مقتدى الصدر بعد الفوز في الانتخابات... الامتحان الصعب للخروج من تناقضاته

ماضي مقتدى الصدر لا يبعث على التفاؤل

الجمعة 12 نوفمبر 202111:54 ص

انتهى العراق من مشهد الانتخابات النيابية، على الرغم من كل المناوشات والأصوات المعترضة على النتائج، ليبدأ المشهد السياسي المستقبلي بالتشكل، وفق معادلات جديدة نسبياً، وبطولات يدّعيها البعض، وهزائم لا يُريد أصحابها الاعتراف بها، فيما الثابت الوحيد أن الرأي العام العراقي أعطى ثقته للتيار الصدري الذي حصد غالبية غير مسبوقةٍ في البرلمان الجديد.

ويتزعم التيار، مقتدى الصدر، ابن المرجع الديني محمد صادق الصدر، وصهر العالم المعروف محمد باقر الصدر. وتختلف الروايات عن حياته بعد مقتل والده عام 1999، إلا أنه برز عام 2003، في المعادلة العراقية. صعد نجم مقتدى الصدر بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، كخطيب جمعة مسجد الكوفة، خلفاً لوالده، واتّخذ من خطبه وسيلةً لجمع أتباع والده حوله، ونجح في ذلك.

في ذلك الوقت، تركزت خطبه على استنكار الاحتلال الأمريكي للعراق، ودعوته المستمرة للمواجهة، التي بدأها أولاً بحضّ الناس على التظاهر ضد الحاكم الأمريكي بول بريمر، ومجلس الحكم الذي كان قائماً آنذاك.

اتُّهم الصدر بقتل ابن زعيم الحوزة السابق أبي القاسم الخوئي عام 2003، انطلقت على الإثر مظاهرات حاشدة انتهت بإطلاق النار على المحتجين، ليعلن بعدها عن تشكيل الجناح العسكري للتيار، باسم جيش المهدي

في العام 2003، أصدر القاضي رائد جوحي أمر إلقاء القبض على مقتدى الصدر، بعد أن اتُّهم بقتل ابن زعيم الحوزة السابق أبي القاسم الخوئي، الذي اغتيل في العاشر من نيسان/ أبريل 2003. انطلقت على الإثر مظاهرات حاشدة انتهت بإطلاق النار على المحتجين، وإغلاق صحيفة الحوزة الناطقة باسمه، ليعلن بعدها عن تشكيل الجناح العسكري للتيار، باسم جيش المهدي، لمحاربة الوجود الأمريكي كما قال حينها.

تصاعدت عمليات جيش المهدي، واتسع نطاقها لتشمل بعض مناطق بغداد، والنجف، وكربلاء، والناصرية، والكوت، وأصبح الصدر عدوّاً للولايات المتحدة، حسب تصريح الرئيس الأمريكي جورج بوش.

مقاومته للاحتلال الأمريكي رافقها ضلوع ميليشياته في جرائم العنف الطائفي بين عامي 2005 و2006، وتحدث عن هذا الأمر باستفاضةٍ مؤلف كتاب "مقتدى الصدر والمعركة من أجل مستقبل العراق"، باتريك كوكبيرن

لكن مقاومته للاحتلال الأمريكي رافقها ضلوع ميليشياته في جرائم العنف الطائفي بين عامي 2005 و2006، وتحدث عن هذا الأمر باستفاضةٍ مؤلف كتاب "مقتدى الصدر والمعركة من أجل مستقبل العراق"، باتريك كوكبيرن، في حواره مع فايننشال تايمز البريطانية عام 2021.

في المقابل، أنكر الصدر هذه التهم، لكنه لم ينفِها عن ميليشياته تماماً، إذ أرجعها إلى "فئات ضالّة استغلّت قربها من جيش المهدي" في تصريح عدّه البعض إشارةً إلى قيس الخرعلي، الذي صار لاحقاً زعيم عصائب أهل الحق، وهو المنشقّ عن التيار الصدري.

كذلك اندلعت عام 2007، اشتباكات عنيفة في محافظة كربلاء، بين جيش المهدي وقوات التحالف المدعومة عراقياً. أيضاً خرج مقتدى الصدر لينفي ضلوع أتباعه فيها، لكنه أيضاً، وفي إثرها، جمّد جيش المهدي تحت عنوان "إعادة تنظيمه، وطرد المندسين"، حسب تصريحاته، ليؤسس بعد ذلك لواء اليوم الموعود، الذي حصر مهامه بضرب المصالح الأمريكية بين عامي 2008 و2011.

في وقتٍ لاحق، أسس الصدر سرايا السلام، للمشاركة في عمليات التحرير ضمن الحشد الشعبي، في أعقاب سيطرة داعش على أجزاء كبيرة من العراق عام 2014، واستمر هذا التنظيم حتى الآن كجناح عسكري صدري، ليقوم بإغلاق العديد من مقرّاته، بعد فوزه في الانتخابات، في دعم لدعوته إلى حصر السلاح بيد الدولة، وحل الحشد الشعبي.

يقول المؤرخ سلام العزاوي: "سياسة مقتدى الصدر غير واضحة المعالم، نظراً إلى أنه كان جزءاً من الائتلاف الوطني الذي يقوده المالكي، على الرغم من أن هناك حرباً شرسة تجري بينهم".

شارك في احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر2019، قبل انقلابه عليها، وسيطرته على ساحة التحرير، رافعاً شعار إصلاح الحكومة التي يشكّل هو نفسه جزءاً منها

وشارك التيار الصدري في المعترك السياسي على الرغم مما لاحقه من اتهامات ضمن الائتلاف الوطني العراقي الذي يتزعمه ألد أعداء الصدر سياسياً، نوري المالكي، لدورتين متتاليتين، ثم شكّل عام 2014 تيار الأحرار الذي حصل على 34 مقعداً، ودخل التيار مجلس النواب الذي يشكّل جزءاً منه، عام 2016، تحت شعار نبذ الفساد".

وفي عام 2018، خاص الصدر الانتخابات ضمن تحالف "سائرون"، وحصل على 54 مقعداً منح في إثرها سلطات ومناصب مهمة، إلّا أنه شارك في احتجاجات تشرين الأول/ أكتوبر2019، قبل انقلابه عليها، وسيطرته على ساحة التحرير، رافعاً شعار إصلاح الحكومة التي يشكّل هو نفسه جزءاً منها، ثم عاد وفاز في انتخابات 2021 بـ73 مقعداً نيابياً تصاعدياً.

هنا، يرى العزاوي أن "التيار الصدري استطاع التكيّف مع التناقضات، ووضع نفسه في خانة استحالة التنبؤ بأفعاله".

وكان الصدر قد وصف النظام السعودي، بـ"الأب"، في أثناء لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عام 2017، ثم انتشرت تصريحات له ينتقد فيها الحرب السعودية في اليمن، بعد تصريحات وزير الإعلام اللبناني الأخيرة، والتي نشرها المتحدث باسم أنصار الله اليمنية، محمد عبد السلام، على تويتر.

توقف العزاوي عند سوابق الصدر في السياسة، والتي عدّها "إشارةً تؤكد بعده عنها، إلا أن رمزيته الدينية لدى تياره، منحته قاعدةً شعبية مؤثرةً، اجتماعياً وسياسياً، ومكّنته من خوض العمل السياسي، والتغلغل في مؤسسات الدولة، كمعارض لحكومة يُعدّ أحد أهم أقطابها".

وتوقف العزاوي عند سوابق الصدر في السياسة، والتي عدّها "إشارةً تؤكد بعده عنها، إلا أن رمزيته الدينية لدى تياره، منحته قاعدةً شعبية مؤثرةً، اجتماعياً وسياسياً، ومكّنته من خوض العمل السياسي، والتغلغل في مؤسسات الدولة، كمعارض لحكومة يُعدّ أحد أهم أقطابها".

وفي السابق، أعلن الصدر انسحابه من الحكومة مرات عدة، ثم ما يلبث أن يتراجع عنها، كان آخرها إعلان انسحابه من المشاركة في الإنتخابات الأخيرة التي عاد إليها بدعوة من رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وظهر أن خطوته الأخيرة كان الهدف منها جس نبض أتباعه، ومحاولة فهم طبيعة الشارع العراقي المتقلبة، وقدرته على استمالته.

يرى الباحث السياسي، دريد العنزي، أن "الفوز الانتخابي عبّر عن مدى قدرة الصدر على تنظيم نفسه، والتأقلم مع القرارات الجديدة، بالعكس من بقية القوى التقليدية التي لم تحصل سوى على مقاعد بسيطة، على الرغم من خبرتها السياسية الطويلة"، ويعتقد أن "فوز الصدر كان متوقعاً، خاصةً بعد انسحاب عديدين من المشاركة في الانتخابات، واستغل أتباعه هذا الموقف لجمع الأصوات".

إلا أن عدد المقاعد الحالي لن يتيح للصدر تشكيل الحكومة بمفرده، فهو بحاجة إلى التحالف مع كتل أخرى لتحقيق 165 صوتاً برلمانياً، تؤهله لرئاسة الوزراء، وهو ما يثير مخاوف من اتجاه العراق نحو الانقسام السياسي، حسب العنزي، "إذا لم تتحقق شروط الأغلبية النيابية، خاصةً وأن البرلمان يضم الكثير من القوى والوجوه السياسية الجديدة، والمتباينة سياسياً".

وترددت أنباء محلية حول احتمال التحالف بين التيار الصدري، وتحالف تقدّم الذي يتزعمه رئيس البرلمان السابق، محمد الحلبوسي، في خطوة نحو تحقيق أغلبية توافقية.

رفع التيار الصدري شعار الإصلاح منذ عام 2016، حتى اللحظة، بالإضافة إلى دعوته لإبعاد البلد عن التدخلات الخارجية. وكان الصدر قد دعا في خطاب متلفز بُعيد فوزه، إلى حصر السلاح بيد الدولة، بالإضافة إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والصحية والتعليمية، كما وعد باستعادة الأمن، وهيبة الدولة، ومعالجة الأخطاء السابقة، وعدم التلاعب بأموال الشعب وخيراته، وإجراء إصلاحات سريعة، منها رفع قيمة الدينار العراقي الذي انهار في السنوات السابقة.

 "تناقضات السياسة الصدرية، ستدفع البلد نحو مزيد من المشكلات المتعلقة بالأمن الداخلي، والعلاقات الخارجية، نظراً إلى تصريحاته المتباينة، وتورط أتباعه في أعمال العنف".

ويرى العنزي أن "هناك احتمال تغيّر الخريطة السياسية العراقية، خاصةً أن الشعب لم يجرّب حكماً بعيداً عن حزب الدعوة الذي تولّى رئاسة الوزراء منذ عام 2005".

في المقابل، يعتقد العزاوي أن "تناقضات السياسة الصدرية، ستدفع البلد نحو مزيد من المشكلات المتعلقة بالأمن الداخلي، والعلاقات الخارجية، نظراً إلى تصريحاته المتباينة، وتورط أتباعه في أعمال العنف".

ويقول الناشط المدني، سجاد اللامي، إن "احتمال تحسن الوضع العراقي يعتمد على ما إذا كان التيار الصدري سيطبق برنامجه الانتخابي فعلياً، من الناحيتين الأمنية والاقتصادية، أم سيُكرّر ما اعتمده سابقوه من دعوات لم ترَ النور؟".

وفي هذا الصدد، يشير الخبير الاقتصادي، محسن عبد الهادي، إلى أن "تحسن الأوضاع الاقتصادية مرتبط بالسياستين الداخلية والخارجية، فما أدّته السياسات السابقة من استنزاف لخزينة الدولة، أدّى إلى رفع قيمة العملة الأجنبية من أجل سد العجر الحاصل".

ويبقى التساؤل حول ما إذا سيحقق التيار الصدري طفرةً لم يحققها سابقوه، في تحسين الأوضاع الشعبية، ما يرفع تميزه شعبياً، أم سيقع أسير تناقضاته، ما يعني استمرار الأزمة، وهو ما سيؤدي إلى موجة جديدة من الاستياء الشعبي، أكبر من سابقاتها كلها؟

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard