"مواطنون ضد الانقلاب" بحثاً عن زخم شعبي بعيداً عن السَّاسة لمواجهة سعيّد

الاثنين 6 ديسمبر 202101:51 م

استند رئيس الجمهورية التونسية، قيس سعيّد، في تفعيله للإجراءات الاستثنائية التي أعلن عنها يوم 25 تموز/ يوليو المنصرم، إلى العديد من العوامل التي أبرزها "التفويض الشعبي" الذي يقول إنه حظي به، وتجلّى في "مساندة الشارع التونسي لقراراته، واحتفائه بها في أغلب مدن البلاد ومحافظاتها"، إلى درجةٍ دفعته إلى تشكيل الحكومة، "وفق نظامٍ يعبّر عن إرادة الشعب"، وفق ما صرّح به في أكثر من مناسبة.

مزاعم تفويضٍ تعمل مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" على جعلها نسبيةً، وتؤكد عبر تحركاتها على وجود شريحةٍ أخرى من الشارع التونسي تعارض هذه القرارات، وترفضها، وتنادي بالعودة للعمل بمقتضيات الدستور، وإنهاء حالة تجميع السلطات في يد شخصٍ واحد.

مواطنون ضد "الحكم الفردي"

تحوّلت حملة "مواطنون ضد الانقلاب"، من حراكٍ احتجاجي إلى مبادرةٍ قائمةٍ بذاتها تشرف عليها مجموعة من الحقوقيين، من ضمنهم صديق رئيس الجمهورية قيس سعيّد، وأحد أبرز مستشاريه السابقين في قصر قرطاج، عبد الرؤوف بالطبيب، وأستاذ القانون الدستوري، جوهر بن مبارك.

مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب" حركة مواطنةٍ، وليست جهةً سياسيةً، وشارك في احتجاجاتها سياسيون من مختلف التوجهات. فهل تنجح في مواجهة مشاريع الرئيس سعيّد؟

وقد أعلن القائمون على المبادرة، في بيانٍ، أن الهدف منها هو "الدفاع عن الشرعيّة الدستورية والبرلمانية، والتضامن مع السلطة القضائية في صمودها في وجه محاولات التركيع والهيمنة، والتنديد بقمع الحرّيات، والتنكيل بالمعارضين، وإحالة المدنيين أمام المحاكم العسكرية، ورفض سياسات التقشّف في النفقات الاجتماعية التي تنتهجها السلطة القائمة".

وتدعو المبادرة، منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، إلى الخروج في مظاهراتٍ شعبيةٍ مناهضةٍ للإجراءات الاستثنائية، وتمكّنت من حشد آلاف الرافضين للظرف الاستثنائي، من بينهم مواطنون، وحقوقيون، وأيضاً سياسيون، وعدد من أعضاء البرلمان، ما أثار أكثر من تساؤلٍ حول مدى تأثير بروز وجوه سياسية في الاحتجاجات، على شعبية المبادرة، وإمكانية عزوف المساندين لهذه التحركات عن الانخراط فيها، خاصةً وأن المواطن التونسي فقد ثقته بالطبقة السياسية برمّتها، وبأعضاء مجلس نواب الشعب بصفةٍ خاصة.

وقد عدّ أستاذ القانون الدستوري، والعضو في مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب"، جوهر بن مبارك، أنه ليس لديهم لا القدرة ولا الرغبة في فرز المشاركين في الاحتجاجات، ولا يمكن منع السياسيين من مواكبة المظاهرات، لأنهم مواطنون، ولديهم آراء ومواقف يريدون التعبير عنها، مبيّناً أنه يتمّ في كل مرةٍ توجيه دعوةٍ عامة إلى كل من يحمل موقفاً ضد "الانقلاب"، وفق تعبيره.

ويتابع محدث رصيف22، قائلاً إن آلية الفرز الوحيدة تكون على أساس "مع الانقلاب أو ضدّه، وأنه لا وجود لمقاييس تحدّد السياسي المرفوض شعبياً، من السياسي ذي الشعبية الواسعة، مشيراً إلى أنها مظاهرات شعبية تم حرمان العديد من مناصريها من الحضور، عبر إغلاق المنافذ المؤدّية إلى ساحة باردو".

بدوره، يرى الناشط السياسي بولبابة سالم، أن الشخص المتحزّب مواطن تونسي له الحق في التعبير عن رأيه، مضيفاً أن حضور نوابٍ في الاحتجاجات طبيعي وضروري للدفاع عن مؤسستهم التي تم إغلاقها، وتجميد عملها.

وأضاف أن "مبادرة ‘مواطنون ضد الانقلاب’، حركة مواطنة، وليست جهةً سياسيةً، وشارك في احتجاجاتها سياسيون من مختلف التوجهات، بصفتهم مواطنين، حتى أن أحزابهم لم تنخرط في هذا الحراك، ولم تصدر بياناتٍ تساندها".

وتابع المتحدث: "وجود وجوهٍ سياسية في هذا الحراك لا يُعدّ تناقضاً، بل هو ترسيخ للوعي بالحقوق والحريات، والحفاظ على الدستور، خاصةً وأن المخاوف على الديمقراطية ترتفع عندما تجتمع السلطات كلها في يد شخصٍ واحد".

النهضة تغرّد خارج السرب

ولئن اختارت الأحزاب التونسية حفظ المسافة بينها، وبين مبادرة "مواطنون ضد الانقلاب"، وعدم التعليق لا بمساندتها، ولا برفض تحركاتها، فإن حركة النهضة أعربت في أكثر من مناسبةٍ عن تضامنها اللا مشروط مع الحملة، ومع المواطنين الذين شاركوا فيها، وقد أكّدت في بيانٍ لها "دعمها لهذا التحرك القانوني والسلمي، وتضامنها الكامل مع كل الذين تعرّضوا على أيدي الأجهزة الأمنية للإيذاء والعدوان"، كما ندّدت بانتهاك حقوق المواطنين في حرية التنقل والتظاهر.

تدعو "مواطنون ضد الانقلاب" منذ أيلول/ سبتمبر الماضي، إلى الخروج في مظاهراتٍ شعبيةٍ مناهضةٍ للإجراءات الاستثنائية، وتمكّنت من حشد آلاف الرافضين للظرف الاستثنائي.

ويرى المحلل السياسي، صلاح الدين الجورشي، أن "مبادرة مواطنون ضد الانقلاب"، مفتوحة على جميع الأشخاص، سواء أكانوا مستقلين، أو منتمين إلى أحزابٍ سياسية، لكن في حال ظهور عناصر حزبية على مستوى القيادة، فسيؤثر ذلك سلباً على المبادرة، وتوسّعها، ويثير بعض الشكوك حول استقلاليتها.

وبيّن في تصريح لرصيف22، أن المبادرة يمكن أن تتطور وتصبح مشروع جبهةٍ واسعةٍ، ولكن إذا تمّت السيطرة عليها من قبل حزبٍ، فسيُلحِق بها ضرراً كبيراً، ويخلق فجوةً واسعةً بينها وبين مناصريها الذين فقدوا ثقتهم بالأحزاب بصفةٍ عامة، وبحركة النهضة بصفةٍ خاصة.

جذوة قائمة

وحول فرص نجاح المبادرة في فرض مقترحاتها المتمثلة في "تسريع الخروج من الحالة الاستثنائية، والعودة إلى الشرعية"، رأى بولبابة سالم، أن الوزن الشعبي للمظاهرات يومي 26 أيلول/ سبتمبر، و14 تشرين الثاني/ نوفمبر، يؤكد وجود وعي بخطورة المرحلة، وأكبر دليلٍ على قوّة هذه الحركة هو التضييق الأمني لمنع المتظاهرين من الحضور إلى ساحة باردو، ولو لم يكن للمظاهرة وزن، لما تم التضييق عليها.

وأضاف بولبابة سالم، أن الممارسات المذكورة تؤكد أن للحركة سلطةً شعبيةً حقيقيةً، وأنها تضمّ أغلب التوجّهات من اليمين، واليسار، والقوميين، وزخمها يتعاظم، وما يجمع بين مسانديها هو الخوف على الديمقراطية والحريات والحقوق المهددة.

من جهته رأى الجورشي، أن الهدف الأساسي من هذه المبادرة هو تعبئة أكبر عددٍ ممكن من الغاضبين على الإجراءات الاستثنائية، لخلق نظام قوى جديدٍ، موضحاً أن المرغوب من خلالها ليس تغيير الوضع السياسي، بل إعطاء رسالة مفادها أن جزءاً من الرأي العام، ومن الشارع التونسي لا بأس بهما، غير موافق على ما حصل، ويراه انقلاباً.

وعلى عكس ما دأب عليه الرئيس التونسي قيس سعيّد، في خطاباته بالحديث عن "اللصوص"، و"اللوبيات"، و"المدبّرين بالليل"، و"المخمورين"، من دون ذكر الجهات المشار إليها مباشرةً، فإنه قام بالردّ على الاتهامات التي وُجهت إليه بمنع أعضاء المبادرة من الاجتماع، ومنع المحتجّين من الوصول إلى ساحة باردو، قائلاً: "استمعت هذا الصباح إلى منع 'مواطنون ضد الانقلاب' من الاجتماع. أولاً، ليس بالانقلاب، ولم أمنع أحداً من الاجتماع، والبابان الأول والثاني من الدستور لم يقع تعليقهما. ولينظر هؤلاء إلى مواقفهم السابقة يوم 25 تموز/ يوليو، لكن حينما علموا أن ليس لهم مكان في الحكومة، صاروا ضد ما يسمونه، زوراً وبهتاناً، انقلاباً". فهل تنجو الحركة بإيجاد زخمٍ شعبي في مواجهة قرارات الرئيس سعيّد؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard