"أنا أُحبّ الحياة، ولكن"... قليل من معاناة مرضى سرطان الثدي في إدلب

الجمعة 26 نوفمبر 202110:53 ص

تقف روعة المحمد على حافة الطريق، بالقرب من المخيم الذي تعيش فيه في ريف إدلب، في انتظار سيارة توصلها إلى كاراج الحافلات، لتستطيع الوصول إلى إحدى الصيدليات المجانية في مدينة إدلب. هي تبحث عن دواء لسرطان الثدي الذي تعاني منه. دواء لا تستطيع شراءه، ولا قدرة لها في أحيانٍ كثيرة على التنقل، أو دفع كلفة سيارة الأجرة، لتصل إلى حيث تحصل على علاجها مجّاناً.

اكتشفت روعة مرضها بسرطان الثدي في وقت متأخر، كحال كثيرات في سوريا عموماً، وفي مناطق المعارضة المنكوبة خصوصاً. لم تنفع محاولات الأطباء المتعددة في السيطرة على المرض، أو إيقاف انتشاره في أنحاء جسدها، على الرغم من حصولها على جلسات كيميائية، وإجرائها عملية استئصال الثدي. تأخّرت كثيراً، فهي المنشغلة في هموم حياة من حولها، والمتأخرة كثيراً عن هموم حياتها.

أنا أحب الحياة، ولكن لم تعد في اليد حيلة. لقد استسلمت لمرضي، ولم يعد بمقدوري سوى انتظار مصيري، فحالتي لم تعد تنفع معها إلا الجرعات الشعاعية، ولكنها للأسف غير متوفرة في منطقتنا

روعة التي تعاني من ألم النزوح، والغربة، والفقر، والمرض، وانعدام العلاج، استنفذت كل الحلول المُتاحة للتعافي، أو بالأحرى فاتتها الفرصة، ولم يبقَ أمامها سوى التمسّك بالأمل الضئيل كما تروي. وروعة نزحت أولاً من مدينة حمص، إلى معرّة النعمان في جنوب إدلب، ومنها إلى مخيمات أطمة على الحدود السورية التركية. وخلال ترحالها، دفعت كُل ما كانت تملك، لتبحث عن الهرب إلى الحياة.

لم يعد في حوزة روعة سوى الخيمة التي تعيش فيها مع عائلتها، وزوجها وأطفالها الأربعة. تقول لرصيف22: "أنا أحب الحياة، ولكن لم تعد في اليد حيلة. لقد استسلمت لمرضي، ولم يعد بمقدوري سوى انتظار مصيري، فحالتي لم تعد تنفع معها إلا الجرعات الشعاعية، ولكنها للأسف غير متوفرة في منطقتنا، وعليّ الذهاب إلى تركيا للعلاج، وهذا ما ليس بإمكاني، أو بإمكان أسرتي تحمّل تكاليفه".

رأت مريضات سرطان الثدي في شمال غرب سوريا، بصيص نورٍ في رحلة العلاج الطويلة، ومعاناتهن المستمرة، بعد افتتاح الجمعية الطبية السورية الأمريكية "سامز"، مركز معالجة أمراض السرطان في مدينة إدلب

في عام 2018، رأت مريضات سرطان الثدي في شمال غرب سوريا، بصيص نورٍ في رحلة العلاج الطويلة، ومعاناتهن المستمرة، بعد افتتاح الجمعية الطبية السورية الأمريكية "سامز"، مركز معالجة أمراض السرطان في مدينة إدلب.

ويُعدّ المركز، الوحيد في شمال غرب سوريا الذي يقدّم خدمات الكشف المبكر، والجرعات الكيميائية للمريضات، ويراجع المركز شهرياً نحو ألف مريض يتلقّون شهرياً ما يُقارب 500 جرعة كيميائية، 75% من قيمتها مجاني، والبقية يدفعه المريض حسب الطبيب أيهم جمو، رئيس قسم الأورام في مستشفى "إدلب المركزي"، والمشرف في مركز "سامز" المختص بالأورام، والذي يشير أيضاً إلى أن "المركز يعاني من عدم توفر العلاج المجاني لكافة حالات مرضى السرطان، بالإضافة إلى عدم توفر العلاجات النوعية، كالعلاج الشعاعي، والعلاج المناعي".

سحر شابة تقيم في أحد مخيمات مدينة أطمة، على الحدود السورية التركية، وفي أحد الأيام حضرت جلسة توعية أقامها فريق نسائي من الدفاع المدني السوري في المخيم الذي تعيش فيه. تعلّمت فيها طريقة الفحص الذاتي، للكشف المبكر على سرطان الثدي. عند عودتها إلى البيت، قامت بتطبيق ما تعلّمته في جلسة التوعية، لتلاحظ ظهور كتلة غريبة، ما جعلها تتواصل مع فريق الدفاع المدني الذي وجهها إلى مركز علاج الأورام في مدينة إدلب. وبعد زيارة المركز، وإجراء الفحوصات والتحاليل اللازمة، تبيّن أن هذه الكتلة ما هي إلا ورم سرطاني!

 تتحدث سحر، وتستذكر ما مرّت به، وتبكي، وتقول إنها دموع فرح، لنجاحها في تخطي المرض، ودموع حزن لأنها ترى من حولها نساءً كثيراتٍ لم يُسعفهنّ الحظ. استطاع المرض التغلّب عليهن

تفاجأت سحر. هي لم تكن تعاني من أي ألم أو أعراض. سريعاً بدأت برحلة العلاج في مركز "سامز"، وتلقت جرعات كيميائية، ثُم أجرت عمليةً جراحيةً استأصلت من خلالها الورم. حالفها الحظ، واكتشفت مرضها في مرحلة مبكرة. الحظ نفسه الذي لم يقف مع روعة، إلى الآن. تتحدث سحر، وتستذكر ما مرّت به، وتبكي، وتقول إنها دموع فرح، لنجاحها في تخطي المرض، ودموع حزن لأنها ترى من حولها نساءً كثيراتٍ لم يُسعفهنّ الحظ. نساء التقت بهن في مركز العلاج، ولكن المرض استطاع التغلّب عليهن، وتروي سحر وهي تُذكّر بأنها آتية من مخيم، حيث لا مكان أحياناً للحصول على الطعام، فكيف العلاج؟

قصة سحر، وروايات العديد من النساء حول معاناتهن مع سرطان الثدي، كانت أحد دوافع مؤسسة الدفاع المدني السوري، لإطلاق حملة "لا تؤجليها"، للكشف المبكر عن سرطان الثدي، والتي تهدف إلى توعية النساء في شمال غرب سوريا بالمرض، وانتشاره بين اليافعات، إذ قدّمت متطوعات الدفاع المدني جلسات توعية للنساء حول أهمية الكشف المبكر لمرضى السرطان، وتلقينهن طريقة الفحص الذاتي، بالإضافة إلى معلومات عامة عن أعراض المرض، وماذا يتوجب عليهن فعله عند اكتشاف أي عارض غير طبيعي، مع تزويدهن بخريطة خدمات لمعرفة الأماكن التي يجب التوجه إليها في حال اكتشاف الأعراض، إذ يساعد التشخيص والكشف المبكرين في ارتفاع معدلات الشفاء.

روايات العديد من النساء حول معاناتهن مع سرطان الثدي، كانت أحد دوافع مؤسسة الدفاع المدني السوري، لإطلاق حملة "لا تؤجليها"، للكشف المبكر عن سرطان الثدي، والتي تهدف إلى توعية النساء في شمال غرب سوريا بالمرض

وقالت منسّقة برنامج التوعية في الدفاع المدني السوري، رندا الصغير، لرصيف22: "لم تكن حملة "لا تؤجليها" نمطيةً، إنما كانت رسالةً لنساء العالم كلهن، بأننا كمتطوعات في الدفاع المدني السوري، متضامنات مع نساء العالم في الصحة والمرض".

وأكدت أن "أبرز ما يميّز هذه الحملة، أنها حملة موجّهة إلى المرأة، ومن خلالها، أي أنها حملة تنهي الإحراج حول موضوع سرطان الثدي، وكذلك كانت للحملة رمزية لطيفة، لُخّصت في شريط وردي على الياقة، وضعته المتطوعات اللواتي قدّمن الجلسة كرمز للتضامن والتعاطف مع جميع مرضى سرطان الثدي في العالم".

تعيش نساء إدلب ظروفاً مغايرةً لنساء العالم كلهن، وتحديداً في السنوات الأخيرة. لا شيء كما اعتدن أن يكون في السابق. فعل التهجير معهن ما لا يُمكن تصوّره. تغيّرت البيئات والعادات، وحوّلت الحرب قسماً كبيراً من الرجال إلى جنود لا يعرفون سوى القتال في كل شيء. صارت النسوة عرضةً لأنواع الظلم كلها، من داخل البيت، وخارجه.

سارة، العشرينية، هي إحدى النساء اللواتي لا يعرفن من أين تأتيهن المصائب. مُنذ نحو سنتين، لاحظت ظهور كتلة في ثديها تبيّن بعد التحليل أنها ورم سرطاني. وعلى الرغم من إجرائها عملية استئصال للكتلة، إلا أنها عادت للانتشار في أماكن أخرى من جسدها، بعد مدة بسيطة من الجراحة. لجأت بعدها إلى العلاج الكيميائي، لتبدأ بمعاناة أخرى.

بدأ جسد سارة يخونها. تعب وألم، وعلاج بعد علاج. سقط شعرها بعد جلسات عدة. لم يُعجب ذلك زوجها. رآها مُتعبةً، فقرّر أولاً أن يرسلها خارج البيت، ثُم ما لبث أن طلّقها. تتحدث، وهي المثقلة بأنواع الأسى كلها. لم ينفعها العلاج الكيمائي. أخبرها الحكيم المُشرف عليها بأن علاج حالتها الوحيد، هو الجرعات الشعاعية غير الموجودة في إدلب.

بدأ جسد سارة يخونها. تعب وألم، وعلاج بعد علاج. سقط شعرها بعد جلسات عدة. لم يُعجب ذلك زوجها. رآها مُتعبةً، فقرّر أولاً أن يرسلها خارج البيت، ثُم ما لبث أن طلّقها. تتحدث، وهي المثقلة بأنواع الأسى كلها.

كان عليها أن تذهب إلى تركيا، لتحصل على العلاج، ولكنها لم تفعل. فسارة لديها أولادها، وعليها أن تعتني بهم. لا أقارب لديها هناك، ليساعدوها. وسارة، لا تستطيع تحمل تكاليف الرحلة، ولا العلاج. قررت أن تبقى في إدلب، وتنتظر مصيرها. هي تُدرك أن العلاج صار لتخفيف الألم. تنتظر، وليس عندها خيار آخر، كحال نساء كثيرات في منطقة غرقت في أشكال الخوف والظلم كلها.

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن أقل "من 15% من البلدان المنخفضة الدخل، ومتوسطته، تقدّم خدماتٍ شاملةً لعلاج السرطان، من خلال أنظمتها الصحية العامة، مقارنةً بأكثر من 90% من نظرائها الأكثر ثراءً"، ولكن الحال في سوريا هو الأسوأ، بسبب هشاشة النظام الطبي فيها، كونه على وشك الانهيار بسبب فيروس كورونا المستجد، والحرب.

لمرضى سرطان الثدي في شمال غرب سوريا حكايات كثيرة. معاناةٌ، وتعبٌ، وقهر. مركز وحيد للعلاج لا يستطيع أن يغطّي الحالات كلها. نساء يُخبرن بأنهن يُحاولن الخلاص، ويُردن ذلك، ولكن الواقع يعاندهن، فهن تحديداً، يُدركن أن الحرب التي عاشوها في سوريا، تأتي معها، وإلى جانبها، معارك كثيرة يخضنها، على أمل النجاة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard