"عاداتك انسيها، بالبيت خليها"... الفلسطينية هيا زعاترة في محاولةٍ لاختراق القيود

الأربعاء 1 ديسمبر 202106:19 م

"للحدود التي تشكل حيّزي الشخصي والجمعي عدة أشكال وأبعاد، منها حدود عنيفة تقيّد تواصلي الطبيعي مع بيئتي، ومنها قيود اجتماعية فُرضت علي وعلى جسدي، وأخرى اكتسبتها عبر السنين". 

قد تكون الحدود محور ألبوم هيا زعاترة الأول "رهوان"، الذي أطلقت اليوم أولى أغنياته (قالولي) والتي تقول بعض كلماتها:
قالولي ما تمشي عالأرض حافي
قالولي بالبرد البسي دافي
فيقي الصبح، عيشي النهار، من الليل خافي
عاداتك انسيها، بالبيت خليها
عاداتك انسيها (هيا)، بالبيت خليها

يا ليل يا عين
وحدود البلاد قبلوها
وعيون الأولاد خذلوها
وعيوني أنا نسيوها
بس احنا، ما مننسى

"رهوان" هو "اسم عائلة جدّة جدّها التي وُلدت في دمشق وتنقّلت في حياتها، قبل الاحتلال، بينها وبين حيفا والناصرة، في زمن لم يكن بعدُ للحدود معنى". وهيا مغنية وكاتبة أغان ومهندسة معمارية وباحثة فلسطينية. انتشر اسمها أخيراً مع عرض مسلسل "مدرسة الروابي للبنات" على شبكة "نتفليكس" وذيوع أغنيتها "مناكير" التي أصدرتها قبل ثماني سنوات ضمن مشروع "غني عن التعريف". 

تقول هيا في بيان صحافي: "انشغلتُ بفكرة الحركة الجغرافيّة الحرّة ثمّ بمفهوم العبور الذي يعكس هوّة عميقة بين واقع الجدّة وبين واقعي الحاضر. لكن سرعان ما سيأخذني الألبوم- بموضوعاته وصوره التي لم أحدّدها مسبقاً عند اختيار العنوان- إلى روابط جديدة جاءت مع عمليّة الكتابة والتلحين، وإلى رحلات في تاريخ العائلة الشخصي نحو مفهوم العبور الأشمل، الذي يعيش في المستوى الفكريّ والموسيقيّ والجندريّ والجماليّ... ".

وكانت هيا قد أطلقت حملة تمويل جماعي عبر موقع "إنديغوغو"، تنتهي في الثامن من كانون الأول/ديسمبر الجاري لتتمكّن من إتمام العمل على ألبومها الذي انتهت من تسجيله.

يضمّ الألبوم الذي كتبته هيا عقب وفاة جدتها أغانٍي باللهجة الفلسطينيّة، ويجسّد، بحسب قولها، "علائق متينة وأخرى شبحيّة تبنيها الأسئلة، بين الشخصيّ والعام، بين الحبّ والرّغبة والموت والفقدان الذي فتح بابه موت الجدّة، وبين الصّورة الأعمّ التي تتقاطع مع المكان وتاريخه". 

في ما يلي حوار مع هيا بالتزامن مع نشر الأغنية.

ما الذي يعنيه لك إصدار ألبوم بتمويل جماعي "مستقلّ"؟

لطريقة التمويل هذه معانٍ عديدة، فأولاً هي تمنحني الحرية في الإنتاج الفني، وهذا يعني أن الفحوى والموسيقى ليسا خاضعين لرقابة ما أو لسلطة فكرية معيّنة، فبإمكاني التطرق لمواضيع سياسيّة وإجتماعيّة وجندريّة بطريقة حقيقيّة وصريحة، أعبّر من خلالها عن مشاعري وأصوّر واقعي من دون خوف أو قيود.

من ناحية ثانية، التمويل الجماعي ينشىء حالة جمعية فيها سيرورة إنتاج مشترك مع الجمهور والداعمين، ويبني شبكة دعم تعزّز لدي الشعور بالانتماء والثقة بمجتمع قادر على دعم أفراده.


ذكرتِ أن الألبوم أخذك "بثيماته وموضوعاته وصوره إلى روابط جديدة جاءت مع عمليّة الكتابة والتلحين، إلى رحلات من تاريخ العائلة الشخصي نحو مفهوم العبور الأشمل، الذي يعيش في المستوى الفكريّ والموسيقيّ والجندريّ والجماليّ وغيره". هل تحكين أكثر عن هذه الفكرة؟ 

بدأت فكرة الألبوم من الاسم رهوان، وهو اسم عائلة جدّة جدّي نظيرة، التي ولدت بدمشق وعاشت بين حيفا والناصرة (1890-1972). وقد أثارتني فكرة السيولة في الحركة والحرية في العبور، تحديداً لأنها بعيدة عن الواقع الذي أعيشه اليوم.

خلال عملية الكتابة والتلحين، وجدت نفسي أبحث في هذه الفجوة، بين واقعي وواقع الجدّة. فللحدود التي تشكل حيّزي الشخصي والجمعي عدة أشكال وأبعاد، منها حدود عنيفة تقيّد تواصلي الطبيعي مع بيئتي، ومنها قيود اجتماعية فُرضت علي وعلى جسدي، وأخرى اكتسبتها عبر السنين.

ألبوم رهوان هو محاولتي في ترجمة هذه الأفكار الى مساحة موسيقيّة، تحكي عن القيود من دون تجاهلها، وفي الوقت ذاته تخترقها وتسبح بحرية في ما بينها.

"خلال عملية الكتابة والتلحين، وجدت نفسي أبحث في هذه الفجوة، بين واقعي وواقع الجدّة. فللحدود التي تشكل حيّزي الشخصي والجمعي عدة أشكال وأبعاد، منها حدود عنيفة تقيّد تواصلي الطبيعي مع بيئتي، ومنها قيود اجتماعية فُرضت علي وعلى جسدي، وأخرى اكتسبتها عبر السنين"

ما أبرز الاستنتاجات التي رافقتك أثناء عملك على الألبوم؟ وهل تغيّر أي من المفاهيم لديك خلال الإعداد كمفهومك عن الحب والموت والفقدان؟

هنالك نقطة مفصلية حدثت في حياتي قبل الخوض في كتابة الأغاني، هي موت جدّتي باسمة، أقرب الأشخاص إلى قلبي. هذه التجربة قادت توجّهي الفني والحسّي والفكري في الألبوم.

أصبحت سيرورة الكتابة تجربة مواجهة وعلاج ذاتيّ، أتعامل فيها مع مشاعر وأفكار وافرة، جزء منها لم أعبّر عنه من قبل، وآخر بدأت بالتعبير عنه بطريقة أكثر حرية وصراحة.

الفن تحت الاحتلال… هل تعدينه نوعاً من المقاومة؟ أو للتنفيس عن الغضب؟ وهل تشعرين بأن ثمة حملاً عليك لكونك فنانة فلسطينية تعيش الاحتلال؟ هل تشعرين أنه عليك تمثيل شعب؟ الحديث عن واقع الاحتلال بالنيابة عنه مثلاً كون صوتك قد يكون مسموعاً بشكل أكبر.

الفن الذي يتحدى الأنظمة القامعة بشكل عام هو نوع من المقاومة. أما بالنسبة للتنفيس عن الغضب، فأحياناً يلد شعور انتصار وهمي أحاول الابتعاد عنه، ولذلك أفضل أن أحاكي الغضب والألم وأعقد حواراً مستمراً حولهما.

الفن الذي يتحدى الأنظمة القامعة بشكل عام هو نوع من المقاومة. أما بالنسبة للتنفيس عن الغضب، فأحياناً يلد شعور انتصار وهمي أحاول الابتعاد عنه، ولذلك أفضل أن أحاكي الغضب والألم وأعقد حواراً مستمراً حولهما.

نعم، أشعر بهذا الحمل أحياناً، وهذا يتجسد بطرق مختلفة، منها توقعات الناس من خطواتي وقراراتي، والمحدودية في الإمكانات المتاحة والموارد. 

بدون شك لا أمثل شعب بأكمله. يمكنني أن أمثل شرائح معينة، أفراداً ومجموعات تشاركني أجزاء من تجاربي الشخصية تحت الاحتلال. من الطبيعي أن أشعر بمسؤولية عندما أنقل هذه التجارب والقصص والمشاعر للعالم، وهنالك قصص عديدة أخرى يجب أيضاً أن تُسمع، مجموع هذه القصص بإمكانه أن يعبّر عن شعب ويمثله.

متى بدأتِ العمل على الألبوم؟ ومتى من المتوقع إصداره؟ وما العمل الأحب إلى قلبك من الألبوم؟ وأي أغنية منه مفضلة لديك؟

بدأت العمل عليه في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، ومن المتوقّع إصداره في شباط/فبراير 2022. أكثر عمل حسّاس بالنسبة لي في الألبوم، هو أغنية "فتنة وياسمين" (Plumeria) التي كتبتها لجدّتي باسمة بعد وفاتها. ومنها هذه الجملة: "اليوم الهدايا دموع الزوّار، وأنا بستناكِ ععتبة الدار".

 كيف كانت بدايتك في الكتابة؟ وهل تعتبرينها نقطة قوة؟

صراحةً لم أكن واعية لهذه النقطة من قبل، لذا لا أعرف هل كانت نقطة قوة أم مجرّد توجه معيّن لا يفصل بين الموسيقى والكلام وطريقة إطلاقه (الغناء والعزف في هذه الحالة). ببساطة هذه محاولاتي في أن أعبر عن ذاتي وعن روحي بأكثر طريقة حقيقية وصريحة أعرفها، والنتيجة هي أغنية.


بعيداً عن الألبوم قليلاً، انتشرت أغنية "مناكير" بشكل واسع عقب عرض مسلسل "مدرسة الروابي للبنات" على شبكة "نتفليكس". هل شكّل هذا الأمر دافعاً لك؟ وكيف كانت ردة فعلك عند انتشارها مجدداً على هذا النحو؟

رغم أنني كنت أعرف أن أغنية "مناكير" ستستخدم في المسلسل، لم أتوقع هذا الانتشار، تحديداً لأن الأغنية أُطلقت قبل أكثر من ثمانية أعوام كجزء من مشروع "غنيٌ عن التعريف" لجمعية القوس. 

هذا الانتشار بعد ثماني سنوات وحب الناس للأغنية أشعراني بأن الواقع قابل لأن يتغيّر، وأن هنالك قابلية تتشكّل لدى منصات وأشخاص ومجموعات بهدف استيعاب فحوى وقضايا مختلفة كانت مغيّبة في السابق. 

أنا شاكرة جداً لطاقم المسلسل، فهذا الأمر حصل بالتزامن مع بداية تسجيل الألبوم، وكان له دور كبير في تشجيعي على أن أستمر في الإنتاج وأثق بحدسي.

"رغم أنني كنت أعرف أن أغنية 'مناكير' ستستخدم في مسلسل 'مدرسة الروابي للبنات'، لم أتوقع هذا الانتشار، تحديداً لأن الأغنية أُطلقت قبل أكثر من ثمانية أعوام. هذا الانتشار أشعرني بأن الواقع قابل لأن يتغيّر"

من هم ملهماتك والملهمون؟

تركيبة الحالة البشرية هي التي تلهمني، وهي تتجسد في مواقف وعلاقات مررت بها، مع أشخاص قريبين، أو فنانات تعجبني أعمالهن. أحب أغاني جوني ميتشل، ونصوص أسماء عزايزة ولوحات الفنانة اللبنانية فاطمة مرتضى.

لمن لم يكتشف هيا بعد، ويتعرف عليها، كيف تعرفين عن نفسك وعن اهتماماتك أو ماذا تحبين؟

أنا مغنيّة وكاتبة أغانٍ ومهندسة معماريّة وباحثة. شغوفة بالأكل والحب والموسيقى. وأهتم بصناعة أماكن ومساحات آمنة، ملموسة أو حسيّة، مع الأشخاص التي تزورها حيّز من الانتماء والتفهّم والاحتواء.

*يشارك هيا زعاترة في الألبوم عزفاً: نزار مطر (بيانو وكيبورد)، هند سبانخ (ترامبيت)، باسم صفدي (باص)، جميل مطر (درامز). وشاركتها في أداء إحدى الأغاني نبيلة أبو شقارة، ونائلة لبّس، وعبير أبو سنة، وهويدا نمر زعاترة، ورافقهن كيفورك استيفانيان إيقاعاً، وسُجلت الأغنية في "حاكورة" جدّتها وجدّها في الناصرة. تمّ تسجيل الألبوم في أستديو 67 في الجولان لدى الفنان بشر كنج الذي شارك في إنتاج الألبوم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard