إلغاء منصب الإفتاء يُقابله افتتاح كلية لاهوت... هل يُغيّر الأسد المشهد الديني في سوريا؟

الخميس 25 نوفمبر 202102:04 م

افتتح النظام السوري، في دمشق، كلية اللاهوت الخاصة التي تُعدّ الأولى من نوعها في سوريا، ومخصصة لدراسة اللاهوت المسيحي، وذلك بعد أيامٍ من إلغاء منصب مفتي الجمهورية، وهو ما طرح تساؤلات حول مستقبل "المشهد الديني" في سوريا.

أرسل النظام وفداً حكومياً مكوّناً من وزير شؤون الرئاسة، منصور عزام، ووزير التعليم العالي والبحث العلمي، بسام إبراهيم، لحضور مراسم الافتتاح التي شارك فيها بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك، يوسف العبسي.

وقال البطريرك العبسي، خلال الافتتاح، إن "الكلية تأسست بموجب المرسوم رقم 6 لسنة 2019، الصادر عن الرئيس بشار الأسد"، وشدد على "تقديره لحرص سيدة سوريا الأولى أسماء الأسد، على افتتاح هذه المؤسسة، لتكون مركزاً صغيراً للأفكار اللاهوتية الشرقية المعاصرة".

"كلية اللاهوت تتبع للروم الكاثوليك، وليس كل مسيحيي سوريا، بمعنى آخر هي "هدية" للبابا في الفاتيكان، وهدية أيضاً قدّمها الأسد للسريان الكاثوليك التابعين أيضاً للبابا، ومكافأةً على زيارة وفد فاتيكاني لسوريا" 

من جانبه، أكد وزير التعليم العالي والبحث العلمي، أن الكلية "هي الأولى من نوعها أكاديمياً على مستوى سوريا، من حيث تدريس اللاهوت، وتأهيل الكوادر المتخصصة والمتميزة من ذوي القدرات العلمية والبحثية"، وقال: "سوريا التي رفضت كل أشكال الخضوع، تثبت اليوم أنها بلد التسامح، ومهد المسيحية، وحاضنة الإسلام، ومئذنة الاعتدال في عمقها الثقافي، ونبذ التطرف، والعنف، والكراهية، والتمييز بين الناس". 

وقال رئيس منظمة سوريون مسيحيون من أجل السلام، أيمن عبد النور، لرصيف22، إن "كلية اللاهوت تتبع للروم الكاثوليك، وليس كل مسيحيي سوريا، بمعنى آخر هي "هدية" للبابا في الفاتيكان، وهدية أيضاً قدّمها الأسد للسريان الكاثوليك التابعين أيضاً للبابا، وكانت مكافأةً على زيارة وفد رفيع المستوى من الفاتيكان إلى سوريا، في 2019".

 قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي: "سوريا التي رفضت كل أشكال الخضوع، تثبت اليوم أنها بلد التسامح، ومهد المسيحية، وحاضنة الإسلام، ومئذنة الاعتدال في عمقها الثقافي، ونبذ التطرف والعنف". 

وأشار إلى أن "النظام يجيد استخدام الورقة الدينية في الحصول على الدعم، خصوصاً في الخارج. في المقابل، فشلت المعارضة السورية في أن ترقى إلى مستوى حسن التعامل مع الطوائف والأديان داخل البلاد، وخارجها". 

وظهرت طوال سنوات الحرب، في العديد من المدن السورية، صور للأسد، مرتدياً نظارات سوداء، وزياً عسكرياً، إلى جانب صورة مريم العذراء، وجندي شهيد، في رسالة تقدّم الرئيس السوري، على قدم المساواة مع والدة المسيح، على أنه الملاك الحارس لمسيحيي سوريا.

وقال عبد النور إن "الأسد لم يروّج لهذه الدعاية داخل البلاد فحسب، بل عمل على تقوية العلاقات مع الغرب من خلال الفاتيكان، وأيضاً مع البروتستانت في أمريكا، من خلال منحهم حق إقامة خمس كنائس جديدة، كذلك سمح للهندوس بإقامة ندوات وتجمعات، وفعل مع الأحمديين أشياء مماثلة".

لم يسحب الفاتيكان اعترافه بالنظام السوري، أو حتى سفيره في دمشق، على غرار الحكومات الغربية، منذ اشتعال الثورة في عام 2011، بل استمر تبادل الزيارات الرفيعة المستوى والرسائل الدبلوماسية التي تجنّب فيها تحميله مسؤولية العديد من الجرائم التي شهدتها البلاد على مدار أكثر من عقد.

ضغط الفاتيكان في عام 2013، بشكلٍ ناعمٍ، على الولايات المتحدة، لمنع إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما من التدخل عسكرياً ضد النظام السوري، بعد استخدام الأسلحة الكيميائية، وظل مدافعاً قوياً عما أسماه "الحل الدبلوماسي" في سوريا.

 "النظام يجيد استخدام الورقة الدينية في الحصول على الدعم، خصوصاً في الخارج. في المقابل، فشلت المعارضة السورية في أن ترقى إلى مستوى حسن التعامل مع الطوائف والأديان داخل البلاد، وخارجها"

في ذلك العام، جمع الفاتيكان قرابة 70 من سفرائه، لإطلاعهم على موقفه من الصراع السوري، على أمل أن ينقلوا هذه الرسالة إلى حكومات البلدان المضيفة لكل منهم. وفي مساء يوم 7 أيلول/ سبتمبر من العام نفسه، اجتمع أكثر من مئة كاثوليكي في ساحة القديس بطرس، استجابةً لدعوة البابا، للمشاركة في يومٍ للصوم والصلاة من أجل السلام داخل سوريا. 

ضغط الفاتيكان في عام 2013، بشكلٍ ناعمٍ، على الولايات المتحدة، لمنع إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما من التدخل عسكرياً ضد النظام، بعد استخدام الأسلحة  الكيميائية، وظل مدافعاً قوياً عما أسماه "الحل الدبلوماسي".

وقرر البابا فرانسيس إصدار المرسوم للكنيسة الكاثوليكية، وكذلك لجميع أتباع الديانات الأخرى التي تدعو للسلام، بعد تزايد احتمال توجيه ضربة عسكرية أمريكية ضد نظام الأسد. وكانت هذه الأعمال رمزيةً بحتة، وليس لدى الفاتيكان أي وسيلة لفرض آرائه، على عكس الدول الأخرى، لكن كان واضحاً للغاية أن لديه تأثيراً ناعماً على دول العالم، من خلال الدبلوماسية الدينية.

وقال عبد النور، إن "النظام تعاون بشكل جيد للغاية مع القيادات الدينية كلها، وفي دول العالم كلها، وتالياً أصبحوا هم سفراء ومدافعين عنه، ولا يعرفون ما هو الإجرام الذي يرتكبه بحق الناس، وهذه هي المشكلة الأساسية".

جاء الإعلان عن إنشاء كلية اللاهوت الخاصة، بعد أيام قليلة من قرار الرئيس السوري إلغاء منصب المفتي، الذي كان يشغله أحد رجال الدين السنّة في البلاد، وهي خطوة عدّها عبد النور ضمن جهود النظام لتغيير المشهد الديني في سوريا. 

يقول عبد النور إن "النظام يعتقد أن السنّة العرب تحديداً، هم الذين كانوا الحامل الأساسي للثورة ضده، وتالياً المطلوب تجييش الطوائف الأخرى كلها ضد العرب السنّة، وأيضاً إضعاف مرجعياتهم، بحيث لا يكون لديهم مرجعيات دينية محترمة، يستطيعون التجمع خلفها. لذلك تم إلغاء منصب المفتي، وإلحاقه بشخصٍ ذي سمعة سيئة اقتصادياً ومالياً مع أولاده، كوزير الأوقاف محمد السيد".

يعتقد النظام أن السنّة هم الذين كانوا الحامل الأساسي للثورة ضده، وتالياً المطلوب تجييش الطوائف الأخرى كلها ضدهم، وأيضاً إضعاف مرجعياتهم، بحيث لا يكون لديهم مرجعيات دينية محترمة، يستطيعون التجمع خلفها

وأضاف عبد النور: "تم تشتيت الإفتاء بين مختلف الطوائف والمذاهب، من أجل تحويل المذهب السنّي إلى أحد المذاهب المعترف بها في سوريا، وليس المذهب الرئيسي الذي تستمدّ منه كثير من القضايا الفقهية، في صياغة القوانين، وخاصةً قوانين الوقف، والأحوال الشخصية".

من المعروف أن دستور سوريا علماني، لكنه ينص في الوقت ذاته على وجوب أن يكون الرئيس مسلماً. وكان حافظ الأسد الأب، أول علوي يتولى رئاسة الدولة. ويعدّ المسلمون السنّة، الذين يشكلون حوالي 75% من سكان سوريا، العلويين فرعاً من الإسلام الشيعي. وكان العلويون قبل الحرب الحالية، يمثّلون حوالي 10% من السكان. 

يصعب حالياً تقييم الأرقام، ودقّتها، لكن يُعتقَد أن نسبة العلويين قد ارتفعت الآن إلى ما يقرب من 15% من إجمالي عدد السكّان، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن هناك الملايين من المسلمين السنّة قد غادروا سوريا كلاجئين

ومع ذلك، يصعب حالياً تقييم الأرقام، ودقّتها، لكن يُعتقَد أن نسبة العلويين قد ارتفعت الآن إلى ما يقرب من 15% من إجمالي عدد السكّان، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن هناك الملايين من المسلمين السنّة قد غادروا سوريا كلاجئين. ويشكّل المسيحيون نحو 10% من السكان، بينما يمثّل الدروز والإسماعيليون معاً، نحو 5%.

في عام 2012، فُرضت صفقات "التجويع أو الاستسلام/ المصالحة"، على السكان الذين يُنظر إليهم على أنهم غير موالين للنظام. كانت أول صفقة من هذا القبيل في حمص، حيث تم نقل معارضي نظام الأسد في "الحافلات الخضراء" الشهيرة، إلى محافظة إدلب، التي تضخّم عدد سكانها الآن، مع المزيد والمزيد من النازحين، ومعظمهم من المسلمين السنّة. 

بحلول أواخر عام 2016، وبعد نزوح نصف السكان السوريين، ومنح الجنسية السورية لعشرات الآلاف من المرتزقة الإيرانيين الذين قاتلوا لإبقائه في السلطة، ذكر الأسد في مقابلة أمريكية، أن "النسيج الاجتماعي أفضل بكثير من ذي قبل".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard