في مهرجان القاهرة... الأفلام العربية لم تتخلّص من ميراث المسرح

الأحد 5 ديسمبر 202106:46 م

قبل أكثر من ربع قرن حاورتُ كلاً من يحيى الفخراني ومحمد صبحي. تجربة أولى وأخيرة محبطة، لاكتشافي أنهما لا يشاهدان سينما العالم من حولنا.

وفي مهرجانات السينما المصرية، والعربية أيضاً، قلماً يحرص نجم على مشاهدة فيلم ما لم يكن فيلمه، أو اضطر إلى مجاملة صديق. الاستثناءات النادرة جداً تؤكد قاعدة تنطبق أيضاً على مخرجين ومؤلفين. حسام الدين مصطفى نموذج للبارانويا، أخرج حوالي مئة فيلم، أولها كآخرها، نسخ غير مزيدة غير منقّحة. كيف تتطور الرؤية الفنية لسينمائي حرمه الله نعمة القلق؟ الجيل الجديد من المخرجين أحرص على المتابعة، لكن حظوظهم قليلة، يقضي بعضهم عشر سنين أحياناً حتى يتمكن من إنجاز فيلم.

مهرجان القاهرة السينمائي لحق بمهرجان الجونة. ممثل صغير اسمه علي ربيع سار على خطى أحمد السقا. الإنسان عدو ما يجهل، والفنان أكثر عداء. الجاهل الطبيعي يصمت خشية أن يفضحه جهله، والجاهل الفنان يباهي محتمياً بنجوميته.

الإنسان عدو ما يجهل، والفنان أكثر عداء. الجاهل الطبيعي يصمت خشية أن يفضحه جهله، والجاهل الفنان يباهي محتمياً بنجوميته

في تشرين الاول/أكتوبر 2021 حمل السقا درع تكريمه في افتتاح مهرجان الجونة، وأفتى بأن السينما المصرية منذ عام 1967 "خُلقها ضيق"، ماتت ثم أحياها فيلم "إسماعيلية رايح جاي" المتواضع فنياً وإنتاجياً، عام 1997. لم يصف الفيلم بالتواضع، كما لا يعترف عادل إمام بتواضع أعماله، وكان يزهو بأنه "نمبر وان"، وفي أفلامه تعمّد السخرية من المثقفين مقتديا بأنور السادات. وها هو "مهرجان" القاهرة يسخر من "أفلام المهرجانات".


ففي 26 تشرين الثاني/نوفمبر 2021 اُفتتحت الدورة الثالثة والأربعون للمهرجان بفقرة اجتمع فيها لعلي ربيع ثقل الظل والسماجة. لا لوم عليه؛ فهذا حظه من الموهبة. لكنه أضاف أمراً آخر لا أظنه ارتجالاً، لعله لُقِّن نصّاً وخضع لتجربة أداء قبل الافتتاح. سخر الممثل من الأفلام الفنية التي تتجاوز السطح، ولا تسعى وراء تدليل المشاهد وإضحاكه وتخديره.

أفلام المهرجانات ثروة فنية وقيمة باقية تتجاوز عصرها وثقافتها وتخاطب وعي الإنسان، ولا تنفد طاقتها وقدرتها على الإلهام، ومن أجلها تقام المهرجانات. بفقرة علي ربيع سجل مهرجان القاهرة مفارقة غير مسبوقة في الاستخفاف بمسوّغ بقائه. ليته ينظم ورش متخصصة لمحو الأمية السينمائية لممثلين لا يشاهدون الأفلام.

بالاتفاق مع إدارة المهرجان ارتكب الممثل علي ربيع خطأ آخر، عطلني عما أريد الآن كتابته، فطالت المقدمة حتى أوشك رأس المقال أن ينفصل عن جسده. في هذه الدورة (26 تشرين الثاني/نوفمبر ـ 5 كانون الأول/ديسمبر 2021) شاهدت أفلاماً عربية دالة على طمأنينة زائفة، ورضا بموقع العاجز على المنافسة، لدى أغلب صناع السينما العرب.


ولا يتعلق كلامي بما يمكن وصفه بحجة للبليد، مثل التعلل بفقر الإمكانات الفنية وإكراهات جهات الإنتاج، وإنما أقصد بديهية تخص فن الأداء. أفلامنا تشبه الأصل في الصراخ، ونفور عروق الرقبة، وصلصلة السيوف في غير معركة. لم يتعلم السينمائيون، ممن لا يقرأون، من ملاحظات حول كلاسيكيات مصرية في مهرجانات دولية.

عرفت كمال الشيح، وقابلته في بيته بعمارة الإيموبيليا، وأنا طالب بجامعة القاهرة. كان يتسم بأخلاق النبلاء، ذا صوت خفيض، وهذا واضح في أفلامه التي يتمتع أبطالها بالاقتصاد في إظهار الانفعال. لنستشهد بفيلم "الليلة الأخيرة" عام 1963. امرأة تفيق فتفاجأ بأنها امرأة أكبر من عمرها بخمسة عشر عاماً، ومتزوجة من زوج أختها، ولها بنت في سن الزواج. وتدور الأحداث حول بحث المرأة عن ماضيها وحياتها السابقة ومعارفها، للتوصل إلى هويتها، بما في ذلك اسمها الذي استبدل به اسم أختها المتوفاة. تحكم المخرج في منسوب الغضب في أداء فاتن حمامة، حتى قال له منتج في العرض الأول للفيلم: "أبطالك يحتاجون لدفعة انفعالية".

في مهرجان القاهرة أفلام لها قضية، صناعها مهمومون بقضايا المرأة والطفولة. حسن النية لا يشفع لأعمال يبلغ فيها الأداء حدّ الصخب

في مقابل اعتياد الأداء الميلودامي، وفاء لتاريخ السينما المصرية، كان الاستقبال الأوروبي مختلفاً حين عرض الفيلم في مهرجان كان، عام 1964. روى المخرج للناقد كمال رمزي أن النقاد الفرنسيين أخذوا على الفيلم "الانفعال الزائد عند الممثلين، وهنا أدركت الفارق في الذوق، والثقافة، بيننا وبينهم. الفن كما أراه هو ضبط الانفعال لا إطلاقه، وفي معظم أفلامي، لن تجد رجلا يعصف به الغضب، ولكن من الممكن أن يتمكن منه الغضب. ولن تجد امرأة تلطم الخدود وتجأر بالصراخ، لكن من الممكن أن تكون حزينة". وبعد أكثر من نصف القرن على فيلم "الليلة الأخيرة"، تراوح أفلام عربية مكانها، وتنتهج الأداء المسرحي قبل اختراع الميكروفون.

في مهرجان القاهرة أفلام لها قضية، صناعها مهمومون بقضايا المرأة والطفولة. حسن النية لا يشفع لأعمال يبلغ فيها الأداء حدّ الصخب. الفيلم الأردني "بنات عبد الرحمن" تأليف وإخراج زيد أبو حمدان يشارك في المسابقة الدولية، وتقوم ببطولته أربع ممثلات محترفات. استسهال الأداء الزاعق يؤخذ على المخرج، مايسترو الفيلم. كانت مباراة في تقاسم الغضب، والتعبير عنه بالصوت العالي، كلهن تقريباً: صبا مبارك، وحنان حلو، وفرح بسيسو، أما مريم باشا فأصغرهن سنا وأكثرهن كبحا لمظاهر الغضب، ربما لأن الشخصية التي تؤديها أكثر ثقة واتساقاً مع الذات. ليست صبا، هنا، بطلة "بنتين من مصر"، ولا فرح صاحبة الأدوار المهمة منذ شاهدتُ "الزير سالم".

وفي مسابقة آفاق السينما العربية يشارك الفيلم التونسي "قدحة" إخراج أنيس الأسود، وسيناريو شامة بن شعبان.

تجربة مهمة في الاقتراب من عالم الطفولة، بعيداً عن التناول التقليدي لأوهام البراءة. تنتهي البراءة بصدمة التجربة، والتجربة هنا غياب الأب، والإنضاج المبكر للطفل. تجربة ناجحة في التعامل مع طفل (ياسين ترمسي) الذي يحمل الفيلم اسمه "قدحة"، وربما يمثل للمرة الأولى هو والطفل أحمد زكريا شيبوب، وأمامهما جمال العروي وشامة بن شعبان، وأمّ "قدحة" صالحة نصراوي وقد فاجأتنا، في نهاية الفيلم، بمرافعة غاضبة تشبه محاكمة زينب (فرح بسيسو في"بنات عبد الرحمن") لجيرانها الذين لا يخلو أي منهم من خطيئة، لكنهم يستبيحون قذف الأبرياء.

في مسابقة آفاق السينما العربية فيلم عراقي عنوانه "كِلشي ماكو"، إخراج ميسون الباجه جي وسيناريو إرادة الجبوري. أعتبر نفسي متابعاً لمعظم الأفلام العراقية من الغزو الأمريكي عام 2003. بعض الأعمال مال إلى البكائيات، والبعض إلى الانتقام الرمزي من نظام وشخص ومرحلة، وهناك من استسهل الضرب في الميت وتغاضى عن السياق. فيلم "كلشي ماكو"، الذي تدور وقائعه في ذروة العنف الطائفي، لا يتوسل بإلقاء اللوم على الغزو الأمريكي. لا نرى الجنود ولا الآليات؛ فالغزو وباء يقتل بالعدوى، والعدوى أفكار طائفية لا يبالي فيها القاتل بالضحية، وتصرخ إحداهن: "أنا سنيّة وزوجي شيعي". فيلم يراهن على الحياة، وعشاق الحياة لا يصرخون. كانوا يغنون.

أراجع قائمة أهم مئة فيلم مصري فأجد الكثير منها عن أعمال أدبية. ليت المخرجين يتواضعون، ويراجعون الروايات والأفلام. ربما أسهم في خروج "كلشي ماكو" بهذه الروح أن كاتبته إرادة الجبوري قادمة من مجال الأدب، ولغة السرد فوق الحياة قليلاً، ويفسدها الصخب والمباشرة.

وإذا كنت قد بدأت بفيلم "الليلة الأخيرة"، فأغلق القوس بفيلم "بيت الأرواح" عن رواية إيزابيل الليندي. الزوج الهارب الطبقي، في نوبة انفعال، يصفع زوجته. (أحمق من يؤذي ميريل ستريب). ينفجر غضبها إلى حدوده القصوى، فلا تصرخ، وتقرر ألا تكلمه مدى الحياة. تهجره، وحين يزورها، بصحبة خطيب لابنته، تهمس إلى الخادمة: "قولي لزوجي أن يخرج هو وصاحبه". هكذا بهدوء. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard