لماذا تعرج الديمقراطية في دولنا العربية؟

الثلاثاء 16 نوفمبر 202110:52 ص

ما أن تفتح عينيك في الصباح وتمسك هاتفك لتتعرّف على ما حدث في السويعات التي مضت وأنت نائم حتى تتكالب عليك أخبار العالم العربي، وكأنك نمت دهراً.

من محاولة اغتيال فاشلة لرئيس الوزراء العراقي عقب انتخابات أثارت جدلاً، إلى تظاهرات حاشدة في شوارع الخرطوم تطالب بإنهاء الانقلاب العسكري، إلى مسيّرات حوثية تُسقَط داخل الأراضي السعودية، إلى فتية لبنانيين يشعلون الإطارات في شوارع بيروت احتجاجاً على اختفاء البنزين، إلى طائرات للنظام السوري تقصف ريف إدلب، إلى خطاب للرئيس التونسي يعلن فيه بحسم أن لا عودة إلى الوراء...

تأخذ نفساً عميقاً لتهدأ، ثم تبدأ بطرح أسئلة وجودية حول مصير الإنسان العربي ومستقبل المنطقة الرابضة على برميل بارود على وشك الانفجار، أسئلة لا تنتهي منذ أكثر من عشر سنوات على اشتعال ثورات الربيع العربي التي لم تحقق أي إنجاز ملموس حتى الآن.

لماذا يدور الإنسان العربي في دائرة مفرغة؟ ولماذا أصبحت الديمقراطية كلمة سيئة السمعة لدى البعض؟ أو وجبة دسمة صعبة الهضم لدى البعض الآخر؟

في النظم الغربية، صارت الديمقراطية أسلوب حياة وطوق نجاة اعتُمد منذ قرون خلت، للخروج من نفق العصور الوسطى والتفرغ للعمل والتقدم على كافة الأصعدة، كذلك الحال في دول شرق آسيا التي تحولت من دول فاشلة إلى قوى فاعلة تبارز الغرب في السياسة والاقتصاد والفن والمعرفة. أما نحن، فما زلنا ندور في فلك مفاهيم قديمة عفى عليها الزمن، أو نسعى إلى تدشين نظام لم يعد صالحاً لمواكبة العصر أو تحقيق نصر.

لماذا لم يستسغ العقل العربي فكرة الديمقراطية والتعددية والأحزاب الشعبية وتداول السلطة وظلت تلك الكلمات مجرد دعابات تُردَّد على طاولات المقاهي أو على شاشات التلفزيون في أحاديث عقيمة دون أن يكون لها محل من الإعراب. ولماذا تحل محلها سلطة دينية أو سلطة أبوية أو نظام محاصصة مبني على الطائفية؟

لنَعُد قليلاً إلى الوراء. في مصر، على سبيل المثال لا الحصر، كان هناك نظام ديمقراطي قبل ثورة تموز/ يوليو 1952. لكن، وإحقاقاً للحق، لم يكن ذلك النظام سيد قراره بشكل تام، فالدولة كانت ترزح تحت نير النفوذ البريطاني. والوضع في سوريا ولبنان والعراق واليمن لم يكن أسعد حالاً، فقد كانت الدول العربية بلا استثناء تحت نفوذ قوى استعمارية تقليدية، إنكلترا وفرنسا ومعهما على استحياء إيطاليا التي كانت قد ظفرت بالساحل الليبي لتضمه إلى مستعمراتها القليلة في إفريقيا. فهل من الممكن التحدث عن نظام ديمقراطي حقيقي في ذلك الزمان؟

قاومت الدول العربية الاحتلال ودفعت دماً ضريبة لتحريرها، والثورة الجزائرية تشهد على تلك الحقبة. فهل تحقق الحلم بالاستقلال؟

تشكلت في القرن الماضي دول وممالك ما زالت تحتفظ بكثير من شكلها القديم حتى يومنا هذا، لكن ما المشروع التي قدّمته هذه الدول؟ وكيف استطاعت أن تواكب عصرها لتقوم لها قائمة أو لا تقوم؟

سطوة الماضي

ما الذي يدفع مهندس إلكترونيات يعمل في شركة عالمية للاتصالات إلى ترك زوجته وأبنائه، والذهاب لإحياء "دولة الخلافة" في العراق؟

يربط الدكتور عمار علي حسن، أستاذ السياسة والاقتصاد في جامعة القاهرة بين السعي إلى إعادة خلق الماضي في "صورة متخيّلة" وبين ما استقر في أذهان العامة، من "أفكار يُعتقد بصحتها ويُتصور أنها تستحق التضحية في سبيلها بالغالي والنفيس".

لماذا يدور الإنسان العربي في دائرة مفرغة؟ ولماذا أصبحت الديمقراطية كلمة سيئة السمعة لدى البعض؟ أو وجبة دسمة صعبة الهضم لدى البعض الآخر؟

"هذه ليست مسألة جديدة"، برأيه، و"مَن يسلكون ذلك المنهج ليسوا كلهم على الشاكلة ذاتها، فبعضهم يأخذ المسألة من زاوية عقائدية والبعض الآخر يرى فيها فرصة لكسب المال".

بدورها، تحلل هدى فرح الظاهرة بعين مخرجة مصرية تجوب شوارع القاهرة وترصد أحوال الناس عن كثب، وتعيدها إلى أسباب نفسية في المقام الأول: "محاولة للهروب من واقع يراه صاحبه مرّاً، نحو حلم يحسبه واعداً، فحياة هذا الإنسان الذي يراها البعض مثالية يراها هو ضاغطة، وتدفعه دفعاً للاحتماء خلف لافتة براقة، وحديث عن آمال عريضة في الدنيا وعقبى في الدار الآخرة".

أثر الاحتلالات

لماذا خرجت دول في شرق آسيا وشرق أوروبا من فخ الفشل السياسي والاقتصادي بينما ظللنا نحن مكاننا بلا حراك؟

"إنه الاحتلال يا صديقي". بهذه العبارة يستهل الكاتب والباحث المصري محمد جاد الله، المحاضر الدولي في شؤون الهوية الحضارية والمقيم في النمسا، كلامه، فالإنسان العربي من وجهة نظره ضحية لخطة ممنهجة حبكتها مراكز أبحاث وجمع معلومات ظلت تعمل في الغرب لسنوات خلت، كي تجعل هذه المنطقة تحت السيطرة لقرون أخرى قادمة "حسب نظرية إدارة الصراع بالصراع".

ولكن "كلمة السر تكمن في الإرادة"، يقول عمار علي حسن ويستطرد: "لنأخذ التجربة اليابانية على سبيل المثال. اليابان كان إمبراطورها إلهاً مطلق السلطة، فقررت في منتصف القرن التاسع عشر أن تصحح المسار، وذلك بقرار من الإمبراطور نفسه، فبدأت تتلمس طريق الحداثة".

الاقتصاد، برأيه، مقترن بالسياسة ويتطوّر بفضل إرادة سياسية متطلعة للتطوير، "كانت في اليابان على درجة من الوعي، ونحّت مصالحها الشخصية واستطاعت أن تنهض بالبلاد".

"اليابان كان إمبراطورها إلهاً مطلق السلطة، فقررت في منتصف القرن التاسع عشر أن تصحح المسار، وذلك بقرار من الإمبراطور نفسه، فبدأت تتلمس طريق الحداثة"

يهاجم البعض مفهوم الديمقراطية انطلاقاً من حجة أنه يعني تخلينا عن هويتنا. فهل هذا صحيح؟ "هذه نقطة بالغة الأهمية ويجب الوقوف عندها قليلاً"، يقول الدكتور عمرو الشوبكي، "فتحويل إرثنا الثقافي من إرث خبيث إلى إرث حميد يمكن البناء عليه مع الاحتفاظ بالهوية العربية، فالديمقراطية في دول شرق آسيا تختلف عن الديمقراطية في شرق أوروبا عنها في الغرب وأمريكا، فلكل مجتمع خصوصية لا يمكن إغفالها، لكن في النهاية يجب أن تكون هناك حلول، لنتلمس الضوء في نهاية النفق".

سطوة الحكم الأبوي

كيف نبني أنظمة ديمقراطية في وقت "لا زلنا نورث الابن مكان أبيه والأخ مكان أخيه"؟ هكذا يبدأ الروائي والكاتب الجزائري حسان أحمد شكاط كلامه عن تحديات الديمقراطية في الدول العربية، مضيفاً أن "الحكم الأبوي وفكرة إحياء دولة الخلافة أكبر عائق في سبيل الوصول إلى حكم ديمقراطي مستقر، فالحكم الملكي في إنكلترا على سبيل المثال شرفي، والأمر والنهي لرئيس الوزراء الذي يأتي في انتخابات حرة من قبل الشعب".

برأيه، "رغم صعوبة الوصول إلى هذا المسار في عالمنا العربي إلا أن السبيل الوحيد هو الصبر وإزاحة كافة الوجوه التي تعمل لغير صالح الوطن".

ويشرح عمار علي حسن أن "نظام الحكم الأبوي الذي ترسخ في منطقتنا العربية من خلال عدة مشارب، منها ما هو مرتبط بنظم الحكم القديمة في مصر وبلاد الشام والعراق التي كانت تنظر إلى الملك على أنه إله أو ابن إله أو في مناطق أخرى اعتُمد فيها النظام القبلي والعشائري، هذا الإرث ظل يلعب دوراً في وجدان وعقل العرب، فجنحوا نحو هذا المسار وصار هو النظام وصار مفهوماً راسخاً لدى كثيرين يصعب تغييره".

الطريق أمام التغيير ليس مقفلاً برأي حسن، فـ"العقل البشري بتركيبته وفطرته السوية يميل إلى فكرة الديمقراطية، والإنسان بطبيعته يميل إلى المناقشة والتحليل ولا يركن للخنوع والخضوع، ولكن الإشكالية تأتي من الظروف الخارجية التي تفرض على العقل مساراً بعينه فتجبره على السير في طريق لا يريد سلوكه".

"هناك حركة إزاحة للمثقفين أصحاب الوعي بثلة من الإعلاميين الذين يملكون منابر وتُرصد لهم الملايين كي يقدموا محتوى يحمل الكثير من التشويش على عقل المواطن العربي المشوش بالأساس"

من جانبه، يرى الشوبكي أن "هناك مشكلة في وعي المواطن العربي بشكل عام لكن لا يوجد عيب خلقي أو عيب في جينات أو التركبية البنيوية لعقل المواطن العربي، ولا يمكن لومه منفرداً فتشكيل الوعي يأتي من خلال مؤسسات تعليمية وإعلامية ودينية لم تقم بدورها على أكمل وجه" ثم يسهب: "الركون والاستسلام لفكرة الحاكم الفرد ورب الأسرة الذي بيده الحل والعقد مرتبطة بالأساس بإرث ثقافي تراكمي، والحل يكمن في دولة القانون، الجميع فيها على قدم المساوة في الحقوق والواجبات، فلا تتسلط جماعة على أخرى تحت أي مسمى أو شعار".

أين النخبة؟

عند الحديث عن الديمقراطية وعن الوعي، يحضر السؤال عن دور المثقفين ودور النخبة. "لوم المثقفين وتحميلهم المسؤولية فيه كثير من الغبن لما قاموا به خلال الفترة الماضية"، برأي جاد الله. بينما يرى حسن أن "المثقفين ليسوا كلهم سواء" فـ"هناك المثقف صاحب الرسالة وهناك مَن اتّخذ من الكلمة مطية لتحقيق أغراض شخصية، كما أن هناك حركة إزاحة للمثقفين أصحاب الوعي بثلة من الإعلاميين الذين يملكون منابر وتُرصد لهم الملايين كي يقدموا محتوى يحمل الكثير من التشويش على عقل المواطن العربي المشوش بالأساس".

"عندما فرح الناس بالموجة الأولى للثورات العربية كنت أردد أن التغيير لا يأتي بالضربة القاضية ولا بين عشية وضحاها بل يحتاج إلى وقت للاستيعاب والفهم"، يقول الشوبكي مضيفاً: "مرّ الوقت الذي يجعل الجميع يدرك حقيقة ما نحن فيه، وما يجب أن نفعله لنخرج منه. الدور الحقيقي للنخب في كافة المجتمعات العربية، تحليل ما حدث ومحاولة تصحيح المسار كلما حدنا عن الطريق".

للمساهمة في التغيير أشكال كثيرة. تقول المخرجة هدى فرح: "من واقع عملي وخبرتي، أرى أن الفن أداة ناعمة للتغيير وإنْ أخذت وقتاً، لكنها بلا شك أداة ناجعة على المدى الطويل، وبما أن الفن مرآة للمجتمع فهو يأخذ منه ويرد إليه، وبالتالي ترتبط جودة ما يقدَّم من أعمال بواقع الحال ولا يمكن الفصل بينهما، مهما حاول المثقفون، خصوصاً أن التيار الجارف قد يدفع البعض إلى التخلي عن الثوابت والمبادئ، والانجرار مع التيار السائد والهبوط بما يقدمه من أجل منافع مادية مما يزيد الوضع إرباكاً، ويزيد المتلقي تشوشاً فوق تشوّشه".

ماذا عن المستقبل؟

"تطوير الفكر لدى الطفل العربي قضية بالغة الحساسية"، يقول الدكتور سعيد يحيى، الباحث والمحاضر في جامعة بومرداس في الجزائر والمختص بأدب الطفل.

برأيه، الحديث عن مستقبل الطفل والناشئة لصناعة مستقبل أفضل بعيداً عن واقعنا المأزوم هو أمر "يستوجب عملاً جماعياً وليس فردياً"، ويجب أن تتشارك جميع مؤسسات الدولة في هذا المشروع، و"هو موضوع بالغ الأهمية والدقة، إذ يجب أن تتركز خطته على ترسيخ قيم التعايش وقبول الآخر وبالطبع ترسيخ مفاهيم الديمقراطية لدى الطفل منذ الصغر من خلال مشاركة فعالة يجني من خلالها ثماراً حقيقية لتك العملية، ما يحفزه على المضي قدماً في هذا المسار، لكي يصبح منهجاً وأسلوب حياة بالنسبة إليه".

ويرى الشوبكي أن العشرية الحالية تحمل آمالاً مبشرة للمجتمعات العربية التي بالتأكيد تعلمت الكثير في السنوات العشر الماضية وصححت بعض الأفكار المغلوطة، فحدث حراك حقيقي على أرض الواقع.

"لا أحد يستطيع أن يعاند حركة التاريخ"، حسب ما يقول عمار علي حسن. يشير إلى أن الشباب صاروا منفتحين على كافة الثقافات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي وأصبحوا يعرفون الكثير عمّا يدور حولهم في العالم، ولن يرضوا بتكرار أخطاء الماضي واجترار أزماته.

وتلفت هدى فرح إلى أن العالم العربي مر بموجات متعاقبة منذ سبعينيات القرن الماضي لنشر التطرف تحت عدة مسميات وعدة أوجه ما رسخ الفكر المتطرف في عقول أجيال متعاقبة رأت الديمقراطية أداة غربية يجب الحذر في التعاطي معها.

كمخرجة، ترى أن الفن، من خلال مشاريع وأعمال سينمائية وتلفزيونية متنوعة، مطالب بالعمل على خلق حالة من الوعي لدى الشباب "فالرهان يجب أن يكون عليهم"، خاصةً أن "الفرد هو أساس قيام المجتمع، والتغيير الصحي يأتي من أسفل الهرم حتى يصل إلى القمة، ولهذا يجب المراهنة على الشعوب وليس الحكام، فالحاكم لن يغيّر نفسه بنفسه بل بأيادي الناس المطالِبة بإصرار وبمسؤولية في التغيير وتعديل كافة السياسات المعيقة للنظام الديمقراطي".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard