"أكبر غزو بشري لأسباب إنسانية"... ماذا يحدث على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا؟

الأربعاء 10 نوفمبر 202108:05 م

أعلنت الشرطة البولندية، الأربعاء 10 تشرين الثاني/ نوفمبر، احتجاز قرابة 50 مهاجراً تقول إنهم دخلوا البلاد عبر بيلاروسيا في أحدث تطور للأزمة المتصاعدة بين البلدين، والتي توصف بأنها "أكبر غزو بشري لأسباب إنسانية" للحدود الأوروبية منذ سنوات.

وبضعة آلاف من المهاجرين، غالبيتهم من الشرق الأوسط وآسيا وبينهم نساء وأطفال، عالقون على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا منذ أيام. ويتهم الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو وكذلك بولندا بيلاروسيا بالمسؤولية عن أزمة اللاجئين. تنفي بيلاروسيا ذلك في المقابل وتتهم بولندا بانتهاك الاتفاقيات المشتركة بنشر المزيد من جنودها على الحدود.

وشهدت بولندا وليتوانيا ولاتفيا، العضوات في الاتحاد الأوروبي والناتو، ارتفاعاً في عدد الأشخاص الذين يحاولون دخول أراضيها بشكل غير قانوني من بيلاروسيا في الأشهر الأخيرة.

ما الأزمة؟ وما أسبابها؟

والأربعاء، اتهم رئيس الوزراء البولندي، ماتيوش مورافيتسكي، بيلاروسيا بممارسة "إرهاب دولة" في أزمة المهاجرين غير المسبوقة على حدود بلاده، متهماً جارته بتنفيذ "انتقام صامت" من بولندا لدعمها المعارضة هناك. واعتبر أن الأزمة هي "نوع جديد من الحرب، يستخدم فيها الناس كدروع بشرية".

يتهم الأوربيون أيضاً الرئيس البيلاروسي، ألكسندر لوكاشنكو، بتأجيج التوتر عبر إصدار تأشيرات للمهاجرين وإحضارهم إلى الحدود انتقاماً من العقوبات الأوروبية التي فرضت على بلاده بسبب قمعه حركة معارضة عقب الانتخابات الرئاسية في العام الماضي.

"لعبة سياسية" واللاجئون والمهاجرون "قطع شطرنج" فيها… ما الذي يحدث على الحدود بين بولندا وبيلاروسيا؟ وكيف وصل العالقون إلى هناك؟

وتحدثت المفوضية الأوروبية أيضاً عن إغراء المسؤولين البيلاروسيين المهاجرين بوعد كاذب: الدخول السهل إلى الاتحاد الأوروبي، كجزء من "نهج غير إنساني على غرار العصابات". وأضاف متحدث باسمها: "فور وصولهم (إلى بيلاروسيا) يُدفعون إلى الحدود ويُجبرون على الدخول بشكل غير قانوني إلى الاتحاد الأوروبي".

لكن بيلاروسيا تتّهم الغرب بالسعي إلى "افتعال أزمة" من أجل فرض المزيد من العقوبات على مينسك.

وفي 28 حزيران/ يونيو الماضي، أعلنت بيلاروسيا تعليق الاتفاقية المشتركة مع الاتحاد الأوروبي، والسارية منذ 1 تموز/ يوليو 2020، والتي تلزمها بقبول المهاجرين غير الشرعيين الذين يدخلون الاتحاد الأوروبي بشكل غير قانوني من أراضيها.

أعقب تعليق الاتفاقية زيادة العقوبات والضغط من الاتحاد الأوروبي على حكومة بيلاروسيا على خلفية وضع حقوق الإنسان في البلاد وشبهات تزوير الانتخابات الرئاسية الأخيرة هناك.

من أين أتى المهاجرون؟

تقول المفوضية الأوروبية إن بيلاروسيا تسمح بدخول اللاجئين إلى أراضيها ثم تنقلهم إلى الحدود مع جاراتها الأوروبيات، باستخدام "شركات طيران تابعة لدول أخرى" متورطة في نقل المهاجرين.

وتشير إلى أنها تتابع الرحلات الجوية إلى العاصمة البيلاروسية مينسك من عدد من الدول، بينها سوريا وإيران وقطر وروسيا وعدة دول في شمال أفريقيا، وذلك في محاولة لمعرفة المتورطين في نقل المهاجرين.

وتشير تقارير إعلامية متطابقة إلى أن غالبية المهاجرين العالقين عبر الحدود حالياً من سوريا والعراق ولبنان وأفغانستان.

غالبيتهم من العراق وسوريا ولبنان… اتهامات للسلطات البيلاروسية بإغراء اللاجئين العالقين بـ"دخول سهل إلى أوروبا" ثم "تخويفهم" ودفعهم إلى الحدود البولندية "جوعى ومنهكين"

روسيا "العقل المدبر"؟

وتتهم بولندا روسيا بتحريض بيلاروسيا على استخدام المهاجرين للضغط على الاتحاد الأوروبي بسبب العقوبات الأخيرة على مينسك، والأكثر من ذلك بأنها "العقل المدبر" للأزمة.

والأربعاء، عبّر وزير الخارجية البيلاروسي فلاديمير ماكي  عن أمله في "تعزيز العمل" مع حليفته الرئيسية، روسيا، خصوصاً في "رد مشترك" على "الأعمال غير الودية" التي تستهدف بلاده.

وقال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إن مينسك وموسكو "عززتا تعاونهما لمواجهة حملة ضد بيلاروس شنتها واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون في المنظمات الدولية".

واعتبر لافروف أن أزمة المهاجرين "تنبع من السياسة التي انتهجتها الدول الغربية، بما في ذلك أعضاء الناتو والاتحاد الأوروبي، منذ سنوات عديدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في محاولة لفرضها عليهم"، مضيفاً "حل هذه المشاكل يجب أن يقوم على أساس احترام قواعد القانون الدولي".

إلى أين وصلت الأزمة؟

أوضح متحدث باسم المخابرات البولندية: "لقد بدأ أكبر جهد لفرض السيطرة على الحدود البولندية". وحشدت بلاده آلاف الرجال وأقامت سياجاً من الأسلاك الشائكة للدفاع عن حدودها مع بيلاروسيا.

وأفادت وزارة الدفاع البولندية بأنها تتعامل مع مجموعات صغيرة من المهاجرين تحاول اقتحام الحدود في نفس الوقت، متهمةً مسؤولين بيلاروسيين باستخدام "التخويف" لإجبار المهاجرين على اختراق الحدود. وأخبر مهاجرون "بي بي سي" أن السلطات في بيلاروسيا صادرت هواتفهم ودفعتهم نحو السياج الحدودي.

وأرسلت ليتوانيا قوات إضافية إلى الحدود مع بولندا وبيلاروسيا في مواجهة توافد المهاجرين نحو الحدود الأوروبية، وتراوح أعدادهم بين 1000 و5000، وفق تقديرات إعلامية.

"نوع جديد من الحرب، يستخدم فيها الناس كدروع بشرية"... كيف تورط لاجئون عرب في "أكبر غزو بشري لأسباب إنسانية" للحدود الأوروبية منذ سنوات؟

ما مصير اللاجئين؟

منذ بداية الأزمة، لقي نحو 10 لاجئين مصرعهم. وانتشرت صور للاجئين في أوضاع مزرية وهم في خيام أو على الأرض يشعلون النار للتدفئة في درجة حرارة تقترب من الصفر.

واستخدم الجيش البولندي الغاز المسيل للدموع لتفريق المهاجرين، ما أضر بصحة البعض منهم لا سيّما الحوامل والأطفال.

ولا تزال مجموعة اللاجئين، ومعظمهم من الأكراد، تتمركز أمام السياج البولندي بعدما عسكر أفرادها على الحدود في حالة جسدية ونفسية صعبة. وقالت لجنة الحدود البيلاروسية إن المهاجرين "ليس لديهم ماء ولا طعام ولا يوجد في المخيم حتى الشروط الدنيا للنظافة اليومية".

ويقول مدافعون عن حقوق الإنسان إن المهاجرين مجرد "قطع شطرنج" في "لعبة سياسية" بين بيلاروسيا وجيرانها. واتهموا بولندا بدفع المهاجرين عبر الحدود، في انتهاك صارخ لقواعد اللجوء الدولية.

وشددت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشليه، على أن الأزمة "غير مقبولة" وأن المهاجرين لا ينبغي أن يقضوا ليلة إضافية في العراء. وقالت المتحدثة باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، شابيا مانتو، إنها قلقة من "استخدام اللاجئين وطالبي اللجوء والمهاجرين لتحقيق غايات سياسية"، مطالبةً بأن يتوقف ذلك على الفور.

وحذّر رئيس إدارة الأمن القومي البولندي، ستانيسلاف زارين، من أن يتعرض اللاجئون لاعتداءات من الوحدات المسلحة البيلاروسية التي قال إنهم كانوا تحت سيطرتها، فيما قال نائب وزير خارجيته بيوتر وورزيك إن "بيلاروسيا تريد أن تتسبب بحادث كبير ويفضل أن يكون ذلك بإطلاق أعيرة نارية وسقوط ضحايا".

وقال مواطنهما، وزير الداخلية البولندي ماريوس كامينسكي، إن أجهزته تراقب الوضع في المناطق الحدودية منذ عدة أيام و"مستعدة لأي سيناريو"، مشدداً على أن "الدفاع الصارم عن الحدود هو أولويتنا. لقد رفعنا عدد حرس الحدود والشرطة والجنود". وكتب على حسابه على تويتر "نحن ننتظر وجاهزون".

وليس واضحاً كيف قد تنتهي الأزمة، لكن رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، طالبت بفرض عقوبات جديدة على مينسك بسبب الأزمة على الحدود مع بولندا، بعدما وصفتها بـ "الهجوم المزدوج" لأسباب سياسية. 

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard