دكتور سماح إدريس العزيز... إلى حيث لا وجع ولا حزن

السبت 27 نوفمبر 202101:01 م

من آخر العالم، من منفاي الأبيض هذا، أنظر من النافذة وأفكر: ترى، هل تعبر الأرواح التي تركت أجسادها من هنا قبل أن تصل إلى مثواها الأخير؟ هل تأتي أرواح من نحبهم وتركناهم في أوطاننا لتطوف بنا قبل أن تتناثر في أرجاء لا نعرف عنها شيئاً؟ أفكر بهذا لأنني أشعر بروحك الآن تطوف حولي، أرى عينيك وابتسامتك التي لطالما دعمَت الأطفال والناشئة والشباب.

تقف صامتاً وبعيداً مثل ظلّ له ملامح، تنظر وتبتسم.

كيف لي ولكل من عرفك، يا دكتور سماح العزيز، أن نصدق أنك لن تردّ على رسائلنا بكلماتك اللطيفة وتعليقاتك المازحة؟

هل تأتي أرواح من نحبهم وتركناهم في أوطاننا لتطوف بنا قبل أن تتناثر في أرجاء لا نعرف عنها شيئاً؟

كيف للآداب أن تكمل دونك. كيف للغة أن تستقيم دون تصويباتك الطريفة لأخطائها الشائعة. أشعر بالصغر وأنا أكتب عن رحيلك، وهل يرحل من يمتلك قلباً لم تهدأ نار حبه لفلسطين يوماً؟

بين بيروت ودمشق التقينا مرات عدة، كنت محرك الأمل في نفوسنا الشابة التي نهلت من علمك والتزامك بالتفاني في خدمة القضية.

لم نكن على تواصل دائم، ولكني كنت كلما أحتاجك أجدك.

كم غبطتُني حين توّجتَ جهدي في دراسة شعر نزيه أبو عفش بإدارة ندوة نقدية حول دراستي المنشورة خلال فعاليات معرض بيروت للكتاب. كم كنتُ فخورة حين لبّيت طلبي بأن ترسل رسالة ترشيح إلى إحدى الجامعات العربية لأتابع دراسة الدكتوراه فيها. عشت الثقافة مسلكاً نبيلاً بعيداً عن كل استغلال وكل منفعة.

دخلت اليوم إلى صندوق بريدي الإلكتروني المهجور منذ سنوات على هوت ميل لأنبش رسائلنا القديمة.

قرأت رسائل تلك الفتاة التي لم تتجاوز الثانية والعشرين وردودك عليها. كتبتُ لك في إحدى الرسائل عام 2006:

"كما أن جورج حبش بالنسبة إليك هو رمز فلسطين، أنت بالنسبة إلي رمز لبنان".

تاريخ طويل من الود يا دكتور سماح العزيز يركد في روحي.

بعد أن سمعت خبر رحيلك، أعدت قراءة افتتاحيتك التي بكيتَ فيها الأب الدكتور سهيل إدريس عام 2008، والتي تكاد أن تكون إنجيل وداع فيه الكثير مما بإمكاني أن أسقطه على حالة فقدي لك الآن، ابتداء من العنوان: "بابا الدكتور سهيل إدريس"، حيث قلتَ إنك لم تعرفه يوماً إلا الدكتور سهيل وأنا كذلك لم أخاطبك يوماً إلا بدكتور سماح، مرفقة إياها بصفة العزيز بالضرورة. أما بقية الأشياء التي يمكنني إسقاطها فهي من القسوة ما لا طاقة لي بالإفصاح عنه.

رأى طفلاي، جنى وجول دموعي، فركضا يسألانني لماذا أبكي، فأخبرتهم أنك رحلت، كاتب "قصة الكوسا" الظريف تركنا.

حزنت جنى حين رأت دموعنا، زوجي بهيج وأنا، وقالت: ولماذا لم تكلماني عنه قبل اليوم طالما أنكما تحبّانه هكذا، أنا فقط أعرف أنه كاتب "قصة الكوسا" و"الكلّ مشغول" لكني لا أعرف عنه أكثر.

لا تقلق، سأكلم جنى وجول عنك أكثر، سأخبرهم عن إنسان قضى حياته مخلصاً لأمّة وللغة، إنسان عظيم ولد من والدين عظيمين. وسيأتي يوم قريب أضمّ فيه قلب أمّنا عايدة، وأعود لأجلس مع رنا ورائدة في جناح "الآداب" في أحد معارض الكتب لنحكي عنك ونبكي.

صفحةُ عمرٍ تطوى برحيلك... دكتور سماح إدريس العزيز إلى حيث لا وجع ولا حزن 

هي ذي صفحةُ عمرٍ تطوى برحيلك، عمر اللهث خلف أعداد الآداب لقراءة افتتاحياتك، وجريدة الأخبار للنهل من جمال مقالاتك. بات ذلك كلّه من الماضي البعيد .

أنظر إلى المرآة يا دكتور سماح وأرى شيبي أكثر، لم أعد تلك الفتاة التي ترسل لك مادة وتنتظر بقلق تأنيباتك الودودة على تنسيق خاطئ، أو خطأ شائع.

لقد بلغت منتصف العمر وها ملائكة ماضيّ يعودون إلى مقرّهم البديهي، أحضان من يحبّون.

لك حيث أنت الآن حضن أبيك الدكتور سهيل والدك، وحضن أبيك بالروح والانتماء د. جورج حبش. فلتنعم يا عزيزي في حضنيهما حيث لا وجع ولا حزن، واترك لنا نواح الروح فيما تبقى لنا من حياة على أرضنا التي يشكّل الحزن طبقاتها.  

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard