"الدواء لم يعد أولوية"... أسعار الأدوية "تقتل" الشعب اللبناني

الخميس 25 نوفمبر 202103:45 م

يشهد لبنان ارتفاعاً ملحوظاً في أعداد الإصابة بفيروس كورونا مع دخول فصل الشتاء، إلا أن الخشية تبدو أكبر من ارتفاع وفيات "فقر الدواء"، بعد دخول فصل جديد من رفع الدعم الجزئي عن أدوية الأمراض المزمنة.

فقد تضاعفت أسعار أدوية القلب والضغط والسكري ما بين 8 إلى 10 أضعاف، بعد إعلان وزارة الصحة اللبنانية رفع الدعم الجزئي عن أدوية الأمراض المزمنة بنسب تتراوح بين 25% و65% منتصف تشرين الثاني، وبات أكثر من 70% من اللبنانيين/ات غير قادرين/ات على شراء الدواء، بحسب تصريح لرئيس لجنة الصحة النيابية، النائب عاصم عراجي.

ارتفاع جنوني لأسعار الأدوية

مليون وخمسمئة ألف ليرة هو المبلغ الذي باتت تحتاجه أم محمد (64 عاماً) وزوجها (70 عاماً) لشراء أدوية السكري والضغط فقط، أي ما يعادل ضعف الحدّ الأدنى للأجور. فعلبة دواء السكري (غالفاس) ارتفع سعرها من 33 ألف ليرة إلى 202 ألف ليرة، و(فورزيغا) الذي يستخدم أيضاً لعلاج السكري، ارتفع سعره من 79 ألفاً إلى 474 ألفاً.

وتقول أم محمد إنها وزوجها يحتاجان إلى علبتين من كل نوع، إضافة إلى دواء الضغط (ابروفيل) لزوجها، والذي ارتفع سعره إلى 96 ألفاً بعد أن كان 25 ألفاً.

كانت الصيدلية القريبة من أم محمد تؤمن لها الدواء بالدين عند الطلب، إلا أنه مع توقف شركات موردي الدواء عن التسليم، اضطرت أم محمد لشراء الدولار بأسعار مرتفعة من السوق السوداء لتأمين الدواء من الخارج.

تؤكد هذه السيدة الستينية أن هذا الخيار بات أصعب اليوم مع الارتفاع الجنوني للأسعار واضطرارها وزوجها لتحديد أولوياتهما التي قد يغيب عنها الدواء.

في هذا الصدد، قال رئيس قسم أمراض القلب في مستشفى كليمنصو، الدكتور إيلي شماس، إن "المرضى أمام أسبوعين حاسمين في حال توقف تأمين الدواء، لا سيما أدوية سيلان الدم والجلطات".

وأشار شماس لرصيف22، إلى أن تغريدته التي لاقت صدى واسعاً، جاءت بعد مفاجأته بالقرار السريع الذي اتخذته وزارة الصحة، لافتاً إلى أن "القرار مفهوم في ظل تراجع الموازنة المخصصة من قبل مصرف لبنان لدعم الدواء".

"المرضى أمام أسبوعين حاسمين في حال توقف تأمين الدواء، لا سيما أدوية سيلان الدم والجلطات"

وحول الحلول المتاحة، فاعتبرها الدكتور شماس "صعبة في ظل وضع صعب"، إلا أنه أكد أنه يسعى وزملاء له في نقابة الأطباء وجمعية القمصان البيض، إلى إيجاد حلول حتى لا يخسر المرضى حياتهم، كمحاولة تأمين أدوية القلب من خلال المستوصفات ومراكز الرعاية الصحية الأولية التابعة لوزارة الصحة.

ولفت شماس إلى أن جمعية القمصان البيض قد قدمت مقترحات لوزارة الصحة لتفادي الوقوع في الكارثة منها "إصدار بطاقات خاصة بالمرضى تمكنهم من الحصول على الدواء بسعر مدعوم، بدل من دعم الدواء بشكل كلي".

وكان قد أعلن وزير الصحة اللبناني، فراس أبيض، عن ترشيد دعم أدوية الأمراض المزمنة، إذ لم يكن أمام الوزارة سوى خيار تقسيم الموازنة التي خصصها مصرف لبنان لدعم الأدوية، وفق الأولويات، بحيث تعطى أولوية الدعم لأدوية السرطان، بعد أن انخفضت مخصصات مصرف لبنان للقطاع الاستشفائي، من 135 مليون دولار شهرياً، إلى 35 مليوناً، يخصص منها 10 ملايين لشراء المستلزمات الطبية للمستشفيات.

الصناديق الضامنة... عاجزة

تشكو هيفا (39 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال ومتزوجة من عسكري في الجيش اللبناني، من عدم قدرتها وزوجها على تأمين الدواء واللقاحات لأطفالها وأدوية أهل زوجها: "حتى الآن ما زلنا نؤمن إبرة السرطان لوالد زوجي من الجيش مجاناً، لكننا لا نعرف إلى متى ستبقى متوفرة، أما والدة زوجي فتحتاج إلى إبرة لترقق العظام كل 6 أشهر، لكنها غير متوفرة في عيادات الجيش ونضطر لشرائها على حسابنا الخاص".

وتكشف أن معاملات الجيش الاستشفائية باتت أصعب من قبل: "هناك مماطلة مقصودة لدفع المستفيدين لتأمين الدواء من الخارج، لتتمكن المؤسسة العسكرية من توفير المبالغ التي من المفترض أن تؤمنها لتوفير الدواء".

وتضيف هيفا لرصيف22، أن اللجنة الطبية طلبت تقارير تعود إلى أكثر من خمس سنوات لإعطاء موافقة استشفاء لوالدة زوجها، وحينها قضى العسكري أكثر من شهرين لتأمين الأوراق اللازمة لعرضها على اللجنة.

تردد على مسامع هيفا أن الجيش سيوفر أدوية الأمراض المزمنة لمدة ستة أشهر، "وبعد هيك ما بنعرف شو بصير"، أما أدوية الأطفال البسيطة، كأدوية السعال والحرارة والمسكنات إلى جانب اللقاحات، فلم تعد توفرها المؤسسة لأطفال العسكريين، بحسب تأكيدها: "ما فيني ما أعطي ابني الذي يبلغ أربع سنوات لقاحاته، لأن في ذلك خطر على حياته، حتى الحرارة المرتفعة فيها خطر على الأطفال، لذلك نضطر إلى تأمينها على حسابنا من العيادات والصيدليات الخاصة بأسعار مرتفعة".

وتضيف أن الجيش لا يعترف سوى بالتسعيرة المعتمدة لديه، فعلى سبيل المثال، مرهم العين الذي تستخدمه ابنتها، ارتفع سعره إلى 226 ألف ليرة بعد أن كان 12 ألفاً، "والجيش لا يغطي إلا 80% من الـ12 ألف حسب التسعيرة التي يعتمدها".

أما أم محمد فتشير إلى أنها مسجلة على اسم ابنتها في الضمان الاختياري، الا أنها تضطر إلى دفع سعر الدواء وتقديم الفواتير وانتظار أكثر من سنة لقبض المستحقات: "اليوم الضمان رح يدفع 80% من سعر دواء اشتريته من سنة بثلاثة وثلاثين ألف، بينما يبلغ سعره اليوم 202 ألف".

وفي اتصال أجراه موقع رصيف22 مع مدير عام الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، محمد كركي، كشف أن الضمان غير قادر على اعتماد تسعيرة الدواء الجديدة في جداوله: "منذ رفع الدعم الكلّي عن ألفي دواء في تموز الماضي، اتخذنا قراراً بإبقاء جداولنا بحسب التسعيرة القديمة على أساس سعر صرف 1500 ليرة للدولار... لتغطية ارتفاع أسعار ألف دواء من أصل 4 آلاف مدرجة في جداولنا، بتنا بحاجة إلى 600 مليار ليرة سنوياً، علماً أن سعر الصرف الذي اعتُمد حينها كان 12.500 ليرة للدولار الواحد".

أما اليوم ومع رفع الدعم الجزئي عن أدوية الأمراض المزمنة، والتي باتت تُسعّر على أساس 24 ألف ليرة للدولار، أوضح كركي أن صندوق الضمان يحتاج إلى 2800 مليار ليرة سنوياً لتغطية فواتير الدواء، مقارنة مع 400 مليار ليرة كان يصرفها سنوياً قبل رفع الدعم.

وعليه، حذّر محمد كركي من انهيار القطاع الاستشفائي في لبنان، لافتاً إلى أن مستحقات الصندوق على الدولة اللبنانية بلغت في أيلول الماضي ما يقارب الخمسمئة مليار ليرة، وهي ديون مستحقة على الدولة منذ العام 2002.

وكشف المدير العام أنه حتى في حال دفعت الدولة اللبنانية ديونها، فإن الصندوق سيبقى عاجزاً عن تغطية الفواتير الاستشفائية مع ارتفاع تعرفة المستشفيات.

من هنا، دعا كركي إلى إيجاد مصادر تمويل مستدامة لصندوق الضمان الاجتماعي، "من خلال رفع الاشتراكات، وإجبار المؤسسات على التصريح عن الأجور الحقيقية لموظفيها، وإيجاد موارد ضريبية أخرى، كما أنه يمكن توفير مبلغ 300 مليون دولار من الأموال المقدمة من صندوق النقد الدولي SDR لدعم الصندوق".

أكثر من ألف صيدلية مهددة بالإغلاق

انهيار القطاع الاستشفائي الذي يحذر منه محمد كركي مع رفع الدعم الكلي والجزئي عن الدواء، ينعكس سلباً على واقع الصيدليات التي تعاني كباقي القطاعات في لبنان.

كشف نقيب الصيادلة، غسان الأمين، لموقع رصيف22، أن ما يقارب الألف صيدلية باتت مهددة بالإغلاق، مشيراً إلى أن حوالي 600 صيدلية أغلقت أبوابها منذ بداية الأزمة الاقتصادية عام 2019.

"ربح الصيدلي لم يعد يكفيه وعم يضل مكسور"، يقول الأمين، مشيراً إلى أنه "عند رفع الدعم، أصبحت أسعار الدواء على أساس سعر 16 ألف ليرة للدولار"، مقارنة مع أسعار السلع الأساسية التي ارتفعت مع ارتفاع سعر الدولار إلى أكثر من 23 ألف ليرة.

ولفت النقيب إلى عدم قدرة العديد من الصيدليات على شراء الأدوية، لا سيما بعد ترشيد الدعم.

وفيما كانت العديد من الصيدليات تأمل بزيادة هامش ربحها لضمان استمراريتها، لوحظ تراجع مبيعات أدوية الأمراض المزمنة منذ إعلان رفع الدعم الجزئي عنها.

للأسف، لم يعد الاستشفاء أولوية للكثيرين/ات في بلد كلبنان، باتت نصف الأسر فيه لا تستطيع الحصول على الدواء، وارتفعت فيه نسبة العائلات المحرومة من الرعاية الصحية إلى 33%

تقول صاحبة صيدلية في منطقة فرن الشباك- قضاء بعبدا، إن 25% من الزبائن امتنعوا عن شراء أدويتهم خلال الأسبوع الماضي، فيما أشار صيدلي آخر في المنطقة نفسها إلى ما يقرب الـ15% من زبائنه توقفوا أيضاً عن شراء أدوية القلب والضغط والسكري.

"كلها حلول ترقيعية، إذا لم يكن هناك حلّ لأزمة الدولار سنتجه إلى كارثة أكبر"، يقول صاحب الصيدلية، فيما تشير زميلته إلى أنهم سيلجؤون إلى شراء الأدوية بالقطعة أو حسب طلب الزبون.

للأسف، لم يعد الاستشفاء أولوية للكثيرين/ات في بلد كلبنان، باتت نصف الأسر فيه لا تستطيع الحصول على الدواء، وارتفعت فيه نسبة العائلات المحرومة من الرعاية الصحية إلى 33%، بحسب دراسة نشرتها الإسكوا في أيلول الماضي، تحت عنوان "الفقر المتعدد الأبعاد في لبنان: واقع أليم وآفاق مبهمة"، فيما أشار تقرير "البقاء على قيد الحياة بدون أساسيّات العيش: تفاقم تأثيرات الأزمة اللبنانية على الأطفال" الذي أصدرته منظمة اليونيسيف مؤخراً، أن 34% من الأسر التي استطلعتها، لم تستطع تأمين الرعاية الصحية لأطفالها.

*هذا الموضوع تم إنتاجه بدعم من برنامج النساء في الأخبار التابع للمنظمة العالمية للصحف وناشري الأنباء "وان-ايفرا".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard