"الناجع قمرة"... بدوٌ رُحَّل تونسيون يحرسون قطعانهم ويعيشون تحت القمر

الخميس 25 نوفمبر 202105:26 م

يصلون النهار بالليل في رعاية الأغنام، والأبقار، والماعز، والإبل، ويتناوبون على النوم لحراستها من السرقة، ويهجرون ديارهم الأصلية التي عادة ما تكون في ولايات الساحل، والوسط، بحثاً عن أماكن يتوفر فيها العشب والعلف لقطعانهم، ويُعرَفون في تونس بمصطلح "الناجع قمرة".

سقفهم السماء

يتّخذون من الأرض فراشاً، ومن السماء لحافاً، ومن القمر والكواكب فوانيس تضيء عتمة الليل المحيط بهم. في كل يوم شعارهم التنقّل. رحّالة لا يعرفون للاستقرار سبيلاً، ولا عنواناً. خيامهم هي ديارهم مذ فتحوا أعينهم، ومواشيهم هي ثروتهم كلها. وعلى الرغم من ذلك، فهم محرومون من حياة الرفاهة طواعيةً، ويختارون حياتهم، كبدو رُحّل، التي اعتادوا عليها منذ نعومة أظافرهم. لا مجال لديهم للتمرّد على تقاليد العيش، وعاداته. فقد اعتادوا التخلّي عما هو سائد في المجتمع، وعن كل مظاهر التحضّر، والتمدّن، ليرتموا في أحضان الطبيعة، ويخضعوا لقواعدها.

كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر ليلاً، على ضوء القمر، ويقطعون مئات الكيلومترات من بلدة إلى أخرى، لهذا أُطلِق عليهم "الناجع قمرة"

في حديثه إلى رصيف22، يؤكد الشاب أحمد الذي التقيناه على ناصية الطريق، ويرفع بيده قارورة حليب إبل يعرضها على السيارات العابرة، طمعاً في بيعها، أنه يعيش وعائلته في الخيام منذ نشأته، وأنه مكلَّف ببيع حليب النوق، وأحياناً رعايتها، ويضيف: "لقد ترعرعت في هذا الوسط، وعلى الرغم من صغر سنّي، إلا أني اكتسبت خبرةً لا بأس بها في رعاية الأغنام، وقطعان الإبل. أحبّ عملي كثيراً، كما أني أجني منه نصيباً طيّباً من المال. فليترٌ واحدٌ من حليب الناقة، يتجاوز سعره ثلاثين ديناراً، وهو دواء صالح لكل داء، وينصح به الأطباء. لذلك يقبل عليه التونسي، على الرغم من ارتفاع سعره".

ويشدد أحمد على أنه لا يرى حرجاً في العيش بطريقة "بدوية"، طالما أن مورد رزقه وعائلته مرتبط بهذا النمط من العيش، موضحاً أنه تأقلم مع حرّ الصيف، وبرد الشتاء، وانعدام الاستقرار، عادّا ذلك مجرد تفاصيل لا يفكّر فيها مطلقاً، ولا ترتقي لأن تكون إشكالاً، أو عقبةً في حياته.

أما الشيخ علي، فقد حدّثنا عن تاريخ البدو الرُحَّل مبيّناً أنهم يُكَنّون بـ"الناجع قمرة"، لأن أجدادهم كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر ليلاً على ضوء القمر، قائلاً: "لقد كان أسلافنا يقطعون مئات الكيلومترات على ضوء القمر، ليتنقلوا من بلدةٍ إلى أخرى، ولئن اختلفت أسباب الترحال بين البحث عن الأمن، أو الاستقرار، فان اختيار المكان المناسب لرعي الأغنام يظل السبب الرئيس. أما الآن، فطرق التنقّل أصبحت أسهل بكثير، مع توافر وسائل النقل، كما أن التنقل لم تعد ضرورياً، فقد قمنا بالاستقرار في هذه الربوع منذ نحو ثلاث سنوات، ولم نضطر إلى التنقل حتى هذه اللحظة".

ويبيّن الشيخ علي أنه على الرغم من قساوة الظروف، خاصةً في فصل الشتاء، إلا أنه لا سبيل إلى تغيير نمط العيش هذا، لأن تربية الأغنام هي مجالهم الوحيد الذي تمرّسوا فيه أباً عن جد، وأورثوه لأبنائهم.

ظاهرةٌ شارفت على الانقراض

يرى الأستاذ في علم الاجتماع، مهدي مبروك، أن ظاهرة البدو الرُحَّل لم يعد لها وجود، وأن تونس ليست مجتمع رُحَّل كما في بلدان أخرى، بل على العكس من ذلك، فإنه من أكثر المجتمعات استقراراً، مبيّناً أن الاستعمار الفرنسي فرض على القبائل الاستقرار في مدن الحوض المنجميّ، والمدن الفلاحية، والقطيعة مع البداوة، وتالياً برزت مدنٌ جديدة كالرديف، والقصرين، أما بقية المدن، كتونس، وبنزرت، وسوسة، فهي مستقرة بطبعها.

ويضيف مبروك، في حديثه إلى رصيف22، أن هذه المجموعات التي تربطها عادةً سلسلة من القرابات تنزح بشكل مؤقت، بحثاً عن الكلأ المهم لنشاطهم الأساسي المرتبط بالرعي، وهم نصف مستقرّين، أي يقضون ستة أشهر في مواطنهم الأصلية، وستة أشهر في مناطق يرعون فيها أغنامهم.

ويرى أستاذ علم الاجتماع، أن هذه الظاهرة هي نمط عيش، وليست بداوةً، خاصةً وأن أغلبهم يستقرّون مؤقتاً في خيام، ثم تتحول إلى أكواخٍ، ثم يحاولون السطو على ملكية الدولة، وهي خطوة أولية في نطاق الاستقرار في أحزمة المدن المهمّشة، وفق وصفه.

وإن أبدى رجال "البدو الرُحَّل" استعدادهم لمواصلة العيش بالطريقة نفسها التي ألِفها أسلافهم، فمن المهم أن نعرف آراء نساء "البدو الرُحَّل" اللواتي يعشن خارج أسوار الحضارة، ولذا انتقلنا إلى محافظة منوبة، وتحديداً إلى منطقة "الحكايمية"، وهي منطقة ريفية تحيط بها السهول من كل جهة، وتعرّفنا فيها إلى الشابة مريم ذات الثلاثين سنة، وهي أم لثلاثة أطفال، كانت بصدد اللحاق بابنها ذي العشر سنوات، والذي يرعى الأبقار في مكان غير بعيد، بعد أن أعدّت له وجبة الفطور المكوّنة من مرقٍ وخبزٍ طبختهما على الحطب، كما حكت لنا.

"عيش متكرر"

تقول مريم، لرصيف22، إنها تزوّجت من ابن خالتها في سنٍّ صغيرة، وإنها اعتادت العيش في العراء على الرغم من قسوته. إلا أن ما يحزنها فعلاً، هو انقطاع ابنها الأكبر عن الدراسة: "منذ سن السادسة، نرسل أبناءنا للعيش مع أجدادهم، والدراسة في المدارس. ويعودون إلى الخيام في العطل، ليساعدونا في شؤون الرعي، إلا أن ابني الأكبر أبى العيش بعيداً عني، فاضطر إلى الانقطاع عن الدراسة، واللحاق بي. وها إنه يسحب الشمس من مطلعها إلى مغيبها في رعاية الأغنام. لطالما حلمت بأن يحظى بمستقبل أفضل، وأن يعيش حياةً عاديةً كسائر الأطفال".

يعيشون في خيام مهترئة، ويرتدون ثياباً رثّة، إلا أن ذلك لا علاقة له بالفقر؛ هكذا يعيشن الرُحَّل من "الناجع قمرة"

وعن دورها وسط عائلتها، تؤكد مريم أن الأعمال تُقسَم مناصفةً بين المرأة والرجل، فعند توجّه الرجال والأطفال إلى رعي الأغنام، تعدّ الطعام، وتنظّف الزريبة، وتتوجه إلى جلب الماء على ظهور البهائم، من المدن المجاورة. كما تساهم في النشاط الاقتصادي للعائلة، من خلال جمع الخبز، وتربية الدجاج، وبيع البيض، وحلب الأبقار والماعز والنوق.

على الرغم من أن أغلب البدو الرُحَّل يعيشون في خيام مهترئة، ويرتدون ثياباً رثّةً، إلا أن ذلك لا علاقة له بالفقر، أو بالخصاصة، بل على العكس تماماً، فهذه المجموعات تمتلك قطعان أغنام تُعدّ بآلاف الرؤوس، تتاجر بها على مدار السنة، كما أنها تستأجر الجمال في الأعراس لنقل العروس في "الجحفة"، إلى جانب العديد من الأنشطة الأخرى، وعلى ما يبدو فإن مظاهر الترف لا تعنيهم، وأبرز ما يشغلهم هو التقلبات المناخية، ومحاولات النهب التي تتعرض لها قطعانهم، بالإضافة إلى محاولة السلطات المتعاقبة الحدّ من تواجدهم على ضفاف المدن، لكيلا تتكاثر هذه الظاهرة.

من جهته، أكد المؤرخ والخبير في التراث، عبد الستّار عمامو، أن ظاهرة الرُحَّل عادية، وموجودة منذ القدم، بحكم أن الإنسان المتنقل جاء قبل الإنسان المستقرّ، مبيّناً في حديثه إلى رصيف22، أن الإنسان كان يتنقل للبحث عن الطعام، وعن العلف لأغنامه، ثم استقر بعد الحضارة في الأراضي الفلاحية.

لكن "الناجح قمرة"، خارجون عن هذا النمط، ويريدون العيش في زمن آخر، بعيداً عن سلطات المدن، ومتاعبها.


إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard