الخروج من حياة ناقصة إلى حياة ناقصة أخرى

السبت 23 أكتوبر 202101:52 م

الحميم، البيوت التي نسكنها فتسكننا


الذهاب جنوباً إلى الدمع

خرجنا من بيوتنا على عجل، خفافاً، كأن في إثرنا الموت. تركنا حياتنا مصلوبة على أسرّة وأثاث وسجاجيد، ورحنا لنقنص حياة أخرى، في مدينة أخرى.

كانت البيوت التي ظننا أنها ملكنا وأننا بنيناها فعلاً بالعرق والدم، تلوح مبتعدة عنا، هي من كانت تغادر وليس نحن، هي من كانت تجمع الحطب الباقي من شتاء قاس وتكدسه خلفنا، فإذا عدنا وجدناه بانتظار ليالينا الأكثر برودة، هي من كانت تبكي بدموعنا نحن ومآقينا، وكنا نبتعد فحسب، بعيون جافّة وأيادٍ ذابلة.

في الطريق صرنا نفكر بالذين سوف يقطعون طريقنا، بالغرباء الذين جاؤوا من مناطق محاذية لنا أو من قصص رعب سمعناها صغاراً، صرنا نتحزّر عن أشكالهم، عن أسمائهم، عن طلباتهم. قلنا ربما سيكون لهم ذيول صغيرة وأنياب حادة، ثم استبعدنا الفكرة، قلنا ربما سيحملون سكاكين طويلة وأسلحة نارية ويقطعوننا على جذوع خشبية كما نقطع عروق الفاصولياء، ثم انتبهنا أننا لا نحمل سكاكين ولا أسلحة، ولا مخالب لدينا ولا أنياب، فنعسنا ونمنا ونحن نمشي في الحقول.

قلنا ربما ستعجبهم بيوتنا واللوحات التي تركناها لهم على الجدران. ربما سيقرؤون أسماءنا على الجدران الخشنة ويقولون: كان هنا بشر لطيفون، ربما، وكانت لهم أسماء معقولة ومسالمة، وإلا ما الذي يمكن أن يكونه شخص يحمل اسم "روزماري"، ليس قاتلاً متسلسلاً بالتأكيد، ربما يكون اسماً لشبح طريف أو لحكاية ليلية، لا يملك من يحمل هذا الاسم ملامح قاتل.

أن نستبدل الأشباح التي كانت تزورنا في الليل بأخرى أكثر بهجة وحساً بالفكاهة، وأن نسمي شجرة الزيتون الوحيدة العارية أمام المدخل "بنت رسول الله" وأن نطلق على القمر الشاحب الذي يختفي خلف سحب البارود والقذائف اسم "الحسين"... مجاز في رصيف22

وربما سيقولون في حقنا كلاماً لطيفاً يشبه أننا من نفس طينتهم، أو أن الأسماء ربما تشابهت عليهم، فرأى أحدهم اسمه على جدار قديم فقال: "كان يعيش هنا من يشبهني"، وربما تركنا بعضاً من أحلامنا على الأسرة والوسادات القطنية، فحلم أحدهم بأحلامنا وشاهد الطيور التي كنا نطلق سراحها في الكوابيس لننام كأي فلاح أعزل، وربما سمع صوتنا في واحدة من الأغنيات التي كنا نغنيها ليذهب خوفنا، ثم أعادها بنفس البحّة والأخطاء اللفظية.

في الطريق إلى بيوتنا الجديدة، فكّرنا بأن الوقت حان لأن نتخلص من شخصياتنا القديمة وأسماءنا وربما حتى كوابيسنا، ونتحصّل على كوابيس جديدة تعيننا على تصريف الحياة، كأن نستبدل الأشباح التي كانت تزورنا في الليل بأخرى أكثر بهجة وحساً بالفكاهة، وأن نسمي شجرة الزيتون الوحيدة العارية أمام المدخل "بنت رسول الله" وأن نطلق على القمر الشاحب الذي يختفي خلف سحب البارود والقذائف اسم "الحسين".

خطر لنا أن من سيسكنون بيوتنا بعدنا أناس يشبهوننا، لهم مثلنا أعداء قساة وأحلام موءودة وخطوط زراعة وصفوف من الليمون العقيم، ولا بد أنهم سيعانون مثلنا من انحباس المطر ومن البرد الذي يأتي على حين غرة في كانون، وأنهم سيتعجبون كيف كنا نمضي صباحاتنا الباردة بدون شاي ساخن أو كيف كنا نستحمّ بالماء المثلج.

سيزورون قبورنا، ويضعون أكاليلاً من الريحان على موتانا. سيراقبون صورنا على الجدران ويتكاسلون عن نزعها، يقولون: هذا الجد الغريب يشبه جدنا، كهل وتسيل الحكمة من شاربيه الأبيضين، فلماذا نغير صورة بصورة؟ وهذا الشهيد الذي يبتسم من تحت زغب خفيف يشبه شهيدنا فلماذا نستبدل الصور؟ ونستطيع أن نبكي وأن نقدم صلواتنا لأي من القديسين الموجودة صورهم على الجدران، ما يهم، الله يسمع ويعرف وتصل إليه الكلمات الصامتة.

بيوت النازحين، بيوت الله

نزحنا ومثلما سلّمنا بيتنا لنازحين احتللنا بيوت نازحين.

وجدنا غرفهم على حالها، تنتظرنا، وجدنا الثياب والأحذية وفردات الجوارب الملونة التي كنا قد أضعناها في غسالاتنا والكتب المفروشة على الطاولة، مكائدهم الصغيرة ونميمتهم والحسد الصغير الذي ينمو، تحت الأسرة وتحت السجاجيد المغبرّة من أثر الهجر. وجدنا الاثنين في وقته والثلاثاء والأربعاء، وجدنا الجمعة مبتلة بالقرآن والصلوات فانضممنا إلى الحشد وصلينا برفقة ظلالهم وأمّ بنا إمامهم ورددنا خلفه الدعاء الذي يحمينا منهم ويحميهم منا.

هربنا من خوفنا إلى خوفهم، ووجدنا الجحيم على حاله هنا وهناك. لا نستغرب أن ينزف دمهم من جروحنا، أن تنقص سنواتنا من أعمارهم وأن يبكوا بدموعنا على قتلانا وقتلاهم... مجاز في رصيف22

وجدنا الصحون في أمكنتها، الملاعق وبعضها يحمل اللقمة الأخيرة، البصلات الخضراء الذابلة على مقربة من صحون شوربة العدس، والفول وباقي ضيوف يوم الجمعة الذي احتللنا فيه بيوتاً ليست لناـ

عندما تشاجرنا على تقسيم الغرف والكراسي المفضلة، ارتمينا في التقسيم الذي اتبعه أصحاب البيوت أصلاً: بحثنا عما يمكن أن يكون غرفة الأب والأم، لنعطيها لأبينا وأمنا، عن غرفة الابنة المدللة وكرسي الجد قرب المدفأة، بحثنا عن مقيل القطة وعن آنية الحب للدجاجات اللواتي كنّ يصرخن بأصوات عالية من الجوع، واستغربنا أن لا عناكب في زوايا الغرف ولا بقع ألوان على الجدران.

خرجنا من بيوت ودخلنا في بيوت من يشبهوننا، هربنا من أنفسنا وهربوا هم من أنفسهم، ثم استقرينا في حيوات بعضنا البعض، والآن، حين نحتار ماذا نطبخ ليوم العطلة أو ماذا نضع في الفازة البنفسجية الموجودة على طاولة المطبخ أو كيف نحمي النوافذ المخلّعة وقت العاصفة، نتصل برقمنا القديم، ويرد علينا أحد من الذين احتلوا بيتنا ويخبرنا بما يتوجب عمله، وبدورنا نخبرهم بالخطط الموضوعة لتمضية الأوقات وطرق الزائرين، وأين أخفينا مؤونة السكّر الثمين.

هربنا من خوفنا إلى خوفهم، ووجدنا الجحيم على حاله هنا وهناك. لا نستغرب أن ينزف دمهم من جروحنا، أن تنقص سنواتنا من أعمارهم وأن يبكوا بدموعنا على قتلانا وقتلاهم.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard