح. 

يقول رئيس منتدى البحرين لحقوق الإنسان، باقر درويش، لرصيف22: "القرار هو انتهاك للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، كما أنه يُقدّم صورةً للمجتمع الحقوقي الدولي حول أداء السلطات البحرينية في التعاطي مع الواقع الحقوقي والسياسي في البلاد، بدلاً من الذهاب إلى تنفيذ التعهدات الدولية، سواءً ما يتّصل منها بالاستعراض الدولي الشامل، أو توصيات رئيس اللجنة المستقلّة، شريف بسيوني، وإحداث مصالحة وطنية، وحلول جذرية سياسية شاملة".

ويضيف: "السلطات البحرينية تستمرّ في صناعة القمع السياسي، وتصدير أشكال هذا القمع إلى خارج حدود البحرين، عبر سياسة الملاحقات الأمنية، والناشطين، لأن السلطة التي لا تستطيع تحمّل عددٍ من الحروف في تويتر، سيضيق صدرها بمشاهد من مؤتمرٍ صحافي تناول انتهاكاتٍ جسيمةً، وإن كان من خارج البحرين"، مؤكداً أن الحكومة البحرينية "لا تستطيع أن تقوم بهذه الممارسات في الدول الديمقراطية غير العربية"، في إشارةٍ إلى المملكة المتحدة، حيث تُقام العديد من التحرّكات للمعارضة البحرينية في العاصمة البريطانية، لندن.

وتأتي هذه الحادثة الدبلوماسية، كحلقةٍ جديدةٍ من مسلسل الأزمة بين لبنان والدول الخليجية، وأبرزها السعودية، عقب تصريح وزير الاعلام المستقيل، جورج قرداحي، عن الحرب في اليمن والتي قال فيها إنها "حرب عبثية"، وكان تعليقه قبل أن يتمّ تعيينه وزيراً للإعلام، في حكومة ميقاتي. 

القرار هو انتهاك للمادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الانسان، كما أنه يُقدّم صورةً للمجتمع الحقوقي الدولي حول أداء السلطات البحرينية في التعاطي مع الواقع الحقوقي والسياسي

وكانت هيومن رايتس ووتش قد أصدرت مؤخراً بياناً تطالب فيه بإطلاق سراح "كلّ شخصٍ سُجِن لممارسة حقّه في حرّية تكوين الجمعيات، والتجمّع السلمي، والتعبير، بمن فيهم الحقوقيون، وناشطو المعارضة، والصحافيون"، وذكرت أنه "في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، وجّهت الحكومة تهماً ملفَّقةً إلى سلمان، زعمت فيها أنه يتجسس لصالح قطر، وبعد أن برّأته محكمة أدنى، أدانته محكمة الاستئناف، وحكمت عليه بالسجن مدى الحياة".

تقول الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، في بيانٍ لها، إن "إدراك الحكومة اللبنانية المحتمَل لنقل أعضاء الجمعية قسراً إلى مملكة البحرين، أو قبولها الضمني به، إنما يشكّل انتهاكاً جسيماً لمبدأ عدم الإعادة القسرية"، وتضيف: "تحظر اتفاقية مناهضة التعذيب، والتي يُعدّ لبنان طرفاً فيها، صراحةً، تسليم الأفراد إلى دولٍ توجد فيها أسباب جوهرية بأنهم قد يواجهون خطر التعرض للتعذيب".

تقول الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان، في بيانٍ لها، إن "إدراك الحكومة اللبنانية لنقل أعضاء الجمعية قسراً إلى مملكة البحرين، أو قبولها الضمني به، إنما يشكّل انتهاكاً جسيماً لمبدأ عدم الإعادة القسرية"

ويذكر أحد أعضاء الهيئة، لرصيف22، أن "وزير الداخلية أخذ قراره في ظلّ صمت الأجهزة الحكومية الأخرى، وأبرزها وزارة العدل"، مشيراً إلى أنه "ليس هناك جهاز حكومي مختصّ بقضايا حقوق الإنسان إلى الآن، كي تتمّ استشارته في هذه المسألة"، مشدداً على "عدم قانونية ترحيل أيّ شخصٍ معارضٍ، ولا يحق لأيّ طرفٍ طلب الترحيل، فهذا يحتاج إلى قرارٍ قضائيٍّ، وإتاحة التظلّم للطرف المُراد ترحيله".

ويقول: "الدولة اللبنانية تتلطى خلف قوانين، وصلاحية مدير عام الأمن العام في ترحيل الأجانب، ولكن ليس هناك قرار قضائي، ولم يُرتكَب أيّ جرمٍ من قبل المعارضين البحرينيين، فهم يقومون بهذه المؤتمرات الصحافية دوماً، وهم موجودون منذ عشر سنوات في لبنان تقريباً".

وتُعبّر منظمة العفو الدولية عن قلقها من قرار وزير الداخلية، ورئيس الحكومة، بحق المعارضين البحرينيين، مشيرةً إلى أن "جمعية الوفاق كانت معارضةً قانونيةً ومرخّصاً لها في البحرين، وكان لها مقاعدها في المجلس التشريعي سنواتٍ عديدة، حتى أن السلطات البحرينية فاوضتها في عددٍ من القضايا الحقوقية البحرينية".

يضيف ديفين كيني، من المنظمة الدولية، لرصيف22، أن "التصريحات التي لا تتماشى مع مصالح الحكومة، تصريحات قد يعدّها البعض معاديةً للعلاقات بين الحكومات. انتقاد حكومات على أسس حقوق الانسان، وإقامة مؤتمرات صحافية، هي كلّها نشاطات تحت عنوان حرية التعبير المحمية دولياً"، مؤكداً على أن هذه النشاطات كلها لا تشكّل سبباً صالحاً لترحيل أي شخص، وأوضح أن أعضاء المعارضة البحرينية سيتعرّضون لانتهاكاتٍ حقوقيةٍ جدّية في حال تمّ ترحيلهم إلى البحرين.

وعن الحكومة اللبنانية، يقول كيني إن "قرارها ترحيل المعارضين البحرينيين، بسبب تعبيرهم عن الرأي بشكلٍ نقديٍّ لحكومة البحرين، يناقض التزاماتها للقانون الدولي".

قرار وزير الداخلية اللبناني ينتهك معايير وقوانين عدة، فهو بداية ينتهك الدور التاريخي للبنان كمقرٍّ لحركات المعارضة العربية، وينتهك الدستور اللبناني الذي يؤكّد على حماية حرية الرأي والتعبير

ويُعدّ قرار ترحيل أعضاء المعارضة البحرينية سابقةً في لبنان، وقد ينتقل إلى معارضين عرب آخرين. وفي هذا الصدد يقول الصحافي المتخصص في الشؤون الخليجية، علي يحيى، إن "قرار وزير الداخلية اللبناني ينتهك معايير وقوانين عدة، فهو بداية ينتهك الدور التاريخي للبنان كمقرٍّ لحركات المعارضة العربية، وينتهك الدستور اللبناني الذي يؤكّد على حماية حرية الرأي والتعبير، وعدم معاقبة أيّ شخصٍ بسبب رأيه ومعتقداته".

ويضيف لرصيف22، أن "لبنان هو إحدى الدول الموقّعة على الاستعراض الدوري الشامل الذي يتيح حرية الرأي، والبند الرابع، هو بند أخلاقي يحتّم عدم طرد أيّ معارض، فكيف إذا كان هؤلاء المعارضون، وبعضهم أسقطت عنه الجنسية، وتالياً لا يستطيعون التحرّك، أو حتى العودة إلى بلدهم، ولذلك سينتهي بهم الأمر في السجن؟".

لبنان هو إحدى الدول الموقّعة على الاستعراض الدوري الشامل الذي يتيح حرية الرأي، والبند الرابع، هو بند أخلاقي يحتّم عدم طرد أيّ معارض، فكيف إذا كان هؤلاء معارضون

ويتساءل: "من يعلم إن كانت هناك نية في ما بعد لإبعاد من تبقّى من حركاتٍ معارضةٍ وهل ما حصل مقدمة لحملة أوسع؟ وهل هذا الأمر سيؤدي إلى توتّرات سياسية واجتماعية في لبنان من دون مقابل؟ فما هو الثمن؟ ما هو المقابل الذي سيحصل عليه لبنان؟ وإن كان هناك مقابل، فهل البُعد الأخلاقي اللبناني يسمح بهذا؟".

وهذه الحادثة غير المسبوقة لا تأتي حصراً ضمن إطار الأزمة اللبنانية-الخليجية فحسب، بل أيضاً في سياق عملية ملاحقات مستمرة ازدادت وتيرتها عقب انتفاضة 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، بحق ناشطين وصحافيين، ومنهم من طُلب منهم المثول أمام المحكمة العسكرية، وآخرون بمحاسبتهم على "جرائم" مضت سنوات على "ارتكابها"، كما حصل مع الناشط توفيق بريدي، المعروف باسم توفيلك، عندما سحبت السلطات الأمنية في المطار جواز سفره. وبعد أن مثل بريدي الثلاثاء أمام شعبة معلومات الأمن العام للتحقيق، قيل له إنّ تهمته تحقير جواز السفر اللبناني، والمسّ برئاسة الجمهورية، كون جواز السفر صادراً باسمها.

ورصد مركز الدفاع عن الحرّيات الإعلامية والثقافية "سكايز"، خلال هذا العام، أكثر من 71 انتهاكاً لحريّتيّ التعبير والصحافة في لبنان، مع ارتفاع لافتٍ في الأشهر الأخيرة. فمثلاً، في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، استدعت المحكمة العسكرية الممثلة الكوميدية شادن فقيه، للمثول أمامها بتاريخ 23 حزيران/ يونيو 2022، بتهمة "المسّ بسمعة المديرية العامة لقوى الأمن والتحقير"، على خلفية فيديو نشرته على إنستغرام، كانت قد استُدعيت بسببه للتحقيق أمام مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية سابقاً.

تقول منظمة العفو لرصيف22 إن "قرار الحكومة اللبنانية ترحيل المعارضين البحرينيين، بسبب تعبيرهم عن الرأي بشكلٍ نقديٍّ لحكومة البحرين، يناقض التزاماتها للقانون الدولي"

وصحافياً، أفرج الأمن العام اللبناني عن الصحافية الأميركية، ندى حمصي، في الثامن من الشهر الجاري، بعد أن تمّ احتجازها لـ23 يوماً بعدما رفض الأمن العام إطلاق سراحها، بناءً على قرار النيابة العامة بالإفراج عنها، وفي 26 تشرين الثاني/ نوفمبر، أصدرت المحكمة العسكرية حكماً غيابياً بحقّ الصحافي رضوان مرتضى، يقضي بسجنه مدة سنةٍ وشهرٍ، بجرم "تحقير المؤسسة العسكرية" على خلفية تحميله المسؤولية للجيش اللبناني في ما يخصّ انفجار مرفأ بيروت.

وفي شهر آب/ أغسطس الماضي، أعلنت وكالة رويترز أن الأمن العام اللبناني رحّل مراسلها في الأردن وسوريا سليمان الخالدي، إلى عمّان، بعد استجوابه لدى وصوله إلى مطار بيروت في مهمةٍ صحافية، كما طلبوا منه تسليم حاسوبه، وهاتفه المحمول، لكنّه رفض ذلك.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard