مكاتبها تتمدد في الشمال السوري... العملات الرقمية كوسيلة للصمود!

الأربعاء 1 ديسمبر 202105:51 م

يقضي عبد الرزاق العمر، وهو شاب عشريني يعيش في مخيمات شمال إدلب في سوريا، ساعاتٍ طويلةً من وقته، أمام شاشة هاتفه، يتفحّص إحدى منصات التداول بالعملات الرقمية. يُدقق مطوّلاً في الأرقام والبيانات ليُكوّن فكرةً وافيةً عن السوق، تدفعه لاتخاذ قرارٍ ببيع إحدى العملات الرقمية التي بدأ الاتجار بها منذ أشهر، أو شرائها.


عبد الرزاق واحدٌ من آلاف السوريين الذين لجأوا إلى التداول بالعملات الرقمية، في محاولةٍ لكسب موردٍ إضافيٍ يساعدهم على تحمّل أعباء الحياة، متجاهلين أو متناسين مخاطر هذه التجارة، وإمكانية تعرّضهم لخسارة رأس المال في أي لحظة. شجعهم على ذلك، "رأس المال البسيط، أحياناً، 50 أو 100 دولار أمريكي، وتالياً مخاطرتهم تبقى محدودةً، فالخسارة إن وقعت ليست كارثيةً، والربح سيساعدهم في أكثر من جانبٍ في وقتٍ هم بأمسّ الحاجة فيه إلى كُلّ قرشٍ إضافي"، حسب عبد.



لم يكن يملك عبد الرزاق أي فكرة مسبقة عن العملات الرقمية، لكن مشاهدته لكثيرين من أصدقائه يعملون بها، دفعه للاستفسار عنها، والتوجّه إلى أحد المراكز المختصة بهذا النوع من التجارة، حيث شرح له مدير المركز آلية العمل، وكيفية البيع والشراء، وأفضل الطرق للربح، ليقوم بعدها بإنشاء محفظة، وشحن رصيده بقيمة مئة دولار، يمكنه من خلالها شراء عملات ضمن هذه القيمة، والتي يُمكن أن ترفع حجم المشتريات عند صعودها.

يجهل العُملاء آلية العمل في السوق، وأسباب ارتفاع العملات المشفّرة، أو انخفاضها، كما يجهلون الجهات التي تقف خلف تلك العملات، وهو ما يشبه اللعب بالقمار 

مئات الأشخاص اعتمدوا أسلوب عبد الرزاق في العمل، وهنا تكمن الخطورة، حسب رأي مدير مؤسسة بيت الخبرة للاستشارات الاقتصادية والإدارية، الدكتور سهيل حمدان، إذ "يجهل العُملاء آلية العمل في السوق، وأسباب ارتفاع العملات المشفّرة، أو انخفاضها، كما يجهلون الجهات التي تقف خلف تلك العملات، وهو ما يشبه اللعب بالقمار، أو ضربة الحظ، لأن العمل غير مبني على دراسةٍ ومراقبةٍ علميتين".

دخول الناس في هذا السوق لن يصنع لهم رديفاً جيداً للدخل، بل قد يعرّضهم لخسارات تفاقم معاناتهم، لأن الناس تتاجر بعملات مجهولة المصدر، ولم تعترف بها الدول الكبرى

يقول حمدان لرصيف22، إن "دخول الناس في هذا السوق لن يصنع لهم رديفاً جيداً للدخل، بل قد يعرّضهم لخسارات تفاقم معاناتهم، لأن الناس تتاجر بعملات مجهولة المصدر، ولم تعترف بها الدول الكبرى، لأن المؤسسات المالية، كالبنوك المركزية والبورصات العالمية، لم تجد لدى العملات المشفّرة عنصر الشفافية، أو ما يُعرف اقتصادياً بالإفصاح، كما لم تتمكن من تتبع حركاتها وتحويلاتها عالمياً".

ويضيف: "لو تمكّن الناس من دراسة تحوّلات السوق، وتمكّنوا من امتلاك العلم الذي يسمح لهم بالتنبؤ بحركة العملات، حينها فقط يمكنهم تجنّب موضوع ضربة الحظ، والانتقال إلى العلم في الأسواق التي يعملون فيها، ويتحوّل الأمر إلى مسألة تجارية يمكنهم ممارستها".

ينصح حمدان "المغامرين الراغبين في تجريب هذا العمل، بأن يكونوا شديدي الحذر، بحيث يستثمرون بأموالٍ بسيطة لا تشكّل خسارتها فقداً كبيراً بالنسبة إليهم، مع أهمية الاستثمار في عملات مشفّرة ذات قيمة منخفضة جداً جداً، وتالياً أي مبلغ مالي بسيط يمكن أن يشتري كميةً كبيرةً من تلك العملات، وأي فارق في السعر نحو الأعلى قد يحقق ربحاً لهم".

وتنتشر في شمال سوريا العديد من المكاتب التي بدأت العمل في مجال العملات الرقمية، وهي تحاول الاستفادة من قلّة معرفة المجتمع بهذا النوع من التجارة، لكي تعرض عليهم المساعدة في فتح الحسابات، وتسهيل عملية التجارة، وهذا ضمنه مخاطر كبيرة، مع إمكان أن تعمل بعض المكاتب على استغلال العملاء.

تنتشر في شمال سوريا العديد من المكاتب التي بدأت العمل في مجال العملات الرقمية، وهي تحاول الاستفادة من قلّة معرفة المجتمع بهذا النوع من التجارة، لتحاول استغلالهم

هنا، يؤكد حمدان على ضرورة "معرفة العميل للشريك، أو صاحب المكتب الذي يساعده في العمل، وهل سيقوم بإنشاء المحفظة بالاسم الشخصي للعميل، ويمنحه كلمات المرور الخاصة بالدخول إلى المحفظة، والتحكّم بمحتوياتها، أم سيفتتحها باسم المكتب، وتالياً سيكون المتحكم الوحيد بالمحفظة، ويمكن أن يختفي في أي لحظة، ما يعرض العميل لخسارة كامل رأس ماله من دون أن يملك أي وسيلة لاستعادته؟".

يوجد حول العالم أكثر من خمسة آلاف عملة رقمية يتم تبادلها بشكل يومي بين العملاء، ولكل عملة مؤشر وخط بياني يرتفعان وينخفضان حسب حجم الإقبال عليها

محمود الخطيب، شاب يعمل ضمن مجال العملات الرقمية منذ سنوات عدة، واستفاد من دراسته في معهد العلوم المالية والإدارية لتطوير عمله. يقول لرصيف22: "يوجد حول العالم أكثر من خمسة آلاف عملة رقمية يتم تبادلها بشكل يومي بين العملاء، ولكل عملة مؤشر وخط بياني يرتفعان وينخفضان حسب حجم الإقبال عليها".

ويتم تداول العملات الرقمية عبر منصّات إلكترونية مثل منصة Binance، وهي من أكبر منصات التداول في العالم، إذ يقوم العميل بإنشاء حساب على المنصة عن طريق البريد الالكتروني، أو عن طريق رقم الهاتف، ويمكن توثيق الحساب بواسطة وثائق رسمية، مثل الهوية الشخصية، وجواز السفر، وفي المرحلة التي تليها يتم تحويل الدولار إلى عملة USDT وBTC.

يمكن للعميل بعدها الدخول إلى سوق العملات، وشراء أي عملة، لكن يجب أن يتمتع ببعض الخبرة والمعلومات التي قد يستقيها من الأصحاب، أو ممن سبقوه في العمل حتى يختار عملةً مضمونةً، وتدرّ الربح.


يقول الخطيب: "يختار المضاربون العملة المناسبة بعد دراسة مطوّلة لتاريخها، ومراجعة خطها البياني، ومدى قوّة انطلاقها في السوق، عن طريق العرض والطلب، ومن خلال هذه الدراسات يتم اختيار العملة المتوقع ارتفاع سعرها، ويتم شراء العملات، وبيعها، بمجرد ارتفع سعرها، وبذلك تتحقق أول عملية ربح".

يختار المضاربون العملة المناسبة بعد دراسة مطوّلة لتاريخها، ومراجعة خطها البياني، ومدى قوّة انطلاقها في السوق، عن طريق العرض والطلب

لا ينكر الخطيب وجود مخاطر في هذا النوع من التجارة، و"خاصةً إذا لم تكن لدى المستخدم خلفية جيدة عن العملات الرقمية الرائجة التي يمكن أن تحقق الربح، كما أنها من التجارات التي تتساوى فيها نسبة الربح والخسارة، فمن المُمكن أن تربح اليوم وتخسر غداً، لكن تجربة عملة "البيتكوين"، وارتفاع سعرها بشكل كبير، شجّعت الناس على المجازفة والدخول في هذا المجال".

كان أول ظهور للبيتكوين في العام 2007، وفي شباط/ فبراير من العام 2010، حصل أول تداولٍ عالميٍ للعملة، وبدأت منذ ذلك الوقت عملية صعودها، لتشهد خلال الفترة الماضية قفزاتٍ خيالية

وكان أول ظهور للبيتكوين في العام 2007، وفي شباط/ فبراير من العام 2010، حصل أول تداولٍ عالميٍ للعملة، وبدأت منذ ذلك الوقت عملية صعودها، لتشهد خلال الفترة الماضية قفزاتٍ خيالية إذ وصلت قيمة البيتكوين الواحدة إلى ما يُقارب 65 ألف دولار، وهي اليوم توازي نحو 57 ألف دولار. 

وفي حال قرر أحد المضاربين إنهاء أعماله، وسحب أمواله، أو جزء منها، فعليه التوجّه إلى أحد المكاتب المختصة حيث يتم فتح محفظته، وتحويل العملات التي لديه إلى محفظة صاحب المكتب الذي سيقوم بحساب سعرها بحسب السعر اللحظي، ويمنحه ما يعادلها من المال.

يقول سامر (اسم مستعار)، وهو أحد أصحاب المكاتب، لرصيف22: "الأشخاص الذين يتعاملون معي يُعدّون بمثابة زبائن، ولا يمكن أن نسمّيهم شركاء، أو عملاء، لأنهم قادرون على إتمام عملهم بالتعامل مع أي مكتبٍ آخر، إذ تتشابه آلية العمل في مكاتب العملات الرقمية، مع مكاتب الصرافة والحوالات المنشرة في شمال غرب سوريا".

يتقاضى صاحب المكتب عمولةً محددةً على عمليات التحويل، أو الشراء والبيع، وترتفع أو تنخفض حسب سعر العملات الرقمية عالمياً، وتتراوح بين 1 و2%.

يضيف سامر: "العمل في مجال العملات الرقمية يحتاج إلى خبرةٍ، وقد يتعرض البعض لخسائر فادحة بسبب اختيارهم لعملات وهمية ليس لها وجود على المنصات، إذ تتم مثل هذه العمليات ضمن سوق موازٍ على أحد المواقع الإلكترونية، ويتفاجأ المشترك بعد مدة بأن الموقع تم إغلاقه، والعملة كانت وهميةً، وتالياً يخسر رأس ماله كله".



لا يخشى المتداولون على هذه المنصات، من خطورة إغلاق المنصة، وتالياً ضياع أموالهم، لأنهم يرون أن إدارة المنصة مستفيدة من تعاملاتهم وعملهم ضمنها، فهي تتقاضى 4% من قيمة البيع

عبد الله الياسين، شاب يمتلك خبرةً جيدةً في مجال العملات الرقمية، من خلال عمله بها منذ سنة 2018، يقول إنه "لم يكن على درايةٍ كبيرة في هذا المجال في البداية، فكان يخسر تارةً، ويربح تارةً أخرى، لكن ما ساعده على الاستمرار أن المبلغ الذي دخل به سوق العملات كان بسيطاً (50 دولاراً)، الأمر الذي شجّعه على المجازفة والاستمرار ضمن السوق، ما ولّد لديه خبرةً مكّنته مؤخراً من ربح خمسمئة دولار من خلال تجارته بإحدى العملات".

ويرى الياسين أن "هذه المنصات أمّنت للعملاء خدمة التحويل بأجورٍ بسيطةٍ جداً، مقارنةً بأجور التحويل العالمية، إذ يمكن إجراء أي تحويل ضمن المنصة مقابل دولارٍ أمريكي واحد، بغض النظر عن قيمة التحويل، سواء أكانت عشرين دولاراً، أم ألف دولار، إذ يقوم العميل بالتحويل من محفظته إلى محفظة أخرى تملكها إحدى المكاتب، ويقوم صاحب الحوالة باستلامها من المكتب".

لا يرى كثير من السوريين أملاً في أي تحوّل في مسار حياتهم البائس اليوم، لذلك بالنسبة إليهم، العملات الرقمية خشبة خلاص تُساعدهم على البقاء، أو أقلّه يحاولون

وعما إذا كانت هذه العمليات تستوفي شروط الأمان المطلوبة، يقول: "العملية غير مرتبطة بأي وثائق، وهي مبنيّة على الثقة والتعاملات السابقة، كما أن عملية إعادة الأموال عكسياً، أو إيقاف التحويل مستحيلة"، وهو ما رآه آخرون أمراً سلبياً لا يمكن تجاهله في هذا النوع من الأعمال، لأن الخطأ فيه قد يؤدّي إلى فقدان مبلغ التحويل، ناهيك عن عمليات النصب التي قد يقوم بها البعض.

لا يخشى المتداولون على هذه المنصات، من خطورة إغلاق المنصة، وتالياً ضياع أموالهم، لأنهم يرون أن إدارة المنصة مستفيدة من تعاملاتهم وعملهم ضمنها، فهي تتقاضى 4% من قيمة البيع، ومثلها من قيمة الشراء، وعليه فإن ازدياد أعداد المضاربين، وتنافسهم ضمن المنصة، يضاعفان من أرباحها.

الكثير من السوريين اليوم يتجهون إلى التعامل بالعملات الرقمية. أمام المراوحة والوضع السيء الذي يحيط بهم من كُل الجهات، لا يرى كثير منهم أملاً في أي تحوّل في مسار حياتهم البائس اليوم، لذلك بالنسبة إليهم، العملات الرقمية خشبة خلاص تُساعدهم على البقاء، أو أقلّه يحاولون. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard