لن نحرز أي تقدّم قبل أن نغيّر نمط تفكيرنا

السبت 6 نوفمبر 202111:28 ص
Read in English:

Progress requires a new mindset -Mohamed ElBaradei addresses the Arab world’s youth

الطقس اليوم في المنطقة الريفية التي أقصدها بين الحين والآخر، هرباً من المدينة والتزاماتها، باردٌ؛ مزيج من الشمس والمطر. الهواء النقيّ يعطيك طاقةً لا تجدها في المدن، والمساحات الممتدة من الأراضي الزراعية، التي يتم تحضيرها لمحصولٍ جديد، تعطيك رؤيةً وأحاسيس لا تستشفّها في الحضر.

رأيت أنّ توقّف المطر قد يكون فرصةً للتريّض في الطرق المتعرجة التي تتخلل الحقول المحيطة بمنزلي. لم أحدّد لنفسي وجهةً، أو وقتاً معيّناً، أردت أن أقوم بالنشاط الذي ينصح به الأطباء من هم في عمري، للمحافظة على ما تبقّى من لياقةٍ، فحسب. لم تصادفني كالمعتاد إلّا سيارة واحدة، وجرّار زراعي أعرف صاحبيهما بالشكل، وتبادلنا التحية عن بعد، ليستمر كلٌّ منّا في طريقه. المنطقة لا يسكنها إلا نفرٌ قليلٌ من المزارعين، ويعتمدون بشكلٍ كامل على المعدّات الحديثة، لزراعة مساحاتٍ شاسعة من الأراضي.

قررت أن أبتعد عن متابعة الأحداث اليومية التي هي في معظمها محبطة، ومؤرقة، وأن آخذ فترة راحة أكتفي فيها بالقراءة في الأدب، والثقافة، والتاريخ.

عزمت، منذ أن جئت إلى هنا، على أن أقضي معظم وقتي في قراءة الكثير مما أجّلت، وأن أستخدم الوقت المتاح للتواصل مع أفراد عائلتي المقيمين في أماكن متفرقة، خاصةً حفيدتيّ اللتين يُشعرني الحديث معهما بأحاسيس مفعمة بالأمل، وتجدّد الحياة؛ أحاسيس تخفّف من وطأة الحياة اليومية. المهم، قررت أن أبتعد عن متابعة الأحداث اليومية التي هي في معظمها محبطة، ومؤرقة، وأن آخذ فترة راحة أكتفي فيها بالقراءة في الأدب، والثقافة، والتاريخ.

وجدتُني للأسف، قبل أن أغادر المنزل، أقوم تلقائياً بإلقاء نظرة سريعة على سيل الأخبار الذي لا ينقطع على هاتفي الجوّال، للتأكد من عدم وقوع "حدث ما" ربما ينبغي أن أكون على درايةٍ به؛ ليس بالطبع لأنني سأتمكّن من تغيير شيء، وإنما هي العادة التي أصبحت جزءاً من الروتين اليومي. ويا ليتني لم أفعل؛ فعلى الرغم من أنني، لحسن الطالع، لم أجد أخباراً عن نشوب "حرب نووية"، أو شيئاً من هذا القبيل، إلا أنّ هاجساً مخيفاً تملّكني، وهو أننا نسير بخطى ثابتة نحو تدمير أنفسنا على "نار هادية".

في دقائق معدودة، انهالت "آخر الأخبار": جرائم إبادة عرقية في إثيوبيا؛ 42 مليون إنسان معرّض للموت جوعاً، من دون أن يبالي أحد، ومئات على وشك الموت غرقاً في المتوسط، من دون أن يكترث أحد، وثلثا شعب اليمن يتعرّضون لخطر مجاعة تزداد سوءاً، ونصف الشعب السوري تحوّل إلى لاجئين في الداخل والخارج، ومأساة الشعب الفلسطيني تتدهور من السيئ إلى الأسوأ، ومحاولات حثيثة لتصفية القضية تجري على قدم وساق، والمناخ يتغيّر بوتيرة سريعة كارثية، وأغلب الظن أنه سينتهي بتغيير شكل الحياة على كوكبنا كما نعرفها، والدول الغنية تقوم بتطعيم شعوبها بثلاث جرعات ضد فيروس كورونا، بينما نحن في إفريقيا لم نتمكن من تطعيم سوى خمسة في المئة من أهلنا، وقرابة السبعين رجلاً يملكون ثروةً تماثل ما يملكه نصف سكان الكرة الأرضية من الفقراء، والخلافات بين أمريكا وأوروبا من ناحية، والصين وروسيا من ناحيةٍ أخرى، تزداد توتراً واشتعالاً، والكل متربّص للآخر بأسلحة نووية، وبيولوجية، وسيبرانية، بإمكانها أن تقضي علينا، وعلى الأخضر واليابس في لحظات.

على الرغم من أنني، لحسن الطالع، لم أجد أخباراً عن نشوب "حرب نووية"، أو شيئاً من هذا القبيل، إلا أنّ هاجساً مخيفاً تملّكني، وهو أننا نسير بخطى ثابتة نحو تدمير أنفسنا على "نار هادية"

أغلقت هاتفي، وغادرت المنزل مسرعاً، لأتنفّس بعض الهواء النقي، وألمس لسعته، لعلّه يساعدني على فهم ما يحدث لعالمنا. حاولت قدر الإمكان ألا تطغى على مشاعري، وألا يغلب عليّ التشاؤم، وإنما أن أفكّر قدر الإمكان بهدوء وموضوعية، في مكانٍ بعيدٍ عن الناس، وعن العمران.

لقد درست وعملت في الشرق والغرب، ومارست وظائف ومهمات في مجالات كثيرة ومتعددة، ولكن ما أراه اليوم يختلف عمّا رأيته من قبل. نعم كانت هناك حروب وكوارث وبؤس تمكنّا من التغلب على بعضها، وما زال الكثير منها معنا. ولكن الأخطر هذه المرة، أن بعض التهديدات التي نتعرض لها اليوم، هي تهديدات وجودية بسبب "تقدّمنا" العلمي الذي مكّنَنا من تطوير أسلحة دمار تضاهي الخيال العلمي، بالإضافة إلى ما نقوم به من دون كلل، من تدميرٍ سريع لكوكبنا؛ مخاطر وجودية قد لا تقوم للأسرة الإنسانية بعدها قائمة، إن لم نتعامل معها بما تستحقه من تغيير جذري في التفكير، والمقاربة، والأسلوب. ولكن المؤلم والمدهش أننا نتعامل مع أنفسنا، ومع عالمنا، كما لو أن شيئاً لم يتغير.

هناك الكثير الذي يجب علينا عمله، وبسرعةٍ، لإنقاذ أنفسنا. الوقت ليس في صالحنا:

لقد درست وعملت في الشرق والغرب، ومارست وظائف ومهمات في مجالات كثيرة ومتعددة، ولكن ما أراه اليوم يختلف عمّا رأيته من قبل.

أولاً: علينا أن ندرك أنه مهما كانت اختلافاتنا العرقية، والدينية، واللّغوية، وغيرها، فيجب أن نتعلم من التاريخ أننا في النهاية أسرة إنسانية واحدة، نتشارك الكوكب نفسه، وما يجمعنا يفوق بكثيرٍ ما يفرّقنا. ولكننا للأسف، ما زلنا نغلّب اختلافاتنا السطحية على إنسانيتنا، ولنا في منطقتنا أمثلة لا تُعدّ ولا تُحصى من حروبٍ، وصراعاتٍ، وانقساماتٍ، "على الهوية والعرقية والمذهبية"، تنتمي أكثر إلى عصور الجاهلية، من دون أن يتبادر إلى أذهاننا أننا بشر في المقام الأول والأخير، وأن لدينا كمّاً هائلاً من الروابط الثقافية والتاريخية، بالمقارنة مع أي منطقة أخرى في العالم، والتي يمكن، إن أردنا، أن تكون نقطة انطلاق لتغيير حالنا، وأحوالنا. لقد فقدنا القدرة على رؤية الغابة، لأننا ننظر إلى الأشجار فحسب.

ثانياً: علينا أن نتقبّل أنه لا بديل، مهما كانت اختلافاتنا وخلافاتنا، من التوصّل إلى أطر وأساليب للعيش معاً، وتقبّل الآخر على أساس المساواة، والاحترام، والتضامن، وأن نفهم أن تعدّدياتنا، واختلافاتنا، هي مصدر إثراء وقوة، وليست دليل وهنٍ أو ضعف، ورحلتنا معاً في الحياة، كأسرة إنسانية، ليست معركة صفرية؛ لقد أصبحنا، شئنا أم أبينا، عالماً واحداً لا يمكن فصل جزء منه عن الآخر، ولنا في فيروس كورونا عبرة. والخلاصة أننا إما سننجح معاً، أو سنفشل الواحد تلو الآخر.

ثالثاً: علينا أن نتيّقن من أن التعاون والعمل المشترك لم يعودا مسألة اختيار. إن التهديدات الكبرى التي نواجهها اليوم، من تغييرات في المناخ إلى الأمراض المعدية، ومن الجريمة المنظّمة إلى الأمن السيبراني، ومن الإرهاب إلى الفقر، هي كلها تهديدات متشابكة لا تعرف الحدود، ولا يمكن مواجهتها إلا بالتعاون الدولي، مهما كانت قوة أي دولة. لقد أصبح التعاون، وليس التناحر، فرض عين.

الأخطر هذه المرة، أن بعض التهديدات التي نتعرض لها اليوم، هي تهديدات وجودية بسبب "تقدّمنا" العلمي الذي مكّنَنا من تطوير أسلحة دمار تضاهي الخيال العلمي، بالإضافة إلى ما نقوم به من دون كلل، من تدميرٍ سريع لكوكبنا

رابعاً: علينا أن نعترف بأن نظام الأمن الدولي الذي يقوم على اعتماد "نخبة" على السلاح النووي، وتحريمه على الآخرين، هو نظام غير عادل، وغير مستدام. لقد أصبح من الضروري بناء نظام دولي جديد، يوفّر الأمن للجميع، ويقوم على المساواة. وغني عن القول إنه لا مكان في هذا النظام لأسلحة الدمار الشامل.

وأخيراً: يجب أن نصل معاً إلى قناعة، لها أهميتها الخاصة في عالمنا العربي، أنه لن يوجد نظام حكم رشيد، ومستقرّ، ما لم يضمن لكل إنسان حرياته الأساسية: حرية التعبير، والعقيدة، والحرية من الخوف ومن العوز؛ نظام يقوم على احترام رأي الأغلبية، وحماية حقوق الأقلية، وعلى الفصل بين المجالين العام والخاص. بمعنى آخر، نظام يقوم على المساواة، والحرية، والعدالة الاجتماعية. الديموقراطية، بكل ما تعنيه من مناخ، ومؤسسات، ومجتمع مدني، تتعدى صندوق الانتخابات، وعلى الرغم من كل ما يشوبها من نقص، ما زالت هي أفضل النظم التي توصّلنا إليها، لتحقيق حرية الإنسان، وكرامته، وخلق مجتمع في سلام مع نفسه، قائم على العلم والإبداع.

يجب أن نصل معاً إلى قناعة، لها أهميتها الخاصة في عالمنا العربي، أنه لن يوجد نظام حكم رشيد، ومستقرّ، ما لم يضمن لكل إنسان حرياته الأساسية: حرية التعبير، والعقيدة، والحرية من الخوف ومن العوز؛ نظام يقوم على احترام رأي الأغلبية، وحماية حقوق الأقلية، وعلى الفصل بين المجالين العام والخاص

كل ما أوردته هنا، هي دروس علّمتنا إياها التجربة والتاريخ، تحتّم علينا أن نغيّر من نمط تفكيرنا، من الـmindset، من دون تردّدٍ، إذا أردنا تغيير واقعنا البائس. وإذا كانت "الموضة" الآن، هي الحديث عن ضرورة بناء "صرح أفضل" للإنسانية، بعد أن كشف فيروس كورونا خلل الصرح القائم، وهشاشته، فيقيني أننا لن نستطيع إحراز أي تقدّم، قبل أن نغيّر من نمط تفكيرنا. معركتنا هي معركة فكرٍ وقيم في المقام الأول.

عدت مرةً أخرى إلى منزلي، بعد قليل من العصف الذهني، لأكتب هذه الكلمات. وإذا كنت أشك في أني قد أضفتُ جديداً، فليس لدي شكّ في أن التريّض قد ساعدني في إنعاش الذهن، وتجديد الطاقة، وأنني قد استمتعت بما توفّره الطبيعة من هدوءٍ، وسكينةٍ، وجمال.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard