الروائي المصري أشرف الخمايسي لرصيف22: الجوائز الأدبية تُمنح للأكثر وداعةً وليس للأفضل إبداعاً

السبت 23 أكتوبر 202109:41 ص

"أعيش في عزلة عن التجمعات والشلل الثقافية الموبوءة". هذا ما يقوله الروائي المصري المثير للجدل دائماً أشرف الخمايسي في حوار مع رصيف22، مضيفاً أنه يكتفي بكتاباته على صفحته الشخصية على فيسبوك، وتفاعلات القراء معه، ويستمر في كتابة روايته الجديدة التي تدور أحداثها في القاهرة وأحيائها الشعبية.

عن مشروعه السردي الذي ظهر في عدة روايات شهيرة تناولت ثنائية "الخلود والموت"، يقول إنه غير راضٍ عنه: "نعم سعيدٌ بما كتبته من روايات، لكن تحقيق فكرة الرضا الكامل أراها مستحيلة".

أصدر الخمايسي حتى الآن سبع روايات هي: "الصنم"، "منافي الرب"، "انحراف حاد"، "جو العظيم"، "ضارب الطبل"، "خروف وكلب"، "صوفيا هارون"، وثلاث مجموعات قصصية هي: "الجبريلية"، "الفرس ليس حراً"، "أهواك"، فضلاً عن سلسلة "سيرة عرب أقدمين"، المكوّنة من سبعة أجزاء، كل جزء منها عبارة عن تلخيص وتهذيب لأحد أمهات الكتب العربية القديمة، من تلك التي صنعت مجد الأدب العربي وقت ذروة الحضارة العربية، مثل كتاب "الأغاني" لأبي فرج الأصفهاني، و"حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة" للسيوطي، و"العقد الفريد" لابن عبد ربه.

كما صدر له كتاب "كي أكون إنساناً أجمل: مشاهد من الحياة"، و"يوم جديد: رؤى في الحياة والكتب"، فضلاً عن مجموعة قصصية للأطفال بعنوان "السكاتة"، وسلسلة كتب "رحلات غير عادية" في أربعة أجزاء للأطفال والناشئين.

فاز الخمايسي بالجائزة الأولى في مسابقة جريدة "أخبار الأدب" للقصة القصيرة عام 1994، ووصلت إلى القائمة الطويلة لجائزة "البوكر العربية" روايته "منافي الرب" عام 2014، وروايته "انحراف حاد" عام 2015، ووصلت الأخيرة أيضاً إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد في نفس العام.

وهنا نص الحوار مع الخمايسي:

نبدأ من الأزمة الأخيرة المتعلقة بهجومِك على نجيب محفوظ. ما أسباب تلك الهجمة؟

الذي استفزَّني ودفعني إلى أن أقول رأيي بصراحة في نجيب محفوظ وأعماله أنَّه بدأ يتحول إلى "صَنَم"، والكاتب إذا تحوّل إلى "صنم" نُسِفت فكرة الأدب كلها، لأن الأدب في الأصل يواجه الأصنام ويمنعها، نحن نبحث عن الحريات، ونواجه التيار الديني لأنه يصنع أصنامه.

كما أنَّ تحويل الكاتب إلى "صنم" والنظر إليه بصفته "الأول والأخير" في مجاله، وأنه قدَّم كل شيء في الرواية مثلاً، يُعَدّ تعجيزاً لغيره من الأدباء والكُتَّاب، وكأننا نقول لهم: "كل كاتب يقعد في بيته"، وأنه "لا أمل في تقديم جديد"، وأنا أعتقد أنَّ كثيرين يمتلكون وجهة نظري تلك، ولكنهم لا يمتلكون نفس "حماقتي" لإعلانها. نعم، في زماننا هذا صار الإعلان عن الرأي وقول الحق نوعاً من "الحماقة". ترى كثيرين يخبرونك أنك لو قلت الحق سيقفون بجانبك، ولكن يتضح العكس بعد أن تعلن عن هذا الرأي، ستجد نفسك في مواجهة "لوبيات وشلل وسدنَّة"، وفي النهاية أطلقت عليهم اسم "بهاليل"، لإضفاء مزيد من السخرية من هذا الواقع.

لكنك بهذا الرأي تبدو متناقضاً. سبق ومدحت نجيب محفوظ وأعماله؟

ليس تناقضاً. نعم نجيب محفوظ قيمة وقامة، كاتب رائع، وله منجزه الروائي المحترم، وهو أول مَن أشار إليّ في التسعينيات، ولكن لا بدَّ ألا تتطرف في رأيك عن نجيب محفوظ، فأنا سأتطرف في رأيي أيضاً، لا تقل لي: "لا تمد يدك على نجيب محفوظ"، أو أنَّ "نجيب محفوظ لا يأتيه الباطل من أمامه أو من خلفه"، هذا أرفضه، أنت هنا تدفعني للقول: "إن محفوظ الباطل يأتيه من كل حتة"؛ كل جيل الستينيات الأدبي العظيم كان يعتبر أن نجيب محفوظ لا يمثل قيمةً أدبيةً حقيقيةً، كانوا يقولون عنه: "كاتب سيناريو" و"كاتِب حارات". ولكن التعظيم بدأ عندما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وهذه مشكلة العرب، قد يكون الأديب العظيم بينهم ولكنهم لا يعترفون به ولا يحترمونه، إلاَّ عندما يقول الغرب إنه كاتب عظيم ويمنحه جائزةً مثلاً، عندها سنعزف على النغمة الغربية.

أنا أرى مثلاً أنَّ الروائي المصري جمال الغيطاني منجزه الروائي أكثر تطوراً من أعمال نجيب محفوظ، وكذلك المصريان خيري شلبي وصبري موسى. كل جيل الستينيات تخطى نجيب محفوظ بمراحل، نحن من المفروض أن ننتمي إلى عالم الأدب وليس إلى الشخصيات. الحديث عن شخص واحد وتعظيمه "شغل عبيد لا يليق بالأدباء"، نجيب محفوظ لو لم يحصل على جائزة نوبل لكان الآن من "المنسيين".

ماذا عن كواليس منع كتابك "المسحة" من العرض في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

كتاب "المسحة" يناقش بعض أفكار الدكتور خالد منتصر ويجيب على سؤال: هل أفكاره تنويرية بالفعل أم أنه يدَّعي التنوير؟ العنوان أصلاً مستوحى من المسحة الطبية التي تكشف عن الإصابة بكورونا أو لا، والعنوان لم يكن له علاقة بالغلاف الذي أحدث ضجةً (الغلاف تظهر عليه صورة للكاتب المصري الدكتور خالد منتصر مرسومة على لفافة مناديل ورقية، ما اعتبره البعض إساءةً) والناشر عمل هذه الفكرة لأن أي ناشر يحب أن يصنع غلافاً يثير جدلاً. كان من الممكن أن يتعرض الكتاب للهجوم، عادي جداً، وينزل المعرض، لولا أنَّ الأزمة جاءت من الأديب المصري إبراهيم عبد المجيد الذي كتب منشوراً يتساءل فيه: "كيف منحت الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية رقم إيداع لهذا الكتاب؟". بالطبع كان هذا أمراً مؤسفاً أن يحدث تحريضٌ من أديب معروف لمؤسسات الدولة كي تمنع وتصادر كتاباً. هذا المنشور "أرعب" الناس. بالطبع، المسؤولون في الهيئة، وفي معرض الكتاب، تواصلوا مع الناشر، وتعرض لتهديدات بإغلاق جناحه في معرض الكتاب، بل وبسحب ترخيص الدار الناشرة (المؤسسة للنشر والتوزيع)، فكانت هذه التهديدات "مُرعبةً" للناشر.

"نجيب محفوظ بدأ يتحول إلى ‘صَنَم’، والكاتب إذا تحوّل إلى ‘صنم’ نُسِفت فكرة الأدب كلها، لأن الأدب في الأصل يواجه الأصنام ويمنعها. نحن نبحث عن الحريات، ونواجه التيار الديني لأنه يصنع أصنامه"

تخيّل مثلاً لو تدخّل الأزهر لمصادرة أو منع كتاب، كنت رأيت المقالات تُكتَب هجوماً على هذه المؤسسة الدينية، لكان ما حدث هو الصمت التام، لأنه جرى التعامل مع هذه الأزمة باعتبارها مسألةً شخصيةً. هم مشكلتهم في أشرف الخمايسي وآرائه وصراحته، وهذه كارثة، أن يأتي التحريض على كاتب من الوسط الثقافي نفسه.

هل تعرضت لتهديدات أو تضييقات بسبب آرائك عموماً أو حتى وجهات نظرك السياسية؟

أنا أعارض معارضةً سياسيةً صريحةً على صفحتي على فيسبوك، وبعض الناس ينصحونني قائلين: "خاف على نفسك"، لكن أقر بأنني لم أتعرض يوماً لتهديد من الدولة، وروايتا "جو العظيم" و"خروف وكلب" فيهما توجه سياسي واضح، ومع ذلك لم أتعرض لمضايقات بسببهما، والتلفزيون متاح لي، وأدخل مدينة الإنتاج الإعلامي بحرية، المشكلة جاءت من مجتمع المثقفين الذي صار "شلل ولوبيات" لا بد أن تذهب إليهم، وتجلس معهم، حتى تكون "محبوباً".

ما علاقتك بالمؤسسات الثقافية المصرية وكيف تقيّم دورها؟

علاقتي الوحيدة بالمؤسسات الثقافية أنني "موظف". أنا أعمل في إدارة النشر في الهيئة العامة لقصور الثقافة، ولكن كأديب لا أُدعى إلى مؤتمرات أو ندوات تلك المؤسسات. لديَّ ملاحظتان على المؤسسات الثقافية في مصر، الأولى أنها مؤسسات ثقافية حكومية وهذا يجعلها ذراعاً تنفّذ ما تريده الحكومة أو النظام؛ والثانية أنها تعتمد على نسج العلاقات الشخصية، وأنا فاشل في الاجتماعيات، ولكن أنا مؤمنٌ بأنَّ الإبداع سينتصر في النهاية سواء كنت حياً أو ميتاً، كما أنَّ وزارة الثقافة هي "ذراع" النظام الحاكم أو السلطة، لذلك لا تنتظر منها حديثاً عن الحريات، أو شيئاً خاصاً بـ"الإبداع والفكر"، حتى الكتب والأعمال الأدبية التي تصدر عن السلاسل المختلفة التابعة للوزارة، قد تكون لها قيمة، ولكن ليس وراءها مجهود لإيصالها إلى الجمهور، هي تُطبع ثم توضع أو "تترمي" في المخازن، والمجلات الثقافية المهمة لا تُوزَّع بصورة جيدة مثل "الثقافة الجديدة".

صدرت رواياتك عن كبريات دور النشر المصرية، ثم وجدناك الآن تنشر أعمالاً في دور نشر صغيرة. هل هناك تضييقات أو حصار على أعمالك؟

أنا بدأت مع "الحضارة"، دار نشر صغيرة ربما لا يسمع عنها أحد، وأُغلقت الآن. نشرت لي رواية "منافي الرب" وهي الطبعة التي ظهرت بها في القائمة الطويلة لجائزة "البوكر العربية"، وبعد هذا الحدث تصارعت عليَّ دارا "الشروق" و"المصرية اللبنانية"، وفضّلت الثانية لأنها الأكثر حميميةً بالنسبة إلي، ونشرت معهم "انحراف حاد"، وكتاب "كي أكون إنساناً أجمل"، وأعادت الدار نشر رواية "منافي الرب".

وتركت الدار المصرية اللبنانية بسبب مشكلة تتعلق بي: "أنا لازم أحس أني مدلع قوي" و"متألَّه"، أنا حاسس بذاتي شوية، وتلك الدار لم تعطني حقي في الاحتفاء وسط كتابها، بينما كانت تحتفي بآخرين أقل منّي بكثير، ولكن هذا لا يمنع أن أقول إنها من أفضل دور النشر التي تعاملت معها، وندمتُ على تركها.

ثم جاءت مرحلة "دار الشروق"، أُقر أنَّ أصحابها استقبلوني باحتفاء كبير، وكان موجوداً إبراهيم المعلم وأميرة أبو المجد وأحمد بدير، نشرتُ مع الدار روايتي "ضارب الطبل" و"جو العظيم"، وتركتها لأن تلك الدار سيئةٌ في التعاملات المالية، ينظرون للأمر من باب: "يكفي أنك نشرت عملاً في دار الشروق"، وبالطبع هذه فكرة مرفوضة.

"المؤسسات الثقافية في مصر مؤسسات حكومية وهذا يجعلها ذراعاً تنفّذ ما تريده الحكومة أو النظام... كما أنَّ وزارة الثقافة هي ذراع النظام الحاكم أو السلطة، لذلك لا تنتظر منها حديثاً عن الحريات، أو شيئاً خاصاً بالإبداع والفكر"

وذهبت بعد ذلك إلى "دار إيبيدي" التي قدمت وعوداً خاصةً بالترجمة والأمور المالية، نشرت معهم رواية "خروف وكلب"، وتركت الدار أيضاً بسبب عدم تحقق الوعود باستثناء الوعود المالية، وجاءت بعد ذلك مراحل دور النشر الأقل في الانتشار والشهرة مثل "بورصة الأدب"، "المؤسسة للنشر والتوزيع" وأخيراً "المكتبة العربية للنشر والتوزيع".

أنا لا يهمني اسم دار النشر، ولكن المهم أن أكون سعيداً و"مرتاحاً" نفسياً. أنا أستمتع بفكرة خروج الكتاب أصلاً. فكرتي المقبلة تعتمد على التحرر التام من دور النشر. سأفتتح موقعاً إلكترونياً لنشر أعمالي. مرحلة الحاجة إلى المال "قُضيت خلاص"، ولن أتعامل مع دار نشر "علشان الفلوس".

المتابع جيداً للحركة النقدية لا يجد تناولاً لرواياتِك بشكل جيد، على الأقل الآن. هل أنت مظلوم نقدياً وكيف ترى الجوائز؟

أنا كتب عن رواياتي محمود أمين العالم، وفريدة النقاش، وسيد البحراوي، وصبري حافظ. هؤلاء "قمم نقدية"، ثم كتب عنّي أيضاً من الأجيال التالية محمود عبد الشكور، إيهاب الملاح، ولكن هذا كله كان قبل مرحلة الآراء التي لا يرضى عنها كثيرون الآن في الوسط الثقافي المصري، خاصة تلك المتعلقة بـ"نجيب محفوظ"، ثم اتهامي بأنني ضد المرأة وأحرّض على التحرش الجنسي، فضلاً عن أنه عندما أقول وجهة نظر سياسية، يُصنفونني "إخواناً أو سلفياً"، وهؤلاء يعتمدون على فترة عشتُ فيها "سلفياً" لمدة وصلت إلى ثماني سنوات.

النقاد الآن في مصر يكتبون عن أصدقائهم، والشلل الأدبية هي "تكتلات فيروسية"، تخيل عندما تكون تلك التكتلات تضرب الجسم مثلاً، فماذا سيحدث؟ ولكن القارئ هو الذي يكتب عني، ولن أنتظر منك مقالاً أيها الناقد.

بالنسبة إلى الجوائز، أنا لن أفوز بجائزة أدبية لأنني لستُ عضواً في "شلة"، لا أجلس على مقهى البستان (مكان شهير يجلس عليه المثقفون وسط القاهرة)، لست صديقاً للنقاد محكمي هذه الجوائز، لا أساوم، ولا أخضع لمتطلبات السوق الأدبية المصرية، هذه أشياء ضد إيماني، الجوائز الأدبية تُمنح للأكثر "وداعةً" وليس للأكثر والأفضل "إبداعاً". اسم أشرف الخمايسي محظور بالنسبة لهم في ما يخص الجوائز والنقد.

"كل جيل الستينيات الأدبي كان يعتبر أن نجيب محفوظ لا يمثل قيمةً أدبيةً حقيقيةً... ولكن التعظيم بدأ عندما حصل نجيب محفوظ على جائزة نوبل، وهذه مشكلة العرب، قد يكون الأديب العظيم بينهم ولكنهم لا يعترفون به ولا يحترمونه، إلاَّ عندما يقول الغرب إنه كاتب عظيم"

كما أنَّ هناك جوائز تتطلب التقديم لها للحصول عليها، أنا أرى أنَّ التقديم للحصول على جوائز الدولة "عيب"، لا ننكر أن جوائز الدولة كمعنى هي شيء مهم جداً، وعندما تكون الدولة تقدّر الأدب والإبداع، على المنفذين والمتحكمين في منح تلك الجوائز أن يكونوا أكثر أخلاقيةً وإنصافاً لـ"الإبداع الحقيقي" وليس للشخصيات، يجب أن تكون علاقة هؤلاء بالكتابة وليس أن نمنح الجوائز إلى "حبايبنا"، ولكن ما يحدث أنه عندما تقول رأيك بصراحة، أو تطرح وجهة نظر سياسية عكس التيار، ستكون مكروهاً ومنبوذاً.

لا نراك في الندوات والمؤتمرات الثقافية ولا تنظم حفلات توقيع الآن لأعمالك. هل تعيش في عزلة عن الوسط الثقافي؟

أنا عزفت عن حفلات التوقيع التي يحضرها 15 أو 16 شخصاً سواء لي أو لغيري، حفل توقيع يعني توقع 60 نسخةً مثلاً من الرواية أو الكتاب على أقل تقدير، لكن ما يحدث شيءٌ مخجلٌ أنا لا أقبله على نفسي، أنا أكتب وأتفاعل مع الناس على صفحتي الشخصية على فيسبوك، ومستمر في كتابة روايتي الجديدة التي تدور أحداثها في القاهرة وأحيائها الشعبية، ولكني "أعيش في عزلة عن الشلل والتجمعات الثقافية الموبوءة"، في وقت يرى البعض أنَّ تلك الشلل والتجمعات "ذراع" تساعدك في التواجد والانتشار، لكن أنا على يقين من أنَّ الإبداع الحقيقي سينتصر، لن أكون مُجاملاً ووديعاً على حساب الحقيقة والقيمة، كيف سأكتب بعد ذلك؟

من الانتقادات التي توجه لك أنك وصفت نفسك بـ"إله السرد". ما قصة هذا اللقب؟

أنا من جيل التسعينيات الذي يحترم نفسه، إذا كان "الستينيون" يقولون إنهم جيلٌ بلا أساتذة، فنحن جيل تلاميذ لـ"جيل الأساتذة"، لا توجد ألقاب عندنا مثل: "إله السرد"، و"عروسة الإبداع"، أو "أمير الشعر".

لقب "إله السرد" له حكاية، كنا في ندوة أدبية عن رواية "منافي الرب" في المنصورة، وكنا نتحدث عن الواقع الثقافي المصري الذي أراه مخجلاً ومؤسفاً، لأنه لا يهتم بالداخل، ولكن يهتم ويمدح في كُتَّاب الغرب فقط، وكأنهم "آلهة"، فقلت إنه إذا كان الغرب يُصدِّرُ آلهةً في الأدب، فعلى الشرق أن يُصدِّر آلهةً أيضاً، وفي الندوة قلت: "أنا مستعدٌ أن أكون إله السرد"، ومرَّ الأمر بالضحك ودون مشكلات. كان هذا اللقب مجرد "تعبير حلو".

وفي ندوة أخرى لروايتي "انحراف حاد" كان حاضراً فيها روائيون مصريون مثل إبراهيم عبد المجيد، أشرف العشماوي، حسن كمال، مكاوي سعيد (رحمه الله)، أحمد القرملاوي، عمرو العادلي، طُرِحت قصة لقب "إله السرد" مرة ثانية، وقال لي أشرف العشماوي: "الله ما أنت جميل أهو، أمال إيه حكاية إله السرد دي؟"، فتقدم الأستاذ إبراهيم عبد المجيد إلى المنصة، وقال إنَّ فكرة إله السرد "فكرة عادية": أي روائي هو إله سرده، فهو الذي يرسم ويحدد شخوص وأحداث وعالم روايته، وقال: "أعترف أنَّ الخمايسي إله السرد"، وكُتِب في الصحافة هذا التصريح بعنوان: "إبراهيم عبد المجيد: أشرف الخمايسي إله السرد".

إبراهيم عبد المجيد هو "اللي عملي المصائب كلها"، وهو الذي طلب صداقتي على فيسبوك، وتحدث معي على الموبايل بعد ظهورنا نحن الاثنين في القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية "البوكر" دورة 2014، أنا بـ"منافي الرب"، وهو بروايته "الإسكندرية في غيمة"، وعندما خرجنا، وصعد الروائي المصري أحمد مراد بروايته "الفيل الأزرق"، قلت له: "أنا مبسوط إني خرجت معاك من القائمة رغم أننا قيمة كبيرة، واللي صعد روائي نص كم (يقصد مراد)".

ظهرتَ في قوائم جائزة "البوكر العربية" مرتين، وحققت رواياتك مبيعاً، وتوصف "منافي الرب" بأنها واحدة من الروايات المهمة في السرد العربي في آخر عشر سنوات. هل أنت راض عن مشروعك السردي حتى الآن وماذا حققت منه؟

أنا "مبسوط" بما كتبته من روايات قال عنها نقاد كبار إنها ذات قيمة أدبية، ولكن لست راضياً عنها، فكرة تحقق الرضا هذه مستحيلة، مثلا عندما أقرأ "منافي الرب" أجد فيها أجزاءً لا تعجبني، أخشى قراءة أعمالي المنشورة حتى لا أُصدّم بما كتبته، لولا الأمانة، لأعدتُ كتابة كل أعمالي مرةً ثانيةً، نفذت هذه الفكرة مع رواية "منافي الرب"، ولم أكملها لأن الأمانة كانت تقتضي طبعها كما نُشرت أول مرة، أنا لستُ راضياً عن مشروعي السردي، وعدم الرضا هذا عن "المنتج" فقط، ولكن هذه الكتب والروايات وضعتني في مكانة محترمة بين الكُتَّاب المصريين والعرب، وحققتُ مكاسب ماليةً، "أخدت فلوس حلوة"، اشتريتُ شقتين لي ولابني، وسيارة، وجعلتني في وضع مالي "مستور".

ماذا عن اتهامك بسرقة فكرة روايتك "ضارب الطبل" من رواية "انقطاعات الموت" للروائي البرتغالي صاحب نوبل جوزيه ساراماغو؟

مَنْ يردد ذلك يبدو أنه لم يقرأ الروايتين. روايتي "ضارب الطبل" تتحدث عن أناس يعرفون موعد وفاتهم باليوم، بينما رواية جوزيه ساراماغو تتحدث عن انقطاع الموت أصلاً. أنا ثنائية "الموت والخلود" قضيتي من زمان جداً قبل معرفتي بجوزيه ساراماغو الذي قرأتُ له عدة أجزاء من روايات لم تعجبني، وكتبت أنتقدها بشدة، ومنها: "الآخر مثلي" ثم "انقطاعات الموت" وأخيراً "العمى"، التي قرأتها كلها. هذا كاتب لا يترك سياق السرد حراً دون التدخل بنفسه لطرح فلسفة أو حكمة، كاتب ممل و"يغيظ".

حديث التشابه لم يتوقف عند رواية "ضارب الطبل". رواية "انحراف حاد" كتب ناقد فني أنها تُشبه فيلم "ساعة ونص"، مشيراً إلى أنَّ الأحداث في الفيلم كانت عن شخصيات داخل قطار، بينما أنا جعلت الأحداث عن شخصيات داخل "ميكروباص"، الفكرة أن هناك دائماً "متربصين"، هؤلاء يسعون دائماً للبحث عن أي ثغرة.

ما رأيك في الروائي أحمد مراد؟

قرأت له روايات "الفيل الأزرق"، "أرض الإله"، "موسم صيد الغزلان". في الرواية الأولى قدَّم رواية تشويق رائعة، لكن لا قيمة أدبية لها، مضمونها يُرجعنا إلى عصر الخرافات. الرواية الثانية مليئة بـ"العك الفني". يُمكن اعتبار أحمد مراد كاتباً رائعاً للناشئة يُكمل مسيرة الكاتبين نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق، لكن لا تُوضع أعماله في خانة الروايات الأدبية الثقيلة أو الأدب الرفيع.

من أين يحصل أشرف الخمايسي على أفكار رواياته؟

الأفكار تأتي من "التجربة الخاصة" التي تحمل فكرتك المعجونة بذاتك ووجدانك، أنا مشغولٌ طوال الوقت بثنائية الموت والخلود، الأمر الثاني هو "العالم المحيط بك"، هذا الذي تكتسب منه الخلفية، ثم الأرضية التي تتحرك عليها الأحداث. هذا يتطلب منك أن تكون مراقباً جيداً لما يدور حولك.

وهناك مصادر إلهام أخرى أهمها على الإطلاق "نجع الخمايسة" التابع لـ"نزلة عليّ" في جهينه في محافظة سوهاج في صعيد مصر، والذي كان منتهى التحرر بالنسبة إليّ. "حنان"، زوجتي منذ 27 سنة، من مصادر الإلهام أيضاً، هي ما زالت بشخصيتها القروية إلى الآن، وكل شيء غريب حولك هو مصدر إلهام لكتابات روائية أو قصصية.

كيف ظهرت سيرتك الذاتية في أعمالك. وهل فكرت في كتابة عمل خاص لتلك السيرة؟

بالطبع رواياتي ظهرت فيها "حاجات" من مواقف خاصة مررت بها في سيرتي الذاتية. الفرس المحنط في رواية "منافي الرب"، هذه كانت واقعةً مستمدةً من حدث حقيقي تعرّضت له شخصياً: كنت أعمل أنا وعمّي في مكان اسمه "العوينات"، وعثرنا على "جمل" متكامل مدفوناً. الأسماء الموجودة في الروايات مستمدةٌ من الواقع، حتى مشهد لعب الكرة في رواية "الصنم" منقول عن واقع موجود في "نجع الخمايسة" حيث اللعب بالكرة وسط القبور.

في ما يخص كتابة سيرتي الذاتية، بالفعل كتبت 15 ألف كلمة منها، ولكن كُسر "هارد الكمبيوتر"، وفشلت في إرجاع هذا العدد من الكلمات، وأنا مؤمنٌ بالإشارات مثل الروائي البرازيلي "باولو كويلو"، فتوقفت عن الكتابة فيها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard