ذاكرة حديدية... حالات نادرة لأشخاص حُرموا من "نعمة" النسيان

الجمعة 22 أكتوبر 202104:40 م

بالنسبة لمعظمنا، فإن الذاكرة هي أشبه بشريط من اللقطات غير الواضحة والباهتة في حياتنا، وبقدر ما نود التمسك بماضينا، فإن اكثر اللحظات المؤثرة يمكن أن تتلاشى من ذاكرتنا مع مرور الوقت.

في المقابل، هناك بعض الأشخاص الذين يتمتعون بذاكرة حديدية فائقة تمكنهم من تذكر أحداث كل يوم في حياتهم، حتى ولو مرّ عليها عشرات السنوات، فيعيشون الحدث بكل تفاصيله ويختبرون المشاعر القديمة نفسها كما لو كانت وليدة اليوم.

يعتبر نيما فيتزيه من الأشخاص القلائل في العالم الذين يتمتعون بفرط الاستذكار، فذاكرته أشبه بمكتبة تضم أشرطة فيديو، ويعمل عقله كجهاز تسجيل للمشاهد التي تحدث في كل يوم من حياته بدءاً من الاستيقاظ من النوم.

وبطبيعة الحال، فإن الأشخاص مثل فيتزيه يشكلون "مادة دسمة" بالنسبة لعلماء الأعصاب الذين يأملون في فهم الطريقة التي يسجل بها دماغ هؤلاء التفاصيل اليومية.

via GIPHY

تجارب مثيرة للاهتمام

"عندما كان عمري حوالي أسبوع، أتذكر أنني كنت مغطاة بهذه البطانية القطنية الوردية"، هذا ما قالته ريبيكا شاروك، لموقع بي بي سي، وهي تعود بذاكرتها إلى مرحلة الطفولة الأولى.

نظراً لكون الذكريات المبكرة لمعظم الناس لا تبدأ إلا في سن الرابعة تقريباً، سوف يكون من السهل افتراض أن وصف شاروك لم يكن سوى حلم يقظة ومجرد حنين إلى الماضي، وليس ذكرى حقيقية.

ولكن هذه الفتاة الأسترالية، البالغة من العمر 27 عاماً، تم تشخيصها بمتلازمة نادرة تسمى "الذاكرة الذاتية الفائقة للغاية"، والمعروفة أيضاً باسم فرط الاستذكار، بحيث يتمكن الشخص المصاب بها أن يتذكر على الفور ومن دون أي جهد كل تفصيل مرّ في حياته، فتكون الذكريات لديه مسجلة بتفاصيلها الحيّة والدقيقة.

هناك بعض الأشخاص الذين يتمتعون بذاكرة حديدية فائقة تمكنهم من تذكر أحداث كل يوم في حياتهم، حتى ولو مرّ عليها عشرات السنوات، فيعيشون الحدث بكل تفاصيله ويختبرون المشاعر القديمة نفسها كما لو كانت وليدة اليوم

في الحقيقة، ظهرت أول حالة لفرط الاستذكار (HSAM)، لأول مرة في أوائل القرن الواحد والعشرين، مع شابة تدعى جيل برايس.

فقد أرسلت برايس رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى عالم الأعصاب وباحث الذاكرة جيم ماك غوت، زعمت فيه أنها تستطيع أن تتذكر كل يوم من حياتها منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها، وطلبت منه المساعدة في شرح ما يحدث لها.

من باب الفضول، دعاها الباحث إلى مختبره وبدأ في اجراء تجارب عليها، كأن يعطيها مثلاً تاريخ معيّن ويطلب منها أن تخبره عن الأحداث العالمية التي حصلت في ذلك اليوم، وقد أحسنت برايس الإجابة في كل مرة تقريباً.

ولحسن الحظ، كانت برايس تحتفظ أيضاً بدفتر مذكرات طوال تلك الفترة، مما أتاح للباحثين التحقق من صحة ذكرياتها عن التجارب الشخصية أيضاً.

وبعد بضع سنوات من اجراء هذه الدراسات المتفرقة، قرر الباحثون إخضاع برايس لاختبار آخر، فطلبوا من الشابة تحديد تواريخ زيارتها المختبر.

وبلحظات معدودة، قامت برايس بترتيب قائمة المواعيد، ومن خلال مقارنة حسابها مع سجلاتهم الخاصة، وجدوا أن اجاباتها كانت دقيقة تماماً.

وسرعان ما أثارت حالة جيل برايس اهتمام العديد من المجلات والأفلام الوثائقية، والفت كتاباً بعنوان "المرأة التي لا تنسى".

وبفضل الاهتمام الإعلامي بهذه الظاهرة، كشف العديد من الأفراد بدورهم عن تمتعهم بذاكرة حديدية، على غرار نيما فيتزيه الذي تبيّن انه يتمتع بذاكرة دقيقة للغاية لدرجة أنه وجد نفسه يصحح اختبار العلماء حول التاريخ الدقيق الذي فاز فيه مايكل فيلبس بميداليته الذهبية الثامنة في أولمبياد بكين عام 2008.

كيف تعمل ذاكرة هؤلاء الأفراد؟

تأتي بعض القرائن من مراقبة الطريقة التي تتطور بها ذكريات الأفراد الذين يتمتعون فرط الاستذكار.

في هذا الصدد، قام كريغ ستارك من جامعة كاليفورنيا، باستجواب بعض الأفراد الذين يعانون من HSAM لمدة أسبوع وشهر وسنة واحدة بعد الأحداث في حياتهم لمعرفة كيف تتغير ذكرياتهم عن الأحداث.

وقد لاحظ ان ستارك انه بالنسبة للأشخاص العاديين، فإن الذكريات تصبح باهتة ومبهمة مع الوقت، في حين ان الأفراد الذين تم تشخيصهم بفرط الاستذكار، بقيت الأحداث واضحة في مخليّتهم، وعليه اعتبر ستارك ان السبب يبدو انه "متعلقاً بالطريقة التي يحتفظون بها بالمعلومات التي لا يفعلها بقيتنا".

"لولا النسيان لكانت الحياة لا تطاق"

واللافت أن الفحوصات التي أجريت على الدماغ فشلت في الكشف عن أي اختلافات تشريحية ضخمة قد تفسر كيفية حدوث ذلك، بحسب ما أكد ستارك لموقع بي بي سي: "ليس الأمر كما لو كان لديهم فصاً إضافياً أو نصفاً ثالثاً من الدماغ".

وفي حين تم اكتشاف بعض الخصائص المميزة في أدمغتهم، مثل الأسلاك الإضافية بين الفصوص الأمامية (المشاركة في التفكير التحليلي) والحصين، وهي منطقة يُعتقد أنها "مطبعة" ذاكرتنا، لكن اعتبر ستارك انه من الممكن تماماً أن يكون هذا كله نتيجة لمهاراتهم التي تطورت: "إن ممارسة أي مهارة، سواء كانت موسيقى أو رياضة أو لغة، يمكن أن تقود الدماغ لبناء شبكات عصبية أكثر كفاءة".

بدلاً من ذلك، يبدو أن المفتاح يكمن في أنماط وعادات التفكير الأكثر عمومية، بحيث تبيّن ان الأفراد الذين يعانون من فرط الاستذكار لديهم درجات عالية بشكل خاص في مقياسين: الانحدار الخيالي والامتصاص. يمكن اعتبار الانطباع الخيالي ميلاً للتخيل وأحلام اليقظة، في حين أن الاستيعاب هو الميل للسماح لعقلنا بالانغماس في نشاط ما، أي إيلاء الاهتمام الكامل للأحاسيس والتجارب.

تعليقاً على هذه النقطة، قالت نيكول دونوهيو، التي خضعت بدورها للعديد من هذه الدراسات: "أنا حساسة للغاية للأصوات والروائح والتفاصيل المرئية"، وتابعت بالقول: "بالتأكيد أشعر بالأشياء بقوة أكبر من الشخص العادي".

وبحسب الباحث لورانس باتيهيس، فإن الاستيعاب يساعد هؤلاء الأفراد على إرساء أسس قوية للتذكر، في حين ان الانطباع الخيالي يتمثل في إعادة النظر في تلك الذكريات مراراً وتكراراً في الأسابيع والأشهر القادمة.

وبالتالي في كل مرة يتم فيها "إعادة تشغيل" تتبع الذاكرة الأولية تصبح التفاصيل أقوى، مع العلم بأنه ليس كل من يميل إلى التخيل سيطور HSAM، لذلك اعتبر باتيهيس أن شيئاً ما يجب أن يكون قد جعلهم يفكرون كثيراً في ماضيهم: "ربما كانت بعض التجارب التي مروا بها في طفولتهم تعني أنهم أصبحوا مهووسين بالتقويمات وما حدث لهم".

بالنظر إلى هذه النتائج، هل يمكننا جميعاً تدريب أنفسنا على التفكير والتذكر مثل الأفراد الذين يعانون من فرط الاستذكار؟

ستارك مفتون بالفكرة ويأمل بعض زملائه في إطلاق تطبيق قد يشجع التدريب النشط والمفصل الذي شوهد في حالات الأفراد المعنيين، لمعرفة ما إذا كان سيحسن التذكر لاحقاً.

via GIPHY

وبالفعل هناك بعض الأدلة على أن هذا الأمر قد يكون فعالاً، فقد وجدت إحدى الدراسات الحديثة أن مجرد إعادة تشغيل حدث في رأسنا لبضع ثوان، مباشرة بعد حدوثه، أدى إلى استدعاء أقوى بعد أسبوع.

يقارن ستارك ذلك بالتمرين الرياضي: "قد تكون فكرة الذاكرة الخارقة لطيفة من الناحية النظرية ولكن يصعب تطبيقها. يمكن أن يتمتع الكثير منا أيضاً بأجسام رياضية مناسبة. هناك دوافع كبيرة، لكن القليل منّا يفعل ذلك".

نعمة أم نقمة؟

"لولا النسيان لكانت الحياة لا تطاق".

معظم الأشخاص الذين يعانون من الفرط في الاستذكار يعتبرون ان هذه الذاكرة الحديدية الفائقة هي نعمة ونقمة في آن معاً.

من جهة بوسع هؤلاء الأفراد استعادة تفاصيل التجارب الجميلة واللحظات الممتعة، وفق ما أكد نيما فيتزيه: "تخيّلوا أن تكونوا قادرين على تذكر كل لوحة، على كل جدار، في كل مساحة معرض، بين ما يقرب من 40 دولة".

واللافت انه مع هذه المعرفة الموسوعية لتاريخ الفن، أصبح فيتزيه رساماً محترفاً، وبالمثل، ربما تكون ذاكرته قد ساعدته أيضاً في مسيرته المهنية الأخرى كباحث دكتوراه في التصميم والتكنولوجيا لجهة تسهيل استيعاب قدر كبير من المعرفة.

via GIPHY

في المقابل، يعتبر بعض المصابين بفرط الاستذكار ان هذه المتلازمة مزعجة نوعاً ما لكونها تجعلهم يعجزون عن نسيان اللحظات المحرجة والتجارب الصعبة التي مروا بها في السابق، مما يعني صعوبة التغلب على الألم، لا بل اختبار نفس المشاعر القديمة.

وما يزيد الأمور سوءاً أنه لا يمكن لهؤلاء الأفراد إيقاف تدفق الذكريات، بغض النظر عن محاولاتهم الحثيثة لمحوها من أذهانهم: "الأمر أشبه بالجروح مفتوحة... إنها مجرد جزء منكم/نّ"، كما قال فيتزيه.

يعتبر بعض المصابين بفرط الاستذكار ان هذه المتلازمة مزعجة نوعاً ما لكونها تجعلهم يعجزون عن نسيان اللحظات المحرجة والتجارب الصعبة التي مروا بها في السابق، مما يعني صعوبة التغلب على الألم، لا بل اختبار نفس المشاعر القديمة

هذا يعني أنه يتعين على الأفراد الذين يعانون من انعدام النسيان بذل جهد خاص لوضع الماضي جانباً، على غرار بيل الذي تجتاحه ذكريات الماضي المؤلمة، فتتطفل على وعيه، لكنه اختار بشكل عام أن يراها على أنها أفضل طريقة لتجنب تكرار نفس الأخطاء: "بعض الناس منغمسون في الماضي لكنهم ليسوا منفتحين على ذكريات جديدة ، لكن هذا ليس هو الحال بالنسبة لي. إنني أتطلع إلى كل يوم وتجربة شيء جديد".

أما بالنسبة إلى نيما فيتزيه فقد كشف أن حالته جعلت منه شخصاً أكثر لطفاً وتسامحاً: "يقول البعض أنه يجب أن نسامح وننسى، ولكن بما أن النسيان هو ترف لا أملكه، فأنا بحاجة إلى تعلم كيف أسامح حقاً، ليس فقط الآخرين، إنما مسامحة نفسي أيضاً".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard