هل تعرف الكاتبات معنى اللقمة المسروقة والجسد المستباح؟

الجمعة 22 أكتوبر 202110:24 ص

كلما قرأت لامرأة أتذكر ما قالته الكاتبة الفرنسية آني أرنو، إن "ما نحتاجه الآن بشكلٍ أساسي هو أصوات أنثوية. أي النساء اللاتي مررن بشيء ما مؤثر في حيواتهن، واللاتي حققن شيئاً ما، واللاتي يروين كيف مررن بالتاريخ والحياة. لأنه حتى الآن، كان الرجال في الغالب هم الذين أعطوا صوتاً لتاريخنا، وقاموا بترتيب الحقائق وتفسيرها".

وبقدر ما نجحت كاتبات غربيات كثيرات فيما طلبته أرنو، فإن كاتبات قليلات من المنطقة العربية، استطعن نقل تجربة الحياة الحرة إلى الكتابة. والمقصود هنا ليس نقلها في شكل شعارات أو خطابات تقريرية عما يجب فعله مقابل ما هو كائن، بل عبر شخوص وقصص، يتم سردها بطريقة واعية باللغة والمعنى الذي تأخذه كل كلمة وكل حركة للشخصيات.

مؤخراً، ركّزتُ قراءاتي على مجمل أعمال كاتبات غربيات كبيرات، مثل مارغريت أتوود، أليس ووكر وأليس مونرو. هذه الأخيرة الفائزة بجائزة نوبل عام 2013، تحكي في قصصها عن نساء بسيطات، لكن لهن وعي كبير بالحياة. فرغم قصصهن التي تبدو عادية في ظاهرها، إلا أنها ليست كذلك على الإطلاق.

فمعظمهن يحتفين بالحرية والاستقلالية، ولديهن رغبات وحياة تتفق مع رؤيتهن، من دون شعارات أو فذلكة. إنهن يعشن ببساطة الحياة التي تليق بهن، وليس من الضروري أن تكون حياة بحبوحة أو تتسم بمظاهر مترفة أو إنجازات خارقة، إنما فقط حياة تستجيب لرؤيتهن عن الحياة. وبالتالي نتعرّف على نساء لا يغادرن مخيلتنا بعد إنهاء القراءة، لشدة تماسك عوالمهن.

"ما نحتاجه الآن بشكلٍ أساسي هو أصوات أنثوية. أي النساء اللاتي مررن بشيء ما مؤثر في حيواتهن، واللاتي حققن شيئاً ما، واللاتي يروين كيف مررن بالتاريخ والحياة. لأنه حتى الآن، كان الرجال في الغالب هم الذين أعطوا صوتاً لتاريخنا، وقاموا بترتيب الحقائق وتفسيرها"

ديستوبيا ما بعد الفوضى الشاملة

تلعب مارغريت أتوود على جانب آخر، مع نساء قويات في عالم متخيل، ديستوبيا ما بعد الفوضى الشاملة، التي يحب الروائيون والمخرجون الحديث عنها حين تفاجئهم الحاجة إلى عالم بديل، العالم الذي لن يكون سوى عالم مستبد وشمولي يخنق الإنسان العادي تحت حذاء الحاكم الواحد، والإيديولوجيا الواحدة التي يفرضها بالعنف.

هنا تكون المرأة هي الضحية الأولى، لكن بين مجموعة النساء يتم تدجينهن ليكنّ زوجات عند سن معينة، ويبدأ التمرد عند بعضهن، من وعي خفي وفطري، ومن أسئلة بديهية عن الحياة والوجود والحرية. هنا أيضا لا مجال للشعارات، إنما فقط حوارات وأسئلة تتسم بالبساطة والعمق في آن، وتتبعها أفعال تحاول الاهتداء بها.

تجعل أتوود من فعل التحرّر مسألة بسيطة وبديهية. هكذا تُقدِم شخوصها، نساء ورجالاً، على التضحية، ويصبح فعل التحرّر الإنساني مرتبطاً بعضه ببعض؛ كرامة وحرية المرأة مرتبطان بحرية المجتمع ككل وكرامته.

من الصعب أن يكتب أحدهم أو إحداهن عن مستوى اجتماعي معدوم، إذا لم يعشه

في روايتي "الخادمة" و"العهود" تبرز شخصية الخادمة باعتبارها كائناً واعياً يمثل مصدر حبكة العمل؛ فالخادمات في نظر مارغريت نساء كاملات، لهن تاريخ وقصص ومواقف، وأحياناً يشكلن بؤرة العمل.

من الجانب الآخر، تحضر الكاتبة الفرنسية المغربية ليلى سليماني، لأنها ضمن الروائيين الأوائل في الترويج، ولا نكاد نسمع نقداً عنهم. ولأنها تعود إلى المغرب الذي غادرته في سن الرشد، من أجل استلهام قصص بلا عدد، قد لا تتوفر في البيئة الفرنسية التي تحب الانتماء إليها.

لماذا يتركز اهتمام سليماني بالمرأة المغربية على الجانب الجنسي في حياتها؟ هي التي لا ترى نفسها مغربية بل باريسية، كما صرحت في حوارات لها.

ومن حقها ذلك، فمن لا يشتهي الانتماء إلى باريس؟ لكن بشكل عام، سيضعها هذا ضمن نسق مختلف لتكتب عنه، وهناك الكثير مما يُكتب حوله، لكن أن تتبنى قصص بيئاتٍ مختلفة كلية، لم تعش وسطها حين كانت في المغرب، في مقابل الحياة المرفهة التي عاشتها، الأمران مختلفان.

من حق سليماني أن تكتب عن المغرب الذي تريد، والمرأة التي تريد. فالكاتب من جهة حرّ فيما يكتب، ومن جهة أخرى نحن في النهاية نكتب انطلاقاً مما نعرفه، وحتى حين نكتب عما لا نعرفه، ننطلق من موقفنا الأول، ومن مكاننا.

في "أغنية هادئة" كتبت ليلى سليماني عن الخادمات كذلك، لكنها كانت تقف من البداية مع سيدة البيت، تحكي عن الأولى بعين ولسان الثانية، لأنها غير معنية بالخادمة إلا باعتبارها مصدر حكايات لا تنتهي.

الذكورية ليست موقفاً مضاداً من المرأة فقط، إنما تتمثل أهم وجوهها في أن يروي العالم قصصه بوجهة نظر واحدة، بينما هناك وجهتي نظر منذ بداية التاريخ

الدليل أنك تلحظ أن باقي نساء "ليلى" التي حين تحب الحديث عن نساء العالم المسحوق، مثل الخادمات وعاملات الجنس، يتسمن بالطبيعة المأساوية لقصصهن، والحديث ينصب على هذا الجانب، وعلى إيجاد دراما تثير اهتمام القارئ، لا على جانب النجاة والتحرر من الظروف الصعبة، مع الإشارة إلى أنها تفضل الحديث عنهن من زاوية أفقية.

من الصعب أن يكتب أحدهم أو إحداهن عن مستوى اجتماعي معدوم، إذا لم يعشه. لذا صدقنا محمد شكري وجان جينيه لأنهما رجلان قادمان من القاع، تحدثا عنه بعين وقلب يعرف معنى أن تكون هناك.

أما أن تقوم المرأة بتجربة اجتماعية، وتمس موضوعات كصحفية جربت الدخول في معمعة بيئات اجتماعية، لدراستها في مرحلة معينة، مع ما تخرج منه كمعلومات وتصوّرات عما حكاه لها أصحاب البيئة، يمكن استعماله في دراسات وكتب وبرامج وتحقيقات صحفية، على أنها قصص موجزة لحيوات كثيرة. 

الكتابة والقارئ

في حين أن كتابة عمل إبداعي هو أمر مختلف، يحتاج روحاً تشربت ما تتحدث عنه. روح الكاتب نفسه، فما سيَنتَبهُ له الكاتب وهو يعيش ويُسجّل بعينه المختلفة ومشاعره التي تلتقط كل شيء وتزنه، وتُعبر عنه بشكل لا يمكن للشخص العادي أن يحكي عنه، وإلا لمَ تأتي الكتابة كحالة إبداع، لا مجرد تسجيل؟ لأنها تلك القدرة على الالتقاط والعبور بين الأشياء، لا البحث عن الأحجار اللامعة سعياً خلف إبهار القارئ.

هناك ليلى مغربية أخرى لمعت في الخارج، هي ليلى العلمي، التي تقيم بأمريكا وتكتب بلغتها. لعلها الثقافة الأنجلو سكسونية التي تفرض على المرء الذهاب مباشرة إلى ما يريد قوله، ولا تتساهل مع التقمص. السبب في أن تكتب ليلى العلمي عما تعرفه، وهو مغاربة أمريكا وما يعيشونه، وغيره مما يحضر فيه همّ الكاتب الشخصي.

أعود إلى آني أرنو، فهي تختار رغم وضوح صوتها ألا تستخدمه في الخطاب المباشر، بل في النص، متوارياً خلف نساء أخريات يروين متاهة عيش إناث البشرية، في مجتمعات ذكورية بنسب متفاوتة.

"من الواضح أن صوتي ككاتبة هو صوت أنثوي خالص، لكني أفضل ترك صداه يتردد في كتبي عن أن أشارك به عالياً في النقاشات العامة أو عبر قنوات الميديا". الذكورية ليست موقفاً مضاداً من المرأة فقط، إنما تتمثل أهم وجوهها في أن يروي العالم قصصه بوجهة نظر واحدة، بينما هناك وجهتي نظر منذ بداية التاريخ.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard