اللجنة الدستورية السورية في عامين... أمل مزيّف وإصلاح بمزاج روسي

الجمعة 5 نوفمبر 202101:26 م

دخل المسار الروسي المُشكِّل لـ"اللجنة الدستورية" من قبل الأمم المتحدة عامه الثالث، بجولات ست، وبنتائج مخيّبة للآمال والتطلعات. ومع الحراك الدولي الواسع بعد الجولة الخامسة التي انعقدت في كانون الثاني/يناير 2021، تركزت الأنظار على الجولة الأخيرة، التي عُقدت من 18 إلى 22 أكتوبر/تشرين الأول الماضي بعد انقطاع دام تسعة أشهر.

واللجنة الدستورية نتاج مسار مضاد لجنيف، رسمته خريطة الصراع الجديدة بعد التدخل الروسي في 2015، واكتمل نصابه مع سيطرة تركيا على أجزاء من ريف حلب، واستفادت أطراف هذا المسار من الجمود الذي عانى منه مسار جنيف، وعدم قدرة الأطراف على الاتفاق على سلة الحكم الانتقالي، على مدار ثماني جولات.

سعى المبعوث الدولي ستيفان دي مستورا، إلى تهيئة وفد المعارضة لنقل أجندة المفاوضات من هيئة الحكم إلى اللجنة الدستورية، وذلك في الجولة السادسة من مؤتمر جنيف، في 16 أيار/ مايو 2017، عندما قدّم للأطراف ورقةً سُمّيت "المبادئ الأساسية"، والتي تنص في جوهرها على السعي إلى إنشاء آلية تشاورية حول المسائل الدستورية والقانونية.

تتجسد عناصر الخلاف الرئيسية في المبادئ التي من المفترض أن تتم مناقشتها، ويُصرّ النظام بشكل دائم على ما يُسمّى "المبادئ الوطنية"، بينما المعارضة تدفع باتجاه البدء بعملية صياغة دستورية، وفقاً "للمبادئ الدستورية".

وقبل أن يركّز مسار جنيف بدءاً من جولته السادسة، على المسار الدستوري، قدّم المبعوث الأممي ما يُسمّى مبادرة "السلال الأربع"، عندما قام بإيجاد آلية تقنية لتطبيق القرار الأممي 2254 (2015)، وهذا ما أطلقت عليه المعارضة "أستَنت جنيف"، وبدا لاحقاً الطريق سالكاً أمام ما يُسمّى مؤتمر سوتشي (2018)، في إطار "العملية الدستورية"في يناير/كانون الثاني 2018.

خلاف المبادئ والعدالة

تتجسد عناصر الخلاف الرئيسية خلال الجولات الخمس الدستورية، في المبادئ التي من المفترض أن تتم مناقشتها، ويُصرّ النظام بشكل دائم على ما يُسمّى "المبادئ الوطنية"، بينما المعارضة تدفع باتجاه البدء بعملية صياغة دستورية، وفقاً "للمبادئ الدستورية".

واعترت العملية الدستورية خلافات جوهرية، فبقي "خلاف القواعد الإجرائية" مستمراً، مع محاولة المبعوث الأممي غير بيدرسون، في الجولتين الرابعة والخامسة، حل الإشكال، وتقريب وجهات النظر، من خلال تقسيم الوقت والجولات، على أن تكون مناصفةً بين المبادئ الوطنية، والمبادئ الدستورية، ولكن دون أي نتيجة.

ومع نهاية الجولة الرابعة، وخلال إحاطة بيدرسون مجلس الأمن بمجريات العملية الدستورية، تداول مصطلح "العدالة التصالحية"، بدلاً من الانتقالية، ما تسبب بموجة لاذعة من الانتقادات بحكم أنَّ هذا المصطلح هو خرق لروح القرار الأممي 2254.

انتهت الجولات الخمس بوصف بيدرسون للجولة الخامسة بأنها "فرصة ضائعة"  و"خيبة أمل"

وينص القرار الذي صوّت عليه مجلس الأمن، يوم 18 كانون الأول/ ديسمبر 2015، على بدء محادثات السلام في كانون الثاني/ يناير 2016، وأكد على أن الشعب السوري هو من يقرر مستقبل البلاد، ويدعو إلى تشكيل حكومة انتقالية، وإجراء انتخابات برعاية أممية، كما يطالب بوقف أي هجمات ضد المدنيين بشكل فوري.

وأصدرت شخصيات عدة في المجتمع المدني، بياناً نشرته إيلاف ياسين عبر صفحتها الشخصية، وهي عضوة في اللجنة الدستورية عن "المجتمع المدني"، ترفض ما جاء في الإحاطة، مطالبةً بالتركيز بشكل أساسي بعد إنجاز الحل السياسي، على "العدالة الانتقالية" . وقد روّج النظام لهذا المبدأ منذ منتصف العام 2015، في إطار المصالحات والتسويات.

في المحصلة، انتهت الجولات الخمس بوصف بيدرسون للجولة الخامسة بأنها "فرصة ضائعة"، و"خيبة أمل".

الأمل المزيّف

بعد انقطاع دام تسعة أشهر، تعود اللجنة الدستورية بجولتها السادسة، بعد جملة من التحضيرات قام بها المبعوث الدولي بيدرسون، من خلال الزيارات التي قام بها إلى دمشق وتركيا، لتحديد موعد جولة سادسة من العملية.

وقبل بدء أعمال الجولة، حدث لقاء مباشر هو الأول من نوعه بين المبعوث الأممي ورئيس وفد المعارضة هادي البحرة، ورئيس وفد النظام أحمد الكزبري، وأوحي الانطباع الأول بإحداث تقدّم جديد بعد التوافق على أربعة مبادئ أساسية سيتم نقاشها خلال الجولة، وهي: سيادة الدولة، وسيادة القانون، وقوى الأمن والجيش، والإرهاب والتطرف. وكانت هذه المرة الأولى التي يتّضح فيها مسار الجولة، وأجندتها، بعيداً عن الخلافات حول القواعد الإجرائية، والمبادئ التي من المفترض أن تتم مناقشتها.

سارت أعمال الجولة بشكل جيّد في الأيام الأولى، على الأقل خلال نقاش مبدأ "سيادة الدولة" الذي طرحه النظام السوري من خلال ورقة مكوّنة من أربع نقاط تلخصت بوحدة الجمهورية، ورفض التدخل في شؤونها الخارجية، وتحرير الأراضي السورية واستعادتها، ومنع أيّ عملية انفصال، وبسط السيادة على طول الخريطة السورية.

وحدث شبه توافق بين المكونات الرئيسية، وعلى هامش هذه الجولة، قال هادي البحرة إنَّ "المضامين الدستورية تكون محدّدةً، وتنطبق على الحالات كلها سواء بحالة خاصة، أو بفترة زمنيّة محدّدة، وكان من الواضح الخلط بين المبادئ الوطنية ‘السياسية’ التي يصرّ عليها النظام، والمبادئ الدستورية".

 طرح النظام مبدأ "سيادة الدولة" من خلال ورقة مكوّنة من أربع نقاط تلخصت بوحدة الجمهورية، ورفض التدخل في شؤونها الخارجية، وتحرير الأراضي السورية واستعادتها، ومنع أيّ عملية انفصال.

وفي اليوم الثاني، قدمّ وفد المعارضة مبدأً جديداً: "الجيش والقوات المسلحة والأمن والاستخبارات"، وتكوّن من أربع نقاط تلخصت في احترام مؤسسات الأمن والمخابرات القانون والدستور، وإبعاد الجيش عن الاستقطاب الأيديولوجي، والحزبي، والفئوي، ومهام الجيش تكمن في الدفاع عن الوطن، بينما مهام قوى الأمن حماية الأفراد، والمؤسسات، والحياد السياسي التام.

وقبل بدء أعمال اليوم الثالث، رأى رؤساء وفدَي المعارضة والنظام، أنّ هناك تفاعلاً إيجابياً من الأطراف كافة في سير الاجتماعات، ما يشير إلى إحداث خرق جيد، وتقدم في العملية، على الأقل حتى اليوم الثالث الذي طرح فيه المجتمع المدني مبدأ "سيادة القانون"، في ورقة طويلة تجاوزت العشرة بنود، ولكنها تلخصت في المساواة، وتكافؤ الفرص، والالتزام بالقانون الدولي والاتفاقيات التي انضمت إليها سوريا، وتنظيم آليات الاعتقال وفق القانون، ومنع التعذيب والاعتقال الاحتياطي، ومنع تشكيل المحاكم الاستثنائية.

وسرعان ما تعكّر صفو أعمال اللجنة الدستورية، وتشتتت الأنظار نحو دمشق وإدلب، بتفجير استهدف حافلة للجيش السوري في العاصمة، في 20 تشرين الأول/ أكتوبر، وأسفر عن مصرع وإصابة عدد من الجنود، وادّعت جهات سورية معارضة أن أجهزة النظام الأمنية متورطة فيه، ولحقه قصف على مدينة أريحا، وارتكاب مجزرة هناك في رسالة وضعتها المعارضة في إطار عدم رضا النظام عن أعمال اللجنة، ومشاركة إيران لها في عدم الرضا هذا.

استمرت أعمال اليوم الرابع بنقاش مبدأ طُرح من قبل النظام، وتكوّن من خمس نقاط، منها التأكيد على خطورة الإرهاب على الوطن وضرورة مكافحته، والتأكيد على دور الجيش في محاربة الفكر المتطرف، والدفاع عن الوطن. ولكن البند الثاني كان الأكثر جدلاً، وأعاد الأمور إلى نقطة الصفر، من خلال الإشارة إلى ضرورة "إنزال أشد العقوبات بكل من ينتمي لداعش، وجبهة النصرة، والإخوان المسلمين، وكل التنظيمات الإرهابية الأخرى".

أعاد النظام الأمور إلى نقطة الصفر من خلال الإشارة إلى "إنزال أشد العقوبات بمن ينتمي لداعش، والنصرة، والإخوان المسلمين، وكل التنظيمات الإرهابية"

أثار هذا البند جدلاً كبيراً، ورفضته المعارضة، وسرعان ما عاد تقاذف التصريحات، مع تمسّك المعارضة بمواقفها الإيجابية، خشيةً من ردة فعل الشارع السوري المستاء من انخراطها في المسار. فخلال مؤتمرٍ صحافي لوفد النظام، اتهم الكزبري المعارضة بأنّها لا تحمل أجندةً وطنيةً، وتتبع لتركيا، في حين قال هادي البحرة إنّ "أعمال العملية الدستورية مستمرة، وقد حققت تقدماً جيداً"، لكن بيدرسون حسم النتائج بقوله إنَّ الجولة اختُتِمت بخيبة أمل كبرى، من دون التوصل إلى أي تفاهمات، أو أرضية مشتركة.

وقال الرئيس الأسبق للائتلاف، أحمد معاذ الخطيب: "هذه اللجنة عبارة عن ملهاة روسية، مع سكوت الدول الإقليمية، لكسب الوقت لصالح النظام. هي نتيجة ما قرره محتلّو سوريا، والدساتير لا يمكن أن يتم وضعها من قِبل المحتلين، فهذه هي الديكتاتورية. وأشار في بيان إلى أنَّ هذا المسار هو مخرجات آستانة، وسوتشي، ووسيلة لكسب الوقت، وتجميد للعملية السياسية على أساس مقررات جنيف واحد، والتفاف على القرارات الدولية ذات الصلة".

إصلاح على المزاج الروسي

وفي خضم بدء أعمال الجولة السادسة، صرّح المبعوث الأممي بأنَّه تم الاتفاق على البدء بصياغة مسودة "إصلاح دستوري"، مما تسبب بموجةٍ كبيرةٍ من الانتقادات، كون عملية الإصلاح الدستورية لا تنسجم مع روح القرارات الدولية.

ورأت أوساط المعارضة السورية أن هذا التصريح بمثابة خرقٍ جديد، في ظل المساعي على مدار الجولات الماضية إلى إنجاز دستور جديد، وليس إلى إصلاح، بما فيهم الرئيس السابق للائتلاف نصر الحريري، الذي أصبح من أكثر المنتقدين للمسار، على الرغم من كونه أكثر من دفع باتجاهه.

"اللجنة عبارة عن ملهاة روسية وهي نتيجة ما قرره محتلّو سوريا، والدساتير لا يمكن أن يتم وضعها من قِبل المحتلين، فهذه هي الديكتاتورية"

وقالت مصادر خاصة لرصيف22، إنَّ اجتماع الهيئة العامة الأخير الذي أجراه الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، حدثت فيه خلافات بين فريق مؤيد للبقاء في العملية الدستورية كونها المنصة الدولية الوحيدة التي تعمل لإنجاز حل سياسي، وفريق آخر نبّه من مخاطر المتابعة فيه، كونه سيفضي في نهاية المطاف إلى "حكومة وحدة وطنية"، مع بقاء رئيس النظام السوري، ولا سيما بعد فشل الجولة السادسة التي بيّنت بشكل واضح، عدم رغبة النظام في تقديم أيّ تنازلات، ولكن رئيس اللجنة المشتركة للمعارضة حسم الخلاف، عندما أعلن استمرار المسار، والتمسك به".

وعند الحديث عن ماهية العملية، توجهت الأنظار نحو احتمال تعديل دستور 2012، الذي يُعدّ نسخةً مطورةً عن دستور 1973 (دستور حافظ الأسد)، ولكن رئيس وفد المعارضة هادي البحرة، وخلال مؤتمر صحافي، أوضح أنَّ الإصلاح الدستوري يعني إنجازَ دستور جديد للبلاد.

وتتخوف الحاضنة الشعبية السورية من تقديم وفد المعارضة تنازلاتٍ جديدة تتعلق بماهية العملية الدستورية، بالموافقة على التعديلات، أو الإصلاح، وهذا قد يعني إبقاء إرث حافظ الأسد الشمولي راسخاً في الدولة السورية، ولكن هذه المرة بصيغة دولية، وهنا يكمن الخطر الأكبر.

تتخوف الحاضنة الشعبية من تقديم وفد المعارضة تنازلاتٍ جديدة تتعلق بماهية العملية الدستورية، بالموافقة على التعديلات، وهذا قد يعني إبقاء إرث حافظ الأسد الشمولي راسخاً في الدولة السورية، ولكن هذه المرة بصيغة دولية، وهنا يكمن الخطر الأكبر.

قد لا يكون ما فسّرته المعارضة الشعبية من مصطلح "الإصلاح الدستوري" صحيحاً، لا سيما وأنَّه ورد في معظم الإحاطات التي قُدّمت إلى مجلس الأمن، ولكن مع ذلك تبقى هذه التخوفات مشروعةً، مع إصرار روسيا على إنجاز العملية الدستورية، وهذا ما يثير شكوكاً حول طبيعتها.

تتعاطى روسيا مع العملية السياسية على أنَّها دستورية فحسب، فمن السهل التكهّن بأنَّ المخرج السياسي الذي يمكن إنتاجه، من المحتمل أن يمنح بشار الأسد حق الترشح وفقاً للدستور الجديد، إذ تُعدّ ولايته الحالية وفق دستور 2012 هي الأخيرة، في حين تأمل المعارضة بعد الانتهاء من العملية الدستورية، أنّ ينتقل العمل نحو السلال الأخرى، ولا سيما هيئة الحكم، والانتخابات برعاية أممية.

وعن سيناريوهات هذا المسار، يمكن القول إنّ عملية الإنجاز ترتبط بمدى ممارسة الضغط الروسي على النظام السوري، لدفعه إلى تقديم تنازلات، وفي حال حصل ذلك سيكون من الممكن تحقيق تقدّم في الجولة السابعة المرتقبة، كما أنَّ تقديم المعارضة السورية تنازلاتٍ مشابهةً سيرفع فرص إنهاء حالة الاستعصاء. وفي حال لم يحدث ذلك، ستبقى الأطراف في مراحل سجال طويلة يصعب أن تنتج عنها أي نتائج، ما يعني ارتفاع احتمال انسحاب المعارضة السورية التي لا تملك خياراتٍ كثيرةً، مع تراخي الدعم الدولي لها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard