الانتخابات المرتقبة في ليبيا... حلم تهدده أطماع المسؤولين ومخاوف الحرب الأهلية

الخميس 4 نوفمبر 202103:23 م

في ليبيا يحدث الشيء وعكسه تماماً، فبينما تتشدق كل الأطراف السياسية في الداخل والخارج بإمكانية إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في موعدها المحدد في 24 كانون الأول/ ديسمبر المقبل، فان الجميع يدرك أيضاً أن التأجيل هو الحل الوحيد للخروج من المأزق الراهن.

ووسط مؤشرات أمنية وعسكرية مقلقة في العاصمة طرابلس، فان رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة يستعد على ما يبدو لإعلان ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية، وتكليف نائبه رمضان أبو جناح مؤقتاً بمهام منصبه.

في محاولة النفي عن نفسها شبهة الرغبة في تأجيل الانتخابات، اتفقت السلطة الانتقالية ممثلة في المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي وحكومة الوحدة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، على رعاية المجلس والحكومة اجتماعاً في العاصمة طرابلس للأحزاب السياسية، خلص في بيانه الختامي إلى ضرورة إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المباشرة في موعدها المحدد، وقبول كل الأطراف نتائجها، واعتبار أنه لا مجال لمحاولة عرقلة الانتخابات أو تأجيلها.

فيما يستعد الدبيبة للتراجع عن تعهده الابتعاد عن الحكم عقب الانتخابات، حذرت وزيرة خارجيته نجلاء المنقوش من احتمال اندلاع حرب أهلية، إذا لم تتم الانتخابات في موعدها المقرر

تحذيرات المنقوش

أخيراً، حذرت وزيرة الخارجية في حكومة الوحدة نجلاء المنقوش من احتمال اندلاع حرب أهلية، إذا لم تتم الانتخابات في موعدها المقرر والمحدد.

تحذيرات المنقوش ليست جديدة، فأكثر من تقرير لسفارة غربية صدر من العاصمة الليبية طرابلس يتبنى نفس التحذيرات التي يتبادلها متصدرو المشهد السياسي الليبي، في كل اجتماعاتهم مع أي مسؤولين قادمين من الخارج.

"الانتخابات أو الفوضى" شعار يرفعه المتخوفون من تأجيلها، وهو أيضاً – للمفارقة- نفس الشعار الذي يرفعه الرافضون لها، على اعتبار أن عدم وجود رؤية وطنية ليبية متفق عليها لقوانين الانتخابات، سيجعل من إتمام الانتخابات في موعدها أمراً محفوفاً بالمخاطر.

 طبقاً لما أبلغه عبد الحفيظ غوقة نائب رئيس المجلس الانتقالي السابق لوسائل اعلام محلية، فإن تأجيل الانتخابات "سيدخل ليبيا في سيناريوهات مدمرة" لأن كل الأجسام السياسة الحالية منتهية الشرعية.

رأي غوقة عكسه تقرير صدر من سفارة غربية، اطَّلع رصيف 22 على فحواه، إذ يلفت الانتباه إلى أن ليبيا بصدد مشكلة حقيقية على المستويين الأمني والعسكري في حال تأجيل الانتخابات، لافتاً إلى أن المشير خليفة حفتر، الرجل القوى في شرق البلاد، لن يقبل بالتأجيل، ويسانده في ذلك مجلس النواب.

نائب رئيس المجلس الانتقالي السابق لوسائل اعلام محلية: تأجيل الانتخابات "سيدخل ليبيا في سيناريوهات مدمرة" لأن كل الأجسام السياسة الحالية منتهية الشرعية

الحاصل هنا هو أن حفتر ضحى مؤقتاً بموقعه كقائد للجيش الوطني، وكلف الفريق عبد الرزاق الناظوري توليه ثلاثة أشهر، التزاماً من حفتر بما اشترطه مجلس النواب بتقاعد المرشحين اختياراً من مواقعهم إذا كانوا يتولون مناصب رسمية، قبل هذه الفترة من إجراء الانتخابات.

تفويض حفتر للناظوري ينتهي أصلاً يوم الانتخابات، ما يعني أن ليبيا ستدخل في دوامة جديدة من التساؤلات المتعلقة بالوضع القانوني لحفتر كأحد المرشحين الرئيسيين إن لم يكن أبرزهم في الانتخابات المقبلة.

الدبيبة مرشحاً

الدبيبة الذي تعهد مع أعضاء ملتقى الحوار السياسى الليبي الذي رعته بعثة الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية العام الماضى، وأتى به إلى السلطة، في طريقه للتنصل، ما سبق أن تعهده بعدم التطلع إلى البقاء في منصبه بعد يوم الانتخابات المحدد.

مصادر محسوبة على حكومة الوحدة تحدثت عن إعلان وشيك من الدبيبة خلال مؤتمر صحافي سيعقده خلال الأيام المقبلة في العاصمة طرابلس.

وبينما التزم محمد حمودة الناطق باسم الحكومة الصمت ولم ينف هذه التصريحات، أكدت عدة مصادر حكومية غير رسمية أن الدبيبة يراهن على أن يكون ضمن المنافسين على منصب الرئيس المقبل للبلاد.

بيد أن ترشح الدبيبة من عدمه ليس هو المطروح للنقاش الآن، في ظل تصاعد الخلافات بين الغريمين السياسيين البارزين في ليبيا، مجلس النواب الذي يتخذ من مدينة طبرق بأقصى شرق البلاد مقراً له، والمجلس الأعلى للدولة الذي يقوده من العاصمة طرابلس القيادي الإخواني خالد المشري.

الخلاف بين المجلسين يتمحور في الأساس - منذ اتفاق السلام الهش الذي أبرم في منتجع الصخيرات بالمغرب نهاية عام 2015 برعاية بعثة الأمم المتحدة- حول الشرعية، ومن له الكلمة العليا والفاصلة في رسم مستقبل رئيس الدولة، بما في ذلك القوانين التي ستؤدي إلى انتخابه.

شمس الانتخابات

لكن المشهد السياسى في ليبيا، حيث المواعيد الزمنية مجرد وعود في الهواء، ملبد بالغيوم على نحو يدفع للقول بأن شمس الانتخابات ربما لن تشرق هناك في القريب العاجل، أو على الأقل في الموعد الذي حددته الأمم المتحدة.

مع العلم أن استفحال الخلافات بين مجلسي النواب والدولة، لم يكن كافياً لإقناع مفوضية الانتخابات بالامتناع عن محاولة إثارة المزيد من البلبلة، عبر نشرها شروطاً يجب توافرها في المرشحين المحتملين لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، لم يقرها مجلس النواب.

المفوضية التي تراجعت عن النشر بدعوى أنه خطأ غير مقصود، كانت تلقي بالأحرى كرة اختبار لجس النبض، فالشروط التي فوجئ بها الليبيون لم تكن فقط مخالفة لما اشترطه قانون مجلس النواب، لكنها كانت تمهد الطريق بشكل واضح أمام عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة الوحدة لوضع اسمه على قائمة المرشحين للانتخابات الرئاسية.

مبادرة اللافي

وتراجع على نحو مفاجئ عبد الله اللافي، نائب رئيس المجلس الرئاسي، عن إطلاق مبادرة زعم أنها تستهدف إنهاء ما وصفه بالانسداد السياسي وتحقيق توافق حول قوانين الانتخابات، عبر وساطة لعقد اجتماع لرئاستي النواب والدولة، بحضور المجلس الرئاسي والحكومة، لحل الخلافات الخاصة بقوانين وتشريعات الانتخابات.

وفى محاولة لمنح مجلس الدولة فرصة للمشاركة في المسألة برمتها، ومن ثم العملية السياسية وما قد ينجم عنها من نتائج، اقترح اللافي أن يبت مجلس النواب مصير التوافقات في حال حصولها، وقبل اعتمادها وإحالتها إلى مفوضية الانتخابات، باعتباره القاعدة الدستورية المتفق عليها لإجراء هذه الانتخابات.

إعلامياً، بدا اللافي وكأنه قد سحب مبادرته، لكن مسؤولاً مقرباً من المجلس الرئاسي الليبي قال لرصيف22 إنه لم يفعل، وإن كل ما في الأمر أن المبادرة "شخصية وتحمل بصمات ورؤية اللافي" وليس محمد المنفي رئيس المجلس الرئيسي ولا نائبه الثاني موسى الكوني.

اللافي باعتباره الأقرب إلى معسكر تركيا وجماعة الإخوان المسلمين، يتبنى منذ البداية نهجاً معادياً لمجلس النواب والمشير حفتر في شرق البلاد، وسعى لتسويق مبادرة فاشلة لم يكتب لها النجاح.

خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة؛ حذر مما وصفه بـ"خطر عظيم وكبير" في حال إجراء الانتخابات بقوانين مطعون فيها قضائياً أمام المحكمة الدستورية، وإدارياً أمام مفوضية الانتخابات

طعن في القوانين

لكن خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة الذي حذر مما وصفه بخطر عظيم وكبير في حال إجراء الانتخابات بقوانين مطعون فيها قضائياً أمام المحكمة الدستورية، وإدارياً أمام مفوضية الانتخابات.

ولم يفوت المشري فرصة ادعاء كون تلك القوانين لا تحمل علامة صنع في ليبيا، وإنما خارجها.

ومستعيداً هجومه على حلفاء مجلس النواب في شرق البلاد، ادعى المشري أن هذه قوانين كتبت في القاهرة وباريس بإشراف من أبوظبي، قبل أن يضيف "نحن دولة مستقلة وذات سيادة، ونتمسك بقرارات مجلس الأمن الدولي".

ليس جديداً هنا أن يزج المشري بالعواصم الثلاثة، ويتهمها صراحة بشكل علني ورسمي بالتورط في الشأن الداخلي الليبي.

اتهامات المشري شملت أيضاً مفوضية الانتخابات وبعثة الأمم المتحدة، بسبب محاولتهما تمرير قوانين وصفها بـ"المعيبة" في مخالفة لقرارات مجلس الأمن الدولي، على حد تعبيره.

تعليقا على كلام المشري، قال ديبلوماسي غربي تحدث إلى رصيف22، شرط عدم الإفصاح عن اسمه، قال إن المشري يحاول أن يحصل على مقعد رسمي في مطبخ صناعة الرئيس المقبل، ما يعني أن الإخوان يتحسبون لصعود شخص ليس متحالفاً معهم، أو ليس لديهم معه توافق في الرؤى.

المعركة الحقيقية التي تجري ليست بين أنصار الدولة المدنية أو الرافضين لمرشحي العسكر، وفقاً لشعارات الربيع العربي، ولكنها بالأساس بين فرقاء ليبيين وضعوا مصلحتهم الخاصة فوق مصالح بلدهم.

في الغالب ستؤجل الانتخابات إلى أجل لاحق، ريثما تسعى بعض الأطراف الخارجية إلى الجمع بين مجلسى النواب والدولة، أو معسكري تركيا ورافضيها، من أجل منح الشعب الليبي الفرصة أخيراً للاقتراع من أجل أول رئيس منتخب في تاريخ البلاد.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard