"يوثّق التاريخ من الأسفل"... ما هي مميّزات أرشيف خزائن الفلسطيني وتحدياته؟

الجمعة 17 سبتمبر 202106:26 م

يقول الباحث الأسعد الهلالي، خلال مقالة له نُشرت سابقاً، في مجلة الإتحاف، عام 1999: "إنّ الفرد، أو الشّعب، من غير أرشيف حامٍ للماضي، كمثل بحارةٍ أضاعوا بوصلتهم، وكذلك الأمر بالنسبة إلى شخص مادي، أو مجتمع بأسره يفقد ذاكرته، وينقطع عن ماضيه، فيتردى في مهاوي الضياع، بفُقدان الأصول الشرعية لميلاده وتكوينه".

ويضيف قائلاً: "إن غياب الأرشفة، سواء كتابياً، أو شفاهياً، لمجتمع معين، يعني عدم قدرة ذلك المجتمع بأن يحدد أبعاد وجوده في حاضره، ولا أن يستشرف ما ستؤول إليه تلك الأبعاد في مستقبله". وفي حالتنا نحن الفلسطينيين، فإننا نحتاج إلى الأرشيف، بشكلٍ مضاعف عن بقية الشعوب والأفراد، في ظل حالة الاستعمار الّتي نحياها، ومحاولات تزييف التاريخ من قِبل المستعمر.

"نحتفظ برسالة من الموسيقار محمد عبد الوهاب، إلى مدير السينما الحمراء في يافا، يعلمه عن قراره بتسمية فيلمه".

من ضمن مشاريع الأرشفة الفلسطينية العديدة، سواء الفردية، أو الجماعية، أو المؤسساتية، هناك مشروع خزائن، الذي انطلق من خلال حراك شبابي في القدس. ضم الحراك شباباً مقدسيين، ومن الداخل المحتل، والضفّة الغربية، ليتوسع لاحقاً ويشمل الفلسطيني في أماكن وجوده كلها، في غزة، ومخيمات اللّجوء. وقد جاءت فكرة المشروع، بسبب إيمان الحراك بأهمية حفظ التاريخ الفلسطيني، على مستوى الفرد، والعائلات، والمجتمع عموماً، من خلال الأحداث السياسية، والمجتمعية، والفردية كذلك.

من خلال هذا التقرير، أجرينا في رصيف22، مقابلة مع اثنين من مؤسسي أرشيف خزائن، لنطّلع على مميزات هذا المشروع في الحيزَين الفلسطيني والعربي، ولننكشف على بعض الصعوبات التي يواجهها الباحث/ة الفلسطيني/ة، في أثناء البحث في الأرشيف، خاصّةً أنّ معظم الأرشيف الفلسطيني قد تم نهبه من منظمة التحرير في بيروت، في أثناء الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

فكرة خزائن وبداياتها

في حديث لرصيف22، يقول فادي عاصلة، أحد مؤسسي المشروع، والّذي سلّم مهام إدارة المشروع لحاتم الطحان من القدس، قبل سنة من اليوم، لإيمانه بأهمية التغيير في مناصب المؤسسات: "تأسس مشروع خزائن في عام 2016، ولكن الفكرة كانت تدور في رأسي على مدى سنوات طويلة، وظللت أبحث طوال سنوات عن المخرج الصحيح، والأفضل لها. كنت طوال أعوام، أجمع مواداً، ولا أدري ماذا أصنع بها. خلال هذا الوقت، درست فكرة الأرشيفات، وطبيعة عملها، وما لفت نظري، هو أن الأرشيفات تعمل حسب كيفية كتابة التاريخ، فبطبيعة الحال من يؤرشف هو المنتصر دوماً. وفي العادة، تكون هذه الأرشيفات للنخبة فحسب، وللعائلات المعروفة، والسلطات الحاكمة، فكرتي كانت مختلفة، أردت تأسيس أرشيف مجتمعي للجميع، أرشيف لا يميز بين أسماء العائلات، وشهرتها، وسلطتها، في فلسطين، فكانت الفكرة من خلال توثيق المنشورات القصيرة المدى، أو الّتي تُطبع لمرة واحدة، ما يميز هذه المنشورات، هو أنها تحاكي المجتمع والناس العاديين، مثل: دعاية لمخبز، وشهادة طفل، وموجود في هذه المنشورات اسم الشخص، ومكان محدد. هذه التفاصيل، في الحالة الفلسطينية، مهمّة جداً، لأنّها تثبت أحقية الفلسطيني في الحيز المكاني، ما قبل النكبة وما بعدها، من هنا كانت الفكرة الأساسية لخزائن".

ويضيف عاصلة: "انبثقت فكرة خزائن من خلال أرشفة العائلات، من دون تمييز بينها، وتعتمد خزائن خلال أرشفتها، على قيمة الشخص نفسه، بسبب أهمية الأشخاص كونهم توثيق للمرحلة، وهؤلاء الأشخاص هم جزء من صناعة التاريخ، والثقافة، والمجتمع".

وبإمكاننا، على ضوء ما ذُكر آنفاً، الاطّلاع على موقع خزائن في المدوّنات حول الأشخاص، حيث نجد العديد من المقالات الّتي كُتبت عن أشخاصٍ غيّبتهم الأيام، لكنهم تركوا أثراً كبيراً على المجتمع الفلسطيني، ما قبل النكبة، وما بعدها. بعض هؤلاء الأشخاص يتواجد أحفادهم في مخيمات اللجوء، أو في الشتات؛ أمريكا وأوروبا، لكنهم ما زالوا يحتفظون بقصاصات الورق الّتي تثبت أحقيتهم بالمكان.

من ضمن مشاريع الأرشفة الفلسطينية العديدة، سواء الفردية، أو الجماعية، أو المؤسساتية، هناك مشروع خزائن، الذي انطلق من خلال حراك شبابي في القدس

لماذا الاسم "خزائن"؟

أما عن اختيار التسمية، فيقول عاصلة: "جاءت التسمية من معنى كلمة خزائن في الحضارة العربية والإسلامية، فقد كانت قديماً تعني المكتبة، مثل خزائن القيروان، وبيت الحكمة، وقد اخترنا هذا الاسم بسبب أننا امتداد لهذه الحضارة، ولهذا التاريخ. ما يميز مشروع خزائن، بأنّه توجد لكلّ شخص يمنح مواده للمشروع، خزانة باسمه، تحفظ له تاريخه، وأرشيفه. الأمر الآخر هو أننا أرشيف يوثّق التاريخ من الأسفل، أي من الناس، وإلى الناس، يمنح الجميع مساواة من دون اعتبارات أخرى. هذا العنصر، أي المساواة، مفقود في أرشيفاتنا".

ويضيف عاصلة: "ثمّة أمر مهم يميز خزائن، من المهم التطرق إليه، وهو التشارك المجتمعي لبناء الأرشيف، بمعنى أن هذا الأرشيف يبنيه الناس، وليس خزائن. في العادة، تعمل الأرشيفات من خلال البحث عن قائمة أفراد، يتوجه إليهم الباحثون لأجل الحصول على محتوياتهم. هؤلاء الأشخاص محددون ومعروفون في التاريخ. نحن لا نقوم بعملنا بهذه الطريقة، أرشيفنا مجتمعي جمعي للفلسطينيين والعرب جميعهم، ولمن يرغب في توثيق أرشيفه الشخصي، بغض النظر عن تخصص الأشخاص، ومراكزهم الاجتماعية. المساهمات الّتي تجيء إلى خزائن، هي مبادرة من الناس، ورغبة منهم في حفظ تاريخهم لدينا، والأهم أنّ المقالات كلها التي كُتبت، كتبت بمرافقةٍ من العائلات، ومن خلال اللقاءات، والمراجعات، والإضافات، والملاحظات. هذه اللقاءات، لم تكن سهلة في ظل تشتت الفلسطينيين، فقد كانت تتم من خلال مجموعات واتساب، أو لقاءات زوم، أو لقاءات فيزيائية في المنفى، مما كان يحوّل الأرشفة إلى فعل اجتماعي تماماً".

لكل قصاصة ورق حكاية

لأرشيف خزائن أيضاً، قصص خاصّة حول وثائق، أو أوراق وصلتها، أحياناً قصاصة ورق صغيرة فيها إعلان وُضع في طرف جريدة، أو تلك التي تحكي مرحلة تاريخية عاشتها فلسطين، لجميعها الأهمية نفسها عند الأرشفة.

عن هذا يقول فادي عاصلة: "وصلنا قبل فترة إعلان لمركز طبي وعلاجي في القدس، باسم مركز ريان للطب المكمّل، احتفظنا بالقصاصة كما نفعل دائماً. قبل بضعة أيام استشهد طبيب باسم حاتم جولاني في البلدة القديمة في القدس، وهذا الطبيب الشهيد هو صاحب المركز، ويظهر في أسفل الإعلان اسمه وتفاصيله. الإعلان غير المهم والهامشي استطاع اليوم توثيق حياة شهيد".

ويتابع: "في إحدى المرات، وصلنا إعلان عن حضور معلم جديد إلى مدرسة في حيفا، لنكتشف لاحقاً أنّ هذا المعلّم هو عز الدين القسام. القصاصة العادية الّتي ربما لم تعنِ شيئاً كثيراً في وقتها، صارت تاريخاً لواحد من أهم الرموز الفلسطينية".

في ختام حديثه يقول: "إعلان آخر وصلنا من أرشيف المحامي علي رافع، والسيدة سارة جودة، حول دعوة لإحياء المهرجان الشّعري الّذي تنظمّه لجنة الطلاب العرب في الجامعة العبرية في القدس عام 1966، الدعوة موجهة إلى العديد من الشّعراء الفلسطينيين الّذين صاروا قامات في الشعر، مثل محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، جمال قعوار وغيرهم. كما نحتفظ برسالة من الموسيقار محمد عبد الوهاب، من أرشيف غدير الدجاني، إلى مدير السينما الحمراء في يافا، يعلمه عن قراره بتسمية فيلمه".

التحديات ومأسسة المشروع

يقول حاتم طحان من القدس، مدير المشروع حالياً، وأحد المؤسسين: "كما ذكر سابقاً فادي، كنا في البداية عبارة عن حراك شبابي شعبي، لكن بطبيعة عمل الحركات الشبابية، فإنها تعتمد على الأشخاص، وغياب شخص يعني نهاية الحراك، لذلك فكرنا بأنه من واجبنا تجاه شعبنا، تحديد العمل أكثر، والمحافظة على الأرشيف الّذي ائتُمنا عليه. من هنا جاءت فكرة مأسسة المشروع، لأنّ المؤسسة إذا ما بنيت بالشكل الصحيح، فستقوم بواجبها في تحدي الزمن والاستمرارية".

ويضيف: "وبذلك، من خلال تجربتنا وخبرتنا المتنوعة، تمكنّا من بناء المشروع بصورة منظّمة أكثر. شخصياً، كانت لدي مخاوفي تجاه عمل المؤسسة، خاصّةً بعد فشلنا كفلسطينيين في عمل المؤسسات، بعد أوسلو، وبالتحديد في القدس والضفّة الغربية، حيث تحوّلت المؤسسة في نظر الناس إلى فكرة غير صحية وغير محبّذة، وهنا كانت الأهمية بالنسبة إلينا ببناء مؤسسة بشكل صحيح، لعدم الوقوع في مطبات الآخرين وأخطائهم، في العمل المؤسسي، فنحن نعمل من دون شكل هرمي للمناصب، وتطوعياً، من دون تلقي رواتب، وحريصون دوماً على التقليل من مصروفات المؤسسة، ونهتم بشكل أساسي بعدم التحول إلى مؤسسة تُفرض عليها أجندة المموّلين، لذلك نختارهم بعناية، وجزء من عملنا يتمحور حول التوجه إلى الناس بالتبرع للمشروع، لأنّ المشروع من الناس وإلى الناس".

ويضيف الطحان: "كانت بداية مشروع خزائن في تشرين الأول/ أكتوبر 2016، بمفهومه الحالي، وخلال هذه الفترة، كان التمويل ذاتياً، وفي بعض الأحيان حصلنا على تمويل من دون شروط من المؤسسات المانحة، وإنجازاتنا خلال خمس سنوات، تتعدى عمرها، وانطلاقتنا كانت من خلال صفحة في فيسبوك. حالياً عدد المتابعين كبير جداً، والمنصّات الرقمية عدّت أكثر من 120 ألف زائر، والمدونة عليها أكثر من 120 مقالاً. أنجزنا مسحاً ضوئياً لأكثر من 50 ألف مادة، منها 5 آلاف مادة على الموقع، وهذه الفجوة بين المواد الممسوحة ضوئياً، وبين عدد المواد في الموقع، سببها الجهد الشديد الذي تحتاج إليه المواد، من أجل العمل عليها، والتدقيق في التفاصيل كافة، من أجل تسهيل عملية البحث في الموقع، للباحثين والمهتمين بالأرشيف".

"انبثقت فكرة خزائن من خلال أرشفة العائلات، من دون تمييز بينها، وتعتمد خزائن خلال أرشفتها، على قيمة الشخص نفسه، بسبب أهمية الأشخاص كونهم توثيق للمرحلة، وهؤلاء الأشخاص هم جزء من صناعة التاريخ، والثقافة، والمجتمع"

محتوى الأرشيف

ينقسم أرشيف خزائن إلى أرشيف عثماني، وأرشيف انتدابي، وأرشيف المنشورات الفلسطينية، وقد انطلق الموقع الإلكتروني في عام 2018. ووصلت إلى الأرشيف مواد من 17 دولة مختلفة، ولديه أكثر من 130 أرشيف عائلي، وثمة فجوة بين المواد الورقية، والمواد الموجدة في الموقع، وحسب القائمين على "خزائن"، فإنّ تفريغ المواد المكتوبة باللغة العربية، أمر شاق ومضنٍ، بسبب عدم وجود تفريغ رقمي للعربية، وذلك بسبب ارتباط الحروف العربية ببعضها البعض، بعكس بقية اللغات.

عن هذا يضيف عاصلة: "في موقع خزائن، حافظنا على الفكرة الرئيسة للمشروع، أي الأرشيف المجتمعي، وتوجد زاوية بعنوان أرشيف الناس. كلّ خزانة في هذه الزاوية على اسم مانح المواد.


أهمية خزائن اليوم

يقول الطحان في تعليقٍ على الأهمية الّتي بات يكتسبها الأرشيف: "خزائن موجودة اليوم في دول عربية عدة، أو لنقل لدينا متطوعون في دول عربية عدة، يساعدون في تجميع المواد، والبحث عنها، في الأردن، ولبنان، وسوريا، والعراق، والخليج، ولدينا من العالم العربي، على أقل تقدير، 35 ألف ملف، جميعها توثق الحركات السياسية من فترة الثورات العربية، والربيع العربي، حتى اليوم. كما من المهم ذكر أننا صرنا اليوم مرجعاً لنخبة من الباحثين الفلسطينيين، كما كسرنا الفجوة بين الناس والأرشيف. منذ بداية عملنا، تحركت المياه الراكدة تجاه الأرشيف، ونحن مؤمنون أن لكل قصاصة ورق حكاية، وأوراقنا وملفاتنا هي أشياء مهمة يجب الحفاظ عليها، وكثير من الناس، والمؤسسات، اكتشفوا أهمية الأرشيف الشخصي، والأرشيف المجتمعي".

"خزائن موجودة اليوم في دول عربية عدة، أو لنقل لدينا متطوعون في دول عربية عدة، يساعدون في تجميع المواد، والبحث عنها، في الأردن، ولبنان، وسوريا، والعراق، والخليج"

تمويل المشروع

"العمل في خزائن، 70% منه تطوعي، هذه السنة والسنة الماضية مُنحنا تمويلاً من خلال مؤسسة القطان، ومن برنامج آخر، ولكن هذه المبالغ لا تعدو كونها مهمة، من أجل الحفاظ على استئجار المكان في حي الشيخ جرّاح. هدفنا الأساسي هو المحافظة على المؤسسة، من أجل استمراريتها، واستمراريتها تحتاج إلى التمويل طبعاً، لكننا لا نريد التّحوّل إلى مؤسسة ربحية، يتنافس العاملون فيها على الرواتب الأعلى، فكما ذكرت سابقاً، نخشى التحول إلى مؤسسة شبيهة بمؤسسات ما بعد أوسلو، التي لا يثق فيها الناس"، يقول الطحان.

ويضيف حول المشاريع الجديدة لخزائن: أما المشاريع الجديدة لدينا، فهي بالتأكيد نابعة مما يعايشه شعبنا الفلسطيني. ما يحدث على الأرض يلامسنا بالتأكيد، ونسعى إلى توثيقه بالتزامن مع حدوثه. خلال الهبّة الأخيرة، أطلقنا حملة "لنكتب تاريخنا"، وهي حملة لتوثيق الهبة الشعبية الأخيرة في أيار/ مايو، وحاولنا توثيق الحدث لحظة وقوعه، وهو ما لم يحدث سابقاً في فلسطين. كان من المهم لنا، توثيق ما جرى، فعام 2021 كان عاماً مفصلياً في النزاع، وترك أثراً فظيعاً ومهماً. في نهاية هذا الشهر سوف نطلق الزاوية الخاصة بالهبّة الأخيرة".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard