كيف كرهت الكُرد؟

السبت 13 نوفمبر 202104:24 م

كان لفظ "أبو جية"، مبهم الفهم بالنسبة إلى سكان الجزيرة السورية من غير الكرد، في تسعينيات القرن الماضي. إلا أنه كان يشير في الفهم الجماعي، إلى مجموعة من حَمَلة السلاح الذين يخاف منهم حتى الكرد، وهم بطبيعة الحال ليسوا في مناطق قريبة من المدن السورية، وإنما في الجبال المشكِّلة للحدود بين العراق وتركيا، ولجزء من الحدود مع سوريا. وكانت هذه المجموعة ملاذاً للعشاق الذين لا تقبل نذور محبتهم، وأذكر أن "نسرين"، ابنة جيراننا التي كانت لها شقيقة توأم تدعى "شيرين"، هربت وحبيبها الكردي أيضاً إلى الجبال، لتنضم إلى الـ"أبو جية"، لحماية حبهما، وانقطعت أخبارهما لاحقاً، لكن "شيرين"، ظلت تدفع ثمن هروب شقيقتها التوأم.

لأن "الخطيفة" فضيحة بالنسبة إلى سكان المنطقة الشرقية، فقد كان ذوو أي فتاة كردية هاربة يشيعون في الحي الذي يقطنون فيه أن ابنتهم خُطفت من قبل "أبو جية".

كما أن هذه المجموعة كانت تُتّهَم بخطف الفتيات اللواتي يقررن يوماً أن يحزمن بعضاً من الذكريات، وقليلاً من الثياب، ليهربن مع أحبتهن من قيود المجتمع، وأذكر أيضاً أن فتاةً كردية كان لها اسم مميز "روما"، وهو اسم اختارته والدتها التي كنا نناديها "خالة إيطاليا"، وقد كسبته جارتنا الطويلة الشقراء لأن والدها كان يحب البلد ذا النساء الجميلات، هربت مع حبيبها إلى جهة مجهولة.

ولأن "الخطيفة" فضيحة بالنسبة إلى سكان المنطقة الشرقية، فقد كان ذوو أي فتاة كردية هاربة يشيعون في الحي الذي يقطنون فيه أن ابنتهم خُطفت من قبل "أبو جية"، ونُقلت قسراً إلى الجبال. لكن صدفةً أو حادثةً ما قد تكشف الكذبة التي يحاول ذوو الهاربة الاختباء وراءها، فـ"روما"، صُدمت بسيارة في دمشق، بعد عام تقريباً من هروبها. ولأن ذويها خافوا من أن تُكشف كذبتهم، قتلوها بمجرد أن وصلت إلى البيت متعكّزةً على والدها. من قتلها تحديداً كان شقيقها الأكبر الذي لم يحتمل نظرات الناس إليه، وقد عادت أخته حاملاً من زوجها الذي بقي في دمشق ظنّاً منه أن زوجته ستعود بعد زيارة قصيرة إلى أهلها الذين أوهموه بتقبّل الزواج، وقد شكلت هاتان الحادثتان ركيزةً بالنسبة إلي، لأبني فهماً مفاده أن الـ"أبو جية"، أشرار وحسب، فقد تسببوا مرّتين بحدوث حزن في حارتنا، على صغرها.

أذكر أن "نسرين"، ابنة جيراننا التي كانت لها شقيقة توأم تدعى "شيرين"، هربت وحبيبها الكردي أيضاً إلى الجبال، لتنضم إلى الـ"أبو جية"، لحماية حبهما، وانقطعت أخبارهما لاحقاً، لكن "شيرين"، ظلت تدفع ثمن هروب شقيقتها التوأم

في أواخر التسعينيات، بدأت مرحلة من تشكل الوعي بـ"أبو جية"، لدى سكان الجزيرة السورية، وهي الكلمة التي تعني نسب أنصار حزب العمال الكردستاني إلى قائده، عبد الله أوجلان، المعروف بلقب القائد "آبو"، واللاحقة "جية"؛ لفظ يلحَق بالكلمة الأصل، للدلالة على نسب مؤيدي و"آبو"، وأتباعه، إليه، وقد عُرف معنى الكلمة بالنسبة إلى الكثيرين من سكان الجزيرة السورية من غير الكرد، بعد نبأ اعتقال "أوجلان"، من قبل المخابرات التركية، ثم بدأ تشكّل وعي بمناسبات متعددة تهم سياسيي الكرد، مثل "ذكرى حلبجة"، والتي توجب الوقوف "خمس دقائق صمت"، إحياءً للمجزرة التي ارتُكِبت في قرية "حلبجة"، في شمال العراق، بالأسلحة الكيميائية. ومن غير قصد، كنا نشعر بأن هذه الوقفة من قبل أقراننا في الثانوية تستفزنا، إذ لا يجب أن تكون للسوري قضية غير القضايا الوطنية والعربية، وهذا ما قد يدفع نحو حدوث شجار جماعي بين طلاب المدرسة، من دون أن يعي أيٌّ من المشاركين في هذه المشاجرة حقيقة ما جرى في حلبجة آنذاك.

كانت تُتّهَم مجموعة "أبو جية" بخطف الفتيات اللواتي يقررن يوماً أن يحزمن بعضاً من الذكريات، وقليلاً من الثياب، ليهربن مع أحبتهن من قيود المجتمع.

وقعت حرب العراق، وسقط بلد عربي بيد القوات الأمريكية. وبحكم أن عدداً من المحطات الإخبارية تحدث عن دور كردي في محاربة الحكومة العراقية، أو ما "استفادته القوى الكردية من الاحتلال الأمريكي"، وبعد ضخ معلوماتي حول دور "البيشمركة" في الحرب، باتت لدى الجيل الذي كان في عمر المراهقة وقت الحرب، مفردة جديدة تشير إلى "الأشرار من الكرد"، فـ"أبو جية"، و"البيشمركة"، فصائل مسلحة تقاتل العرب، فهي من اعتقلت طه ياسين رمضان، أحد معاوني الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، وسلّمته إلى القوات الأمريكية في 19 آب/ أغسطس من العام 2003، وعلى هذا الأساس بدأ يتعزز لدى المكونات المجتمعية في الجزيرة السورية نوع من الكراهية تجاه كل من يردد هاتين المفردتين بفخر من الكرد، ولم نكن لنعرف حينها أن كلمة "بيشمركة"، مركبة من مقطعين "بيش"، وتعني أمام، و"مرك"، وتعني الموت، وهو تحدّي الموت، فيما يذهب البعض نحو ربط هذا المسمى بمشاركة المقاتلين الكرد في الحرب العالمية الثانية إلى جانب القوات الألمانية كـ"مرتزقة"، براتب قيمته خمسة ماركات ألمانية شهرياً، ورقم خمسة يُلفظ أيضاً بقول "بيش"، فنتج الاسم "بيش مارك"، ومع التحوير اللفظي للسكان أصبح "بيشمركة".

خلال آذار/ مارس من العام 2004، كان ثمة مناسبة جديدة لتتنامى كراهية الكرد لدى جيل كامل من أبناء المنطقة، بعد الذي شهدته محافظة الحسكة السورية من أحداث "شغب" في مباراة كرة قدم جمعت نادي "الجهاد" ونادي "الفتوة"، في مدينة القامشلي، لتتحول إلى صدام لا يمكن حصره تحت مظلة السياسة. وعلى الرغم من أن هذه الأحداث لم تستمر في جذوتها أكثر من أسبوع واحد من الصدامات، والمظاهرات، وما إلى ذلك، إلا أنها تحولت إلى سببٍ لخلق رد فعل سلبي تجاه الكرد، من قبل شريحة عددها ليس بالقليل، فالأقاويل عن هذه الأحداث كثرت، مثل "ضبط خلايا مسلحة في الحسكة، وشبكات تمويل، وما إلى هنالك"، وقد تفاجأت بأن الكرد حينها ذهبوا إلى "جبل كوكب"، واحتفلوا بـ"النيروز"، على خلاف ما أشيع من أن الحكومة ستمنع ذلك، خشيةً من تحول ذلك العيد المزركش بألوان ثياب الصبايا، وأغاني الكرد، إلى مظاهرة، أو تجمع سياسي. وعلى الرغم من أن الهدوء عمّ أرجاء الجزيرة السورية، وباتت هذه الأحداث من الماضي، إلا أن الربط بين "خيانة كرد العراق"، و"خيانة أكراد الجزيرة"، كانت عناوين المبالغين من أقراننا من جيل الشباب، الأمر الذي أدى إلى نمو الشعور بـ"كراهية" الكرد.

خلال آذار/ مارس من العام 2004، كان ثمة مناسبة جديدة لتتنامى كراهية الكرد لدى جيل كامل من أبناء المنطقة، بعد الذي شهدته محافظة الحسكة السورية من أحداث "شغب" في مباراة كرة قدم جمعت نادي "الجهاد" ونادي "الفتوة"، في مدينة القامشلي، لتتحول إلى صدام لا يمكن حصره تحت مظلة السياسة

المفارقة الأكبر كانت مع الحرب الدائرة في سوريا منذ عام 2011، إذ يمكن القول إن السوريين، على الرغم من اختلافاتهم الشديدة، اتفقوا على ممارسة لغة الكراهية ضد الكرد الذين لا يمكن إنكار أنهم تسلّحوا أول الأمر بموافقة من الحكومة السورية، لحماية مناطقهم، لتعود كلمة "أبو جية"، إلى الظهور وبقوة، وباتت "مجموعة الأشرار"، التي كنا نسمع عنها، جزءاً من الحرب على "الأشرار"، من حملة الفكر التكفيري، وهنا بات موضوع التعامل مع "الوحدات الكردية"، ملتبساً من قبل وسائل الإعلام السورية. فعلى سبيل المثال، في تغطية المعركة التي بدأها تنظيم داعش في صيف عام 2015، على مدينة "كوباني"، والتي كانت واحدة من "المعارك العرقية"، كانت وسائل الإعلام السورية تنقسم في وصف الحدث، فالكل متفق على أن داعش تنظيم إرهابي، لكن البعض يسمّي المقاتلين المدافعين عن المدينة "الوحدات الكردية" وحسب، وآخر يُسبق الاسم بلفظ "ميليشيا"، أو "مرتزقة"، وتوصيف المعركة كان مختلَفاً عليه، تبعاً لأساس الكراهية التي تمارَس ضد الكرد، إذ إن داعش يطلق عليهم وصف "الملاحدة"، واتفق في ذلك مع جبهة النصرة، والتنظيمات الملتزمة بالفكر السلفي الجهادي كلها، فيما ذهبت فصائل المعارضة إلى وصفهم بـ"الميليشيا"، ورأوا أن هجوم داعش على عين العرب لم يكن سوى صراع أعداء بالنسبة إليهم، وتالياً ممارسة الكراهية كانت طبيعية.

كيف تخليت عن سماع الأغاني الكردية التي أحبّ، لمغنين مثل شيدا، وشيفان بيرور، وغيرهما؟

بعد أن تشكلت "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، من خلال اندماج مجموعة من الفصائل المسلحة المختلفة المكونات تحت قيادة "الوحدات الكردية"، بات توصيف "ميليشيا"، هو المستخدم من قبل وسائل الإعلام السورية التي نحت نحو اصطفاف سياسي داعم للحكومة، ومن خلال الممارسة يكون من الطبيعي أن يذهب الصحافي لاستحضار كامل الأسباب التي تعزز إيمانه بأن "قسد"، مجموعة من الميليشيات التي تقاتل لتحقيق هدف حكومة أجنبية تتمثل في "أمريكا"، حتى وإن كان الأمر يتعلق بقتال تنظيم إرهابي مثل "داعش". ولا شعورياً، عادت صور "نسرين، وروما، ووقفات الطلاب في ذكرى حلبجة، وأخبار العراق في العام 2003، وأصوات مذيعي الأخبار وهم يقصّون ما يجري في العراق، ومشاركة البيشمركة في الحرب ضد بلد عربي"، لترقص أمامي، وربما أمام آخرين، في محاولة للنيل من ماضي الفصائل الكردية المسلحة، وإظهارها على أنها فصائل عميلة لقوى الاحتلال والاستعمار.

وربما تقاسمت مع الكثير من الصحافيين عملية البحث عن التفاصيل المشينة كلها، لمسيرة هذه الفصائل؛ من اتفاقيات تسليم المناطق التي عُقدت مع داعش في "منبج، والطبقة، والرقة، وريف دير الزور"، وإحصاء عدد القتلى من المدنيين بقصف المقاتلات الأمريكية، ورحت أنسبه إلى "قسد"، أيضاً بوصفها الجهة السورية الشريكة للقوات الأمريكية في تدمير أكثر من 85 في المئة من الكتلة العمرانية لمدينة الرقة، خلال المعارك التي شهدتها، قبل أن ينسحب التنظيم من عاصمة دولته في سوريا، نحو مناطق شرق الفرات؛ ذلك كله لننكر أن "الكرد"، تسلّحوا أول الأمر لحماية أنفسهم من تهمة "الإلحاد"، التي أُلصِقت بهم من قبل التنظيمات الإرهابية، والتي توجب "الإبادة العرقية"، علّهم يتمكنون يوماً من العودة إلى المطالبة بـ"الحقوق الثقافية"، لكن قادة الكرد وجدوا أنفسهم لاحقاً في مشروع سياسي أكبر من أحلامهم البسيطة التي كانت تغازل مخيلتهم قبل عام 2011، والتي كانت تنحصر ببعض الحقوق الثقافية.

أعترف بأنني مارست الكراهية في الخطاب، نتيجة تلقّي الكراهية التي مارستها وسائل الإعلام في مراحل متباعدة تجاه الكرد بوصفهم "عملاء، وانفصاليين، وأشراراً"

قد يكون في الأمر علاقة مصلحية يحاول من خلالها بعض سياسيي الكرد أن يحققوا حلم الدولة التي يبحثون عنها منذ عقود، لكن ما الذي يجعلني أنظر اليوم إلى "روما"، على أنها فتاة سيئة الأخلاق، على الرغم من أني كنت أراها أجمل من في الحارة، وكنت على صغري قد اتفقت معها على أن أناديها بـ"ريما"، لكونه أسهل من روما؟ وكيف لي أن أشمت بـ"شيرين"، التي بقيت محرومةً من الحب والأمومة، لأن شقيقتها "نسرين" هربت بحبّها إلى "جبل قنديل"؟ ثم كيف تخليت عن سماع الأغاني الكردية التي أحبّ، لمغنين مثل شيدا، وشيفان بيرور، وغيرهما؟ وكيف نسيت حركات دبكة "باكية"، التي كنت أستمتع جداً حين أكون واحداً من راقصيها في عرس ما؟ وكيف صرت أخشى أن أسمع صوت أغنية كردية خلال تصفّحي فيسبوك، أو أخاف من أن أقول إني أحب أدب سليم بركات، ومحمد باقي محمد، اللّذين كتبا باللغة العربية، الأمر الذي أدهشني في الرواية والقصة القصيرة، حتى أني أقول كيف لأديب أن يصف نفسه بـ"الأديب الكردي"، وهو يكتب باللغة العربية؟ أين حرف لغته التي ينطقها، وإذا ما حاول كتابته استعاض بالحرف العربي، أو اللاتيني؟

لا أملك في ذاكرتي نقطة صفر محددة، لممارسة لغة الكراهية ضد "الكرد"، كمكون عرقي، بسبب مواقف بعض القوى السياسية التي تدعي تمثيله، وقد أذهب نحو الاعتراف بأنني مارست الكراهية في الخطاب، نتيجة تلقّي الكراهية التي مارستها وسائل الإعلام في مراحل متباعدة تجاه الكرد بوصفهم "عملاء، وانفصاليين، وأشراراً"، في تعميم خلط بين الفلاح البسيط، والسياسي الطامح، وخلط الغناء بالنفط، ليقدم جملة غير متجانسة من الأهداف التي يريدها قادة التيارات السياسية الكردية في آن معاً. حال الكردي البسيط يشبهني في تلقّي الكراهية، ويشبهني في ممارستها، لكن المصيبة هي في أن أبقى أمارسها فترةً أطول، بفعل استمرار الحرب، والمصيبة الأكبر أن تمضي الحرب وتبقى آثار الكراهية أشبه بـ"حركات التشكيل"، لجمل الأخبار التي نكتبها.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard