جنتلمان السبعينيات... فانتازمات نسوية من الزمن الجميل

السبت 11 ديسمبر 202102:38 م

   المتوثّب 

الحب في الكتب

   الفانتازم نار الحياة الجنسية ومحركها. تخيلات لا تخضع للرقابة، يتمنى الجميع تحقيقها. مشروع يظل في حاجة إلى تنفيذ. وإن نفذ يظل منقوصاً. وما تلك الفانتازمات إلا بنات لمَا شاهدنا أو قرأنا أو سمعنا. فنجد على سبيل المثال امرأةً تتخذ من أحد الممثلين في إحدى الأفلام أو المسلسلات موديلاً للرجل المشتهى، أو من أحد أبطال الروايات أفقاً تسمر عليه عينين ذابلتيْنِ من فرط الشهوة. فمن فارس على شاكلة أمير وسيم راكض في اتجاه رسم قبلة على ثغر أميرة نائمة في إحدى القصور المسحورة، إلى أحد الرومانسيين الهائمين حباً في الأعمال الدرامية، تشاهده امرأة اليوم وتتنهد في سرها، إلى بطل من أبطال الروايات الشهيرةِ، حتى أننا في تونس لا نكف -تأكيداً لذلك- عن ترديد المثل القائل: "الحب في الكتب".

طلبات مجنونة

عندما أخبر أحد الصحفيين، ولعله ميشال بولاك، المحيطين به بأنه على وشك التوجه إلى حيث يقيم الروائي الأمريكي هنري ميلر، طلبت منه امرأة فرنسية من قارئات الروائي الشهير، وكانت بجواره، أن يجلب لها صورةً لأير ميلر الذي أصبح شبه أسطورة بفضل كتاباته. عدة أمثلة من هذا القبيل نجدها ساريةً في عالمنا العربي، لنتذكر المغمى عليهن في حفلات الفنانين المشهورين، أو التي تخترق الجماهير الغفيرة وتصعد الركح من أجل اقتراف عناق أو قبلة في غفلة من الزمن ومن العسس. 

فضاءات يرتادها العشاق فيتنهدون تنهدات مثقلة بالحنين، ويغرقون في الحديث عن ذلك الحب المثالي (وهل كان كذلك؟) وقد ينتهي بالبحث عن "لوكال" لعيْشِ تجربة جنسية من ذلك الزمن... مجاز في رصيف22

وسادة عبد الحليم الخالية

تحولت تلك الوسادة الخالية في فيلم عبد الحليم حافظ الذي يحمل العنوان نفسه إلى أيقونة عاطفية. وسادة مثلت ملجأ عشيقات خياليات عديدات خصوصاً في مرحلة شبابهن. يتنهدن متحسرات على "الزمن الجميل"، غافلات عن إمكانية ألا يكون ذلك الزمن بحجم ما يحملنه من عواطف وشهوات وتخيلات. هو الزمن الذي تحول بنمط الحياة فيه إلى نوع من الفانتازم، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وأسباب ذلك كثيرة. وربما لذلك فقط تنتشر كباريهات ومقاه وملاه كثيرة تحمل النمط نفسه، فضاءات إنما هي تحوم حول ذلك الفانتازم، حيث يصدح صوت عبد الحليم وما جاوره بأغانٍ لم يعد لها ما يطابقها في واقع اليوم. وأنت تدخل المدينة العتيقة التونسية على سبيل المثال، لا بد أن تريح رجليْكَ في "مقهى الشواشين" الصامد بنمطه القديم. لا شيء يميز ذلك المكان إلا أنه يعبق بتلك الرائحة التي تلقي بك مباشرةً في سبعينات القرن الماضي على الأقل. هناك حيث يلتقي المتحابون كل مرة لتذكية نار العاطفة التي يردمها نسق الحياة في هذا الزمن. ومثيلات ذلك المقهى في تونس وغيرها من الوطن العربي لا تحصى ولا تعد. حتى أن مادتنا هذه قد لا تتسع لتعدادها. فضاءات يرتادها العشاق فيتنهدون تنهدات مثقلة بالحنين، ويغرقون في الحديث عن ذلك الحب المثالي )وهل كان كذلك؟( وقد ينتهي بالبحث عن "لوكال" لعيْشِ تجربة جنسية من ذلك الزمن.  

كن جنتلماناً من السبعينات وتعالَ!

هكذا تتمنى بعض النساء، حبيباً كلاسيكي الملامح والمظهر والطبع والحب، رومنسياً تمتد يداه الناعمتان لملامستهن. يكتب رسائل ورقيةً، يرتدي معطفاً طويلاً –كالذي يرتديه رجل من قصيدة نزار قباني – يحسن رقصات الستينيات والسبعينيات، من الديسكو والسلو وغيرهما، يحمل وردةً حمراء، يتلكأ في الكلام من فرط العشق، يعد سريراً عليه يفتت بتلات ورود ويدس بشموع في كل الأركان، أو حماماً بماء معطر وموسيقى كلاسيكية تسعى لإيقاف الزمن.  

تحول الزمن الجميل المتحدث عنه إلى عالم "إيكزوتيكي" بعيد المنال، إلى أسطورة حيث تسكن السعادة المثلى، حيث الحب الصافي، وحيث يتميز الرجال بقدرة جنسية خارقة ربما، أو لعلهم فنانون مختصون في شؤون السرير والعزف على جسد الأنثى... وقد تكون الحقيقة غير ذلك تماماً

خلوة معطرة بالعطور القديمة ذاتها، روب من النوع "الكلوش" وأغاني قديمة، عندما كان للحب قيمة، طبق صباحي يصل المرأة إلى حدود فراشها، حديث مطول حول رواية مشتركة، أبهة حتى وإن كانت فارغة. كلمات تخترق المعاشرةً همساً أو وشوشةً إلخ... فانتازم نابع من زمن الهدوء والإنصات اللذين هما على وشك الانقراض في زحمة اليوم.

تحول الزمن الجميل المتحدث عنه إلى عالم "إيكزوتيكي" بعيد المنال، إلى أسطورة حيث تسكن السعادة المثلى، حيث الحب الصافي، وحيث يتميز الرجال بقدرة جنسية خارقة ربما، أو لعلهم فنانون مختصون في شؤون السرير والعزف على جسد الأنثى... وقد تكون الحقيقة غير ذلك تماماً.

لا تجد نساء اليوم في ظل تسارع إيقاعات الحياة من حولها سوى الارتماء في ذلك الزمن كتعويض لعدم اكتفاء ونقص متواصليْنِ. فتراهن في صفحاتهن على المواقع الاجتماعية ينشرن صوراً عن ذلك الزمن الذهبي، صور لنجوم فنية أو لقصص حب شهيرة، مثل قصة عمر الشريف وفاتن حمامة، وردة وبليغ حمدي، القصبجي الذي يعزف حبه خلف حبيبة تصدح بصوتها "إني أعطيْتك ما استبقيْت شيئاً" أمام "عظمة على عظمة يا ست"، وينشرن رسائل حب من ذلك الزمن نفسه، رسائل ليست كرسائل اليوم المقتضبة والمستعجلة، تأتي على شكل "مسج" مختزل لا معنى لرموزه، مليء بقلوب بكل الألوان وورود و"جيفات" متحركة، لا علاقة لها بما يعتمل في جسد امرأة تتقلب تعطشاً لبعض المعاني الحقيقية التي تحسبها حكراً على ماض انقضى. هنالك أيضاً صفحات عديدة على المواقع نفسها تؤجج نار ذلك الفانتازم، صفحات مليئة بصور الأبيض والأسود تصحبها تعليقات من نوع "يا حسرة"، أو "صور من الزمن الجميل"...

 هل كان الزمن الجميل جميلاً قولاً وفعلاً؟

لا تنتبه أولئك النساء في غمرة "فانتازماتهن" المغرقة في النوستالجيا ربما إلى أن ذلك الزمن لم يكن بذلك الجمال حقاً. ففيه لم يكن من الممكن أن يسمح لهن بمجرد التعبير عما يخالجهن من عواطف ورغبات، وأنهن على عكس ذلك يعشن في زمن صار من المتاح لهن أكثر من أي زمن مضى عيش حياتهن العاطفية والجنسية بحرية أكبر. لقد كان زمناً ذهبياً بلا ذهب، كما يقول المثل الفرنسي. صار لزاماً عليْنا أن نصحو ربما وأن نؤسس لزمن جميل في المستقبل القريب، حيث يمكن تأجيج كل الفانتازمات بوعي متحرر كما لم يكن من قبل!

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard