فيلم سوري يحتاج إنجازه إلى ثلاثة وعشرين مليون كومبارس

الجمعة 3 ديسمبر 202102:10 م

استغرق المخرج ستانلي كوبريك، في تصوير فيلمه "Eyes Wide Shut poster (عيون مغلقة على اتساعها)، 400 يوم؛ أربعمئة نهارٍ وليل، من أجل 159 دقيقةً، أرهق خلالها "الكاست" كله. ربما كان وحده من يستمتع بالعمل، وسحر الإنجاز، والدقة، بينما الجميع، وعلى الرغم من ادّعائهم بأنهم مستمتعون، إلا أن التعب قد نال منهم، حتى أن توم كروز أُرهق تماماً، وأصيب بقرحةٍ معويةٍ في تلك الفترة، ويقال مثلاً إن كوبريك طلب من كروز تكرار لقطة بسيطة -لحظة دخوله من إحدى البوابات- خمساً وتسعين مرةً.

أقرأ هذه المعلومة في كتابٍ عن السينما، بينما يأخذني عقلي إلى سؤالٍ بسيطٍ وملّحٍ لا يفارقني. وبما أنني عادةً أفكّر في كتابة سيناريو فيلم عن (الوضع-الحدث) السوري الممتد طويلاً في الزمن، والقسوة، والخراب، والألم، كما أنني ابن هذه المقتلة، وروحي لا زالت ملوّثة بالدم الذي نسي كيف يجفّ، أفكر دائماً في أنه لا بدّ من فيلمٍ ما، يحشر في مشاهده ما حصل كله. فيلم يقول كلّ شيء دفعةً واحدةً، ليبقى وثيقةً تخصّ القادمين من البشر، على هذه البقعة التي تُدعى الكرة الأرضية، وليفعل ما تفعل الكتابة "حين نرمي حمل الذاكرة بالقول". أمر أشبه بالفضفضة لمستمعٍ ما، حتى وإن كان شبحاً، أو ربما هي الحاجة إلى شاهدٍ ما.

لا بدّ من حكايةٍ تقول للسوري في الهنا، والهناك، وفي كل مكان، من هم الأبطال؟ هل يعقل أن تأتي بعشرين مليون كومبارس تقريباً؟ ما هي الموسيقى التصويرية؟ من يستطيع أن ينجزها؟ هل تُحتمل فكرة أن تنجز فيلماً موسيقاه مجرّد أنين، والكثير الكثير من النشيج المكتوم؟!

السؤال: ما هو الزمن المطلوب لإنجاز فيلم سوري يقول ما حصل كله؟ أين ستقف؟ وعلى أي ضفة من الثنائية السورية الشهيرة (موالاة ومعارضة)، لتقول ما يجب أن يقال؟ هل يمكن أن تقف في المكان الأكثر صواباً، في هذه المرحلة، حيث اللون الرمادي، ذاك الذي يمقته جميع المتمترسين، ويصمون كل من يتبنّاه؟! ماذا ستهمل؟ أيّ التفاصيل يجب أن تكون في الواجهة؟ وأيّ منها ستكون في خلفية المشهد وهامشه؟ أليس الهامشي مرةً، يستطيع أن يصبح، وببساطةٍ، أساسياً ومحورياً مرة أخرى؟ أليس من الطبيعي أن نسقط في فخّ اللغة، والترميز، وما يستجرّه من تمترسٍ وانقسامٍ فاضحين؟ أما من حكاية تُروى عن الجميع في الجهات كلها، وتتعالى عن الثرثرات المرتبكة التي تزيد تشوّش الحالة، ولا تضيف إلا مدماكاً جديداً من الكراهية؟

لا بدّ من حكايةٍ تقول للسوري في الهنا، والهناك، وفي كل مكان، من هم الأبطال؟ هل يعقل أن تأتي بعشرين مليون كومبارس تقريباً؟ ما هي الموسيقى التصويرية؟ من يستطيع أن ينجزها؟ هل تُحتمل فكرة أن تنجز فيلماً موسيقاه مجرّد أنين، والكثير الكثير من النشيج المكتوم؟!

سيكون الفيلم عصيّاً على الفهم، ولا شك ستقف السريالية نفسها مدهوشةً بما حصل ويحصل. الفيلم السوري الدموي... الفيلم السوري الخارج عن التحديد، إذ لا يمكن ضبط بدايته تماماً، ولا يمكن التكهّن بالنهاية، وشكلها، كما ستحتاج شارته إلى كيلومترات عدة، لتتسع لـ"الكاست" المشارك.

من هي جهة الإنتاج؟ أليس من يدفع الفواتير، هو من يكتب الرواية؟ هل من جهةٍ محايدةٍ في هذا العالم المبرمج مسبقاً، والمأخوذ بمصالحه بطبيعة الحال؟! ماذا لو أنتج الروس هذا العمل الضخم، وشاركتهم إيران؟ ماذا لو تبنّاه الأمريكان، والأتراك، وأصدقاؤهم من أهل الخليج؟ هل تستطيع المنظمات الإنسانية الدولية الشهيرة أن تنأى بنفسها عن السياسي، لصالح الإنساني؟ على الأقل لتليق بها تلك الصفة المضافة إلى اسمها؟ أعتقد أن المهمة شبه مستحيلة.

ماذا لو فكّرنا في حلٍّ سحري نعتمده على مبدعي المونتاج، إذ نقوم بجمع الأفلام القصيرة كلها، والروائية الطويلة، والتسجيلية الوثائقية، وحتى تلك التي سجّلتها كاميرا الموبايلات الخائفة بصورةٍ مهتزةٍ ومتوترة، وأفلام الأنميشن، وكل تلك الأفلام التي صنعها السوريون في كلتي الضفتين، وعلى مدى العشر سنوات الماضية من عمر هذه المقتلة، ونطلب منهم أن يدمجوا الدماء بالدماء، والدمع بالدمع، ويجمعوا الأشلاء والجثث على ضفةٍ واحدة، ويشتغلوا على تداخل المشاهد، بحيث يصبح نعش صديقي الذي قتلته قذيفة في هذه المدينة، محمولاً على أكتاف من رمى القذيفة نفسها، من مدينة أخرى، وليصبح عويل الأمهات، ونواحهنّ ها هنا ينادي بأسماء القتلى الذين ضربهم برميلٌ متفجرٌ هناك، ولتبكي الأمهات في الجهات كلها، صغارهم الذين صاروا مقاتلين فجأة، في الجهات كلها؟ أرجوك ساعد سكّان المجازر ليزوروا بعضهم البعض، ويتبادلوا أدوات المطبخ. لكن هل حقاً سيجدي نفعاً هذا التقميش الحالم على أرضٍ موحلة بالكراهية، والحزن، والذلّ، والجوع، والشتات، والمنافي، والتهجير، والقهر، وهذا الشلل كله المنتشر كالهواء؟ هل ستنجح هذه السردية البصرية المؤلمة في قول ما حصل؟ ألا تكفي سرديات تفتح الجرح السوري، وتشرّعه لكل متفرّج على هذا الكوكب؟ أعتقد أن العالم مشغول بشؤون أخرى، وقد تملّكه الملل من الصورة السورية، ولا وقت لديه ليصرفه هنا، في قلب هذا الخراب

أرجوك ساعد سكّان المجازر ليزوروا بعضهم البعض، ويتبادلوا أدوات المطبخ. لكن هل حقاً سيجدي نفعاً هذا التقميش الحالم على أرضٍ موحلة بالكراهية، والحزن، والذلّ، والجوع، والشتات، والمنافي، والتهجير، والقهر، وهذا الشلل كله المنتشر كالهواء؟

ماذا عن المجاز؟ ألا يمكنه النجاح في إيصال ما يجب قوله، من دون إطالةٍ، وبتكثيف يناسب "ريتم" هذا العصر؟ مثلاً، ماذا لو كان الفيلم لا يتجاوز سبع ثوانٍ، ويكون أقصر وأكثف فيلمٍ في التاريخ؟ أتخيل السيناريو التالي:

ترصد الكاميرا بلقطةٍ قريبةٍ جداً "إكستريم كلوز أب"، عجلات السيارات على طريقٍ سريع، وهي تعبر بسرعةٍ مفرطةٍ ومخيفة، وفجأة تنقل الكاميرا تركيزها إلى زهرةٍ برّية صغيرة، يبدو أنها وُجدت مصادفةً على إسفلت الطريق، وسرعان ما تدهسها إحدى تلك العجلات التي تعبر، وتسحقها حتى لم تعد للزهرة أيّ ملامح، أو حتى أثر، ثم ينتهي الفيلم، لتبدأ الشارة التي ستكون الأطول في التاريخ: "أسماء السوريين كلها، اسماً اسماً"، ليدخل كتاب غينيس للأرقام القياسية مرّتين؛ مرةً كونه أقصر فيلم، ومرةً كون شارته و"الكاست" المشارك فيه، هما الأطول على الإطلاق.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard