“الحبّ في الغربة لعنة“... الأزمة الاقتصادية تشتّت العشّاق اللبنانيين

السبت 4 ديسمبر 202104:43 م

"تبدأ موجة الحزن قبل أسبوع من موعد السفر وأبدأ أنا باسترجاع التفاصيل. في زيارتي الأخيرة إلى لبنان تأمّلت غرفتي كثيراً وبكيت كثيراً. كانت تلك الزيارة الرابعة خلال عامين وأدركت خلالها أن وجع الرحيل عن الأهل والأحباء لا يهدأ بمرور الوقت بل يتفاقم". هكذا تصف بيان الأمين (24 عاماً) شعورها قبل الرحيل عن لبنان وتوجّهها إلى مكان إقامتها الحالي في العاصمة الفرنسية باريس حيث تكمل دراستها في مجال علوم الأحياء.

بيان ليست سوى واحدة من آلاف اللبنانيات واللبنانيين الذين يهاجرون من البلاد بهدف النجاة من التدهور الاقتصادي المتصاعد وإيجاد حلول في الخارج. فبحسب تقرير نشرته "الشركة الدولية للمعلومات"، فإن عدد اللبنانيين الذين سافروا عام 2019 ولم يعودوا هو 61,924 مقارنة بـ41,766 عام 2018. وأفاد التقرير أنه بعد انفجار مرفأ بيروت انخفض متوسط عدد القادمين بنسبة 12,3%، وارتفع متوسط عدد المغادرين بنسبة 36%. وكان قد صرّح رئيس جمعية لابورا اللبناني الأب طوني خضرا أن عدد الذين هاجروا البلاد في الأشهر الخمسة الأولى من العام الجاري قارب 230 ألفاً.

هذه الاحصاءات التي تظهر أرقاماً على الشاشات، هي حياة الناس التي تتغيّر وتتبدّل. هي انسلاخ أفراد عن عائلاتهم، هي آباء وأمّهات يودّعون أطفالهم، وشركاء وشريكات في الحب وفي الحياة الزوجية أصبحت الجغرافيا تفصل في ما بينهم رغماً عنهم.

"الحب في الغربة لعنة وأسوأ ما يمكن أن يحدث للانسان. في الغربة يصبح المرء في علاقة متصلة بالماضي والمستقبل وخالية من الحاضر".

حين سافرت بيان من قريتها الجنوبية إلى فرنسا، تركت في لبنان علاقة عاطفية عمرها ثلاثة أعوام. تعدد التغييرات التي حلّت على علاقتها. تقول: "هنالك من يتأقلمون ويحبّون حياتهم الجديدة حتى أنّهم يكفّون عن التفكير بحياتهم ما قبل السفر. وهنالك من هم مثلي، يعيشون صدمة مرتبطة بالانسلاخ عن كل ما هو مألوف. حين أدخل إلى غرفة نومي في فرنسا لا أزال أشعر، برغم مرور الوقت، بالغربة وأشتاق إلى حياتي السابقة، وإلى أهلي، وإلى الحديقة أمام المنزل، وإلى حبيبي".

حين اتّخذت بيان قرار الهجرة اتّفقت هي وشريكها على خوض العلاقة عن بعد على الرغم من الصعاب التي ستواجههما، تقول: "السفر لا ينهي علاقة عاطفية. لكنّه يضاعف الجهود. مشكلتي ليست بالبعد الجسدي فقط بل أيضاً بتوقّف ذكرياتي وحياتي مع شريكي. حسناً، نحن نتحدّث طوال الوقت لكن هذه الأحاديث لا تكفي. مهما فعلنا أشعر أنّي غير مكتفية. لأنني أنا المسافرة وشريكي لهناك، في دائرة العائلة والأصدقاء يكوّن وإياهم ذكريات جديدة أنا لست جزءاً منها. وهذا هو القسم الأصعب، الشعور بأن حياتي المشتركة مع من أحبّه تفوتني أو تحدث أمامي دون أن أكون حاضرة فيها على الصعيد الجسدي أو حتى على الصعيد العاطفي".

تعتبر بيان أن كل العلاقة التي تُخاض عن بعد، تحديداً إذا كانت قد ولدت في مساحة جغرافية واحدة، تفقد عوامل أساسية من داخلها، وأن ما يبقيها متينة هو المعرفة العميقة بالآخر والحب الذي يطغى على كل الصعاب. وتؤكّد أنه لولا وجود هذه العوامل بينها وبين شريكها لانتهت العلاقة منذ لحظة انتقالها. تضيف: "خسرت التفاصيل، مثل ارتداء فستان جميل من أجل أن ألفت من أحب أو حتى الخروج في موعد غرامي. اختفاء لحظات الحب الصغيرة هذه انعكست بطريقة سلبية على نظرتي لنفسي، فصرت أفعل كل شيء لذاتي فقط دون أن أعطي وأتلقّى الفرحة مع شريكي". وتختم: "في نهاية الأمر لا خيار أمامنا سوى الانتظار وتكملة علاقتنا بطريقة افتراضية إلى أن نتمكّن من الاستقرار معاً في بلد يرحّب بنا ويسمح لنا بعيش حياة طبيعية".

بحسب تقرير نشره "مرصد الأزمة" التابع للجامعة الأمريكية في بيروت، دخل لبنان في ما وُصف بـ "موجة الهجرة الثالثة"، التي ستكون عواقبها وخيمة في المستقبل البعيد.

الهجرة الكبرى الأولى حصلت حين هاجر قرابة 300 ألف مواطن من جبل لبنان بحسب المرصد في أواخر القرن التاسع عشر حتى فترة الحرب العالمية الأولى (1865 - 1916). أما الموجة الكبيرة الثانية فحين هاجر حوالى 990 ألف خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 -1990). اليوم بدأت الهجرة الكبرى الثالثة.

مشكلات وأحلام مكسورة

في بدء الصيف الماضي، حمل سلمان (اسم مستعار، 29 عاماً) ما تبقّى من مدخّراته التي استطاع إخراجها من المصرف وتوجّه إلى أفريقيا. تحديداً إلى غانا حيث بدأ بالعمل مسؤولاً في شركة استيراد وتصدير، يقول لرصيف22 إنّه هاجر من أجل راتب شهري مقداره 2500 دولار أمريكي فقط لا غير، وإنه ما كان ليتخيل يوماً أن يترك أهله وخطيبته من أجل راتب كهذا بعد أن أصبح من الأيادي العاملة الرخيصة بسبب انهيار اقتصاد بلاده.

ويضيف: "من أين أبدأ؟ تغرّبت بعد أن أسست حياتي في لبنان. كان من المفترض أن أكون حالياً في منزلي الخاص مع زوجتي التي هي الآن خطيبتي. حين جاءتني فرصة السفر بعد أن خسرت عملي في لبنان، سافرت. البلد هنا جميل، الناس يحبّون الحياة والعمل أفضل من لبنان، لكن الثمن الذي أدفعه في المقابل كبير، كبير جداً. المشاكل التي كانت تحدث بيني وبين خطيبتي كان تُحلّ بجلسة سريعة وبلمسة يد ربّما، اليوم لا الجلسة ممكنة ولا يد خطيبة".

"السفر لا ينهي علاقة عاطفية. لكنّه يضاعف الجهود. مشكلتي ليست بالبعد الجسدي فقط بل أيضاً بتوقّف ذكرياتي وحياتي مع شريكي".

وما هي أسباب تأجيل زواجهما؟ يجيب: "شو منتزوّج وبتقعد هي بلبنان وأنا هون؟ لا". ويكمل متحسراً: "سئمنا حالة التشتّت التي نعيشها، وأحاديث الواتسآب والفيديو المملّة. بصراحة فعلاً البعد جفاء. يومياً أشعر أن كل ما هو عاطفي بيننا يتلاشى وكل ما هو جنسي لم يعد موجوداً. طبعاً، الغربة هي التي تتحدّث الآن بلساني. فحين نعود ونلتقي أسترجع فوراً علاقة حبّنا البالغة من العمر خمس سنوات. لكن إذا ما أردنا أن نكون واقعيين، الحب في الغربة لعنة وأسوأ ما يمكن أن يحدث للانسان. في الغربة يصبح المرء في علاقة متصلة بالماضي والمستقبل وخالية من الحاضر. فأنا وشريكتي نعتمد على الماضي الذي عشناه والمستقبل الذي نحلم به، لكن أين الحاضر؟ أين الواقع؟ ذهب مع الانهيار الافتصادي والمالي في بلادنا".

وفق تقرير استطلاع نشرته مؤسسة "غالوب" البحثية، فإن 63 في المئة من اللبنانيين يرغبون في مغادرة البلاد، و85 في المئة لا يتمكّنون من دفع المستحقّات المالية، و53 في المئة لم يتمكّنوا من تأمين احتياجاتهم الغذائية و74 في المئة يشعرون بالحزن، و49 في المئة يطغى عليهم الشعور بالغضب. كما أن أغلب الشعب اللبناني يعاني التوتّر.

الحزن والغضب والوحدة

تقول صوفيا خ. (28 عاماً) إنها ليست غاضبة بل حزينة ووحيدة. فهي التي تزوّجت في العام 2017 تقيم حالياً وحدها في فرنسا حيث أنهت دراستها العليا في العام 2020، وحصلت على وظيفة ثابتة في مجال الاقتصاد. تقول أيضاً إنها لو تمكّنت من إيجاد فرصة عمل في لبنان لتركت الغربة وعادت للإقامة مع زوجها. تضيف: "أزور بيروت ثلاث مرّات في السنة، وفي كل مرّة تمتد إقامتي نحو شهر. لكن هذه المدّة القصيرة لا تكفي لبناء حياة زوجية. ظننت أنني فور انتهائي من أطروحة الدكتوراه سأستقر في لبنان، لكنّ الانهيار الاقتصادي المروّع جاء، فخسر زوجي عمله وأُجبرت على البقاء في فرنسا. أولاً، كي أعمل. وثانياً، كي أستمر ببناء ملفّي وأقدّم طلب الحصول على الجنسية الفرنسية. وثالثاً، لأن لا أمل من البقاء في لبنان".

تعتبر صوفيا أن التضحية التي تُجبر على تقدمتها اليوم ستؤمّن لها مستقبلاً عائلياً، وأن لا خيار لها في ظل الأوضاع الراهنة سوى العيش في الغربة. وتؤكد أنها تشتاق إلى التفاصيل الصغيرة، واحتساء القهوة في الصباح الباكر مع زوجها، والزيارات العائلية وحتّى تنظيف المنزل. وتضيف: "أعيش في أستوديو صغير مطل على حديقة كبيرة جداً، لدي زملاء محبّون في بلد يحترمني. أعتبر نفسي محظوظة. فأنا بطريقة أو بأخرى نجوت من الكارثة، لكن الفراغ الذي بداخلي لا يمكن سدّه". تكمل:" في معظم الأحيان، أشتاق إلى سماع نكتة باللغة العربية. التواصل لا يشكّل عائقاً أمامي، لكن مهما فعلت فلن يبلغ العمق الذي أعرف أنه بداخلي. أحياناً أحزن. وأحياناً أستسلم. لكن أعود وأتذكر الانفجار الذي هزّ لبنان والعالم وانقطاع الكهرباء والمياه، والمآسي اليومية التي تنشرها الصحف ورغبتي في الأمومة، فأقول لنفسي: "عام واحد بعد، اصمدي. وإذا حصلت على الجنسية فسيُعاد لم شملك مع زوجك".

"أحياناً أستسلم. لكن أعود وأتذكر الانفجار وانقطاع الكهرباء والمياه، والمآسي اليومية ورغبتي في الأمومة، فأقول لنفسي: "عام واحد بعد، اصمدي. وإذا حصلت على الجنسية فسيُعاد لم شملك مع زوجك".

الأزمة الاقتصادية المتفاقمة يوماً فيوماً تفرض على اللبنانيين أن يرحلوا ما داموا قادرين على ذلك، أو أن يبقوا صاغرين. فقد تشتّت العائلات والأحباء وتغيّرت الأحوال على مختلف الصعد. من الأحبّاء من افترقوا ولم يتمكّنوا من محاربة البعد الجغرافي، ومنهم من يستثمرون أيام الغربة في علاقة حبّهم المتبقية في الوطن على أمل أن يلتقوا مستقبلاً في بلد واحد. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard