لماذا لم تعُد السُلطة تتوجّس من الكتابة الأدبيّة العربيّة؟

الثلاثاء 30 نوفمبر 202104:07 م

لم تكُن يوماً الكتل الجماهيرية داخل المجتمعات العربيّة بمنأى عن المنجز الأدبي العربي، بل أكاد أجزم أن هذه الجماهير قد لعب الأدب دوراً بارزاً في تنقية وجدانها الشخصي وشحذ مخيلتها للدفاع سياسياً واجتماعياً عن حقوقها المسلوبة تجاه ديكتاتوريات قمعية وعن أوطانٍ على أهبة الرحيل. ففي مرحلة الربيع العربي ظهرت الكتابة الأدبية العربية وقد تخلّصت من الذات ورومنسيتها الكاذبة والتحمت واقعياً مع قضايا الإنسان العربي والثورة على مختلف أشكال السلطة القمعية وجبروتها في حقّ الناس؛ فكانت بعض النصوص الشعرية بمثابة صرخة تخرج من رحم المعاناة اليومية لحظة الاشتباك جماهيرياً مع السلطة. بل إننا نجد العديد من الكتابات قد أعادت تدوير المتن الشعري العربي إبان السبعينيات كمحاولة لاستلهام لغة المرحلة ومجازات صورها بغية خلق شروطٍ إبداعية حقيقية من أجل توطيد علاقة الكاتب بالكُتل الجماهيرية ووقائعها اليوميّة.

وعلى الرغم من الطابع الأيديولوجي الذي انغمست فيه بعض التجارب الأدبيّة، فإنها حرصت إلى حد بعيد على إزعاج السلطة ومكبوتها وتفجير الواقع جمالياً على شكل كتابة تتأرجح قوالبها بين الشعر والسرد بطريقة تلقائياً جعلتها تتخلص من الكتابات السبعينية المضمرة في ذاتها، بحكم اختلاف المرحلتين وتباين ميزان القوى وحجم التواطؤات مع السلطة.

لكن ما يجعل هذه الكتابات الأدبيّة في الآونة الأخيرة هشة ومصابة باستسهال تخييلي، هو أنها انغمست في قوقعة الذات لدرجة جعلتها تنسى الواقع العيني المباشر الذي تنتمي إليه فيزيقياً وما شهده من أعطاب ومآزق.

هنا تغدو الكتابة ضرباً من اليوتوبيا لأنّها شُيدت على إفراط في الخيال لدرجة يجعلها منفصمة ومتناقضة مع ذاتها وما يفعل به واقعها العربي سياسياً واجتماعياً، إذ لم تعد الروايات داخل العالم العربي تزعج السلطة، في وقتٍ أضحى يفكّر فيه الروائيّيون بقيمة الجائزة ولجانها قبل كتابة رواياتهم، وفي مرحلة نشهد فيها انهياراً كبيراً لمجمل القيم والمَواقف والرؤى الغرامشية التي أسّست مسار وعي الأدب العربي الحديث.

في مرحلة الربيع العربي ظهرت الكتابة الأدبية العربية وقد تخلّصت من الذات ورومنسيتها الكاذبة والتحمت واقعياً مع قضايا الإنسان العربي والثورة على مختلف أشكال السلطة القمعية وجبروتها في حقّ الناس

عن سر هذه العلاقة وملامحها وطرق تبلورها داخل نسيج الكتابة الأدبية بالعالم العربي، التقينا نخبة من الكتاب العرب لتفكيك أواصر هذه العلاقة على ضوء ما تشهده الساحة الثقافية اليوم.

ناتالي الخوري غريب (روائية وأكاديمية لبنانية):

الأدب محاولة انتفاض على واقع يصعب العيش فيه

إذا نظرنا إلى الكتابة الأدبية بوصفها محاولة لجعل العالم فضاء نبحث فيه عن إمكانات عيش حريتنا وقيمنا وإنسانيتنا، في واقع يصادر حرية الإنسان ويؤسس لأحاديّة تسلطية ينتج عنها شعور بالقهر والتعسف والظلم، نجيب حينذاك عن السؤال بأهمية دور الكتابة الادبية في تعرية واقع السلطة وتأزيم ديكتاتورياتها القمعية داخل العالم العربي. كيف؟ وما هو مداها؟

هنا نتساءل عن الهامش الذي يسمح به التخييل للكتاب أو اللعبة الفنية في ممارسة التقية حفاظاً على حياتهم. فإذا كان ابن المقفّع قديماً قد وجد أسلوباً رمزياً في الالتفاف على الرقابة ليوصل خطابه في تعرية السلطة سياسياً وأخلاقياً، وإذا كان الماغوط حديثاً وجد أسلوبه الساخر الذي يمشي على الحواف في انتقاد السلطة وتعريتها، نرى أن استخدام المجاز حديثاً بصوره المفككة احياناً، تحيل إلى عالم يوقع القراء في التباس بين المرجعي الواقعي والتخييل، ما يعفي الكتاب من المواجهة مع السلطة، وتالياً المساءلة. أما إذا كانوا خارج البلاد، فتلك قضية أخرى.

يحيلنا ما سبق إلى مشروعية التساؤل عن جدوى الكتابة في الأدب السياسي المباشر، وبخاصة إذا كان زمن الكتابة هو زمن الحدث. هل يضعنا ذلك أمام أدب تأريخي مرجعي لجيل لاحق -يحيل إلى مواجهة الأنظمة الديكتاتورية، التي ستمنع نشره في ربوعها وتحاكم كتّابه ليكونوا عبرة للآخرين من الكتّاب؟! وبخاصة أن ظاهرة الكتب التي يمنع نشرها لافتة وتؤشر إلى استبداد واضح ولكن بمبررات كثيرة.

ربما تكمن أهمية الكتابة الأدبية في تعرية السلطة واستبدادها عن شعور الكتّاب ومن يمثلهم من قراء كثر يشاركونهم زاوية النظر الخاصة بهم، لكن في ظل الانقسام الحاد الذي تعيشه البلدان العربية وخاصة في ثورات الربيع، بين مؤيدين ومعارضين، بين تبجيل الدكتاتور والاستبداد وتبجيل الثورة، جاءت الكتابة الأدبية، روايةً وشعراً ومسرحاً وقصة، تأويلاً تاريخياً خاصاً بالكتّاب والكاتبات، كيف رأى/ت وعاش/ت كلٌّ منهم/ن ثورات الربيع العربي وكيف رأى/ت إلى السلطة كمخلص من الفوضى وعبث الآخرين على أرضهم/ن أو العكس!

الأدب محاولة انتفاض على واقع يصعب العيش فيه؛ رفض لشعور الإنسان بالتسليع ومحاولة استرداد شعوره بقيمته الفردية وليس عدداً. وبما أن الشعب الواحد منقسم على نفسه في خياراته المتعددة، كما في لبنان، سنجد دائماً كتابات أدبية تمجّد الزعماء في السلطة وكتابات تثور عليهم. وما يعزّينا في لبنان أن الأديب ما زال حرّاً يكتب رؤيته وتأويله بلا تقيّة!

مراد الخطيبي (كاتب ومترجم مغربي):

يمكن اعتبار الرواية ترجمة حقيقية لواقع السلطة بالمغرب

لا شك أن الكتابة الأدبية بإمكانها أن تمثل شكلاً من أشكال النضال ضد القهر والاستبداد، وأن تكون صوتاً حراً يفضح فساد السلطة وقمعها، وأن تكون لساناً يلسع بنارها الإبداعية كل الديكتاتوريات التي تهضم حقوق الفرد والجماعات والشعوب.

نذكر في هذا السياق، تجربة الكاتب الروائي عبد الرحمن منيف. ففي روايته "شرق المتوسط"،عمد الكاتب إلى فضح الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة العربية وشرق المتوسط والتي تمارس التعذيب بوحشية وعنف في سجونها في حق مواطنين لا يملكون حق الدفاع عن أنفسهم. هذه الرواية الأدبية كانت ورقة كاشفة لموضوع التعذيب في السجون العربية المكرسة لمبدأ العنف والقهر وإسكات الرأي الآخر المخالف.

لم تعد الروايات داخل العالم العربي تزعج السلطة، في وقت أضحى يفكّر فيه الروائيّيون بقيمة الجائزة ولجانها قبل كتابة رواياتهم

لذلك، فللكتابة الأدبية سلطتها هي أيضاً. وحتى إن كانت رمزية في المقام الأول، إلا أن بإمكانها تعرية وكشف الوجه القبيح والخفي للأنظمة الديكتاتورية والقمعية وبإمكانها مسائلة جرائم السلطة من خلال الكلمات والحوارات واللغة بشكل عام.

أتذكر أيضا رواية "مزرعة الحيوانات Animal farm" للكاتب جورج أورويل التي تناولت بسخرية شديدة وذكية انتفاض مجموعة من الحيوانات ضد صاحب المزرعة. وقد وظفت تقنية السخرية هذه من أجل فضح الأنظمة الديكتاتورية والقمعية والاستبدادية التي تستغل الفرد والجماعة بشكل قاسٍ جداً. وتعتبر هذه الرواية من أهم الروايات التي قامت بانتقاد الوجه القبيح للأنظمة الاستبدادية.

وهناك رواية أخرى يمكن اعتبارها عملاً أدبياً ساهم في تعرية وفضح واقع السلطة وهي رواية "ثلاثية الرباط" للكاتب المغربي عبد الكبير الخطيبي، التي ترجمها من الفرنسية إلى العربية المترجم والباحث فريد الزاهي.

ويمكن اعتبار الرواية ترجمة حقيقية لواقع السلطة بالمغرب. وقد اتخذت الرواية مدينة الرباط، باعتبارها العاصمة الإدارية للمغرب كفضاء رئيسي لكل شخوصها وأحداثها من أجل تفكيك أقنعة السلطة التي تتركز حول ثلاثية الجنس والسلطة والمال. كما تدق الرواية ناقوس الخطر حول الوضع الكارثي للعمل السياسي الذي أصبح وسيلةً للاسترزاق والكسب والوصول إلى أعلى المراتب في هرم السلطة على حساب الشعب. في حين أن العمل السياسي الحقيقي يجب أن يدفع في اتجاه التأطير والوقوف إلى جانب المجتمع. الفساد الإداري أيضاً عنصر رئيسي في الرواية وما يتخلله من شراء للذمم والرشوة والمحسوبية والكسب غير المشروع والوصول إلى المناصب الإدارية بطرق بعيدة كل البعد عن مبدأ الكفاءة والاستحقاق.

صفاء سالم إسكندر (شاعر عراقي):

وظيفة المثقف مرتبطة بإزعاج السلطات

لا يخلق الأدب عالماً آخر إذا كان الوعي غائباً؛ فالشعوب التي ما زالت تعتقد بتقديس ما هو غير مقدس، ولا تعرف التقرب إلى السماء بشكل صحيح، ولا ترتاب لحضور رجل الدين أياً كان هذا الشخص، فلا أمل يرجى من هذه الشعوب التي هي في ذات الوقت لم يغادرها مفهوم العبودية، ربما بصورة أخرى، وهذا الذي يبعدنا عن التعرية؛ أي أن اشتغال الكتّاب وأهل الأدب يذهب سدى، لكن هذا لا يمنعهم من تعرية تلك الحكومات، فوظيفة المثقفين مرتبطة بإزعاج السلطات، حسب قول فوكو، والذي لا يريد أن يكون في خانة المثقف الخائن بالتأكيد سوف لن يتنازل عن مبادئه.

بشكل ما يصنع العرب الديكتاتور، الذي سيجيء ويظل محافظاً على غياب وعيهم من خلال نقطة مهمة وأساسية هي إهمال التعليم بشكل أقرب لمحوه، واعتماد المسائل الدينية والمؤامرات لتبرير الأفعال والفشل.

وظيفة المثقفين مرتبطة بإزعاج السلطات، حسب قول فوكو، والذي لا يريد أن يكون في خانة المثقف الخائن بالتأكيد سوف لن يتنازل عن مبادئه

من سيهتم اليوم، إذا ما قُتل أحد بلا سبب من قبل السلطات وإن كان لا يأخذ صداه أكثر من أيام معدودة، وخير دليل هو المظاهرات العراقية الأخيرة. وإلا بماذا نفسر سكوت شعب كامل يصل تعداده إلى 40 مليوناً، والمبررات التي يطلقها الشعب في تبرير الدم، تغني القاتل في الدفاع عن نفسه. ربما سأقول: إننا في خانة المثقف الخائن، وثمة من يعترض قائلاً: إذا كنت أدافع عن مجتمع يريد قتلي، فما الغاية من دفاعي عنه؟ التبريرات والحجج، تأخذ إلى مناطق تبين العلاقة بين المثقف والشعب. سيبقى الأدب وثيقة مهمة في كشف حاضر الأيام وماضيها، أم عن دوره في التغيير فمردّ ذلك مرتبط بوعي الشعوب.

هدى الهرمي (كاتبة تونسية):

سلطة الأدب في معياره الخيالي

الدور الذي يضطلع به الأدب غالباٌ، هو ارتباطه بالهم الإنساني، بل يشمل أيضاً وظيفة تشكيل المعرفة وخلق الوعي. ولطالما كان للكتابة الأدبية بكل أجناسها أهمية بالغة في تعرية الواقع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالمجتمع الذي ينحدر منه الكاتب، فيتحول الأدب كفعل تقصٍّ للحقيقة ومقاومة ضد مظاهر الاستبداد والقمع.

لكن سلطة الأدب في معياره الخيالي، يصعب السيطرة عليه بانحيازه إلى الإشارات والرموز والمراوغة، من أجل توليد المتعة الفنية في ظاهره. لكن يظل النص الإبداعي ذا تأثير قوي في تشكيل قناعات عامة وتأثير على وعي الامة، ممّا يٌكسبه أهمية قصوى في تحرير الإنسان ككل.

وهذا التوجه لم يغفل عنه الكتاب العرب بوصفهم مثقفين وأنصاراً للحرية والعدالة من حيث المبدأ، رغم العواقب الكثيرة، وبغضّ النظر عن بعض الكٌتاب الذين يوزعون ولائهم للأنظمة القمعية.

وبحسب آراء المختصين، يٌولّد القهر خصوبة الإبداع الأدبي والقرب من المتلقين، وهو ما يتجلّى من خلال العديد من المحاولات لأدباء في العالم العربي باختلاف مشاربهم، ارتبطت كتاباتهم بتسليط الضوء على هموم المواطن العربي وتعرية الممارسات القمعية ومجابهة الاستبداد، مثل محمد الماغوط وعبد الرحمان منيف وأدونيس وأحمد مطر وهدى بركات وغيرهم.

لكنني أعتقد أن دور الكتابة الأدبية في مواجهة الديكتاتورية، بقي حصرياً وغير جريء بما فيه الكفاية، بسبب الرقابة او التجريم؛ فالقيود التي تفرض على الحريات عامة تطال حرية التعبير عن الرأي بصفة أوليّة. ونماذج الأدب الديستوبي أو الواقع المرير، ظلت محتشمة في عالمنا العربي مقارنة بالغرب، بسبب المخاوف من الاعتقال والتعرض للحظر والمنع.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه: إلى متى ستظل المواربة في الأدب العربي لرفض الظلم والقمع، وبكل أشكاله من قصة وشعر ورواية وغير ذلك؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard