دعارة مُغلَّفة بمكتب سياحة وسفر في تركيا

الاثنين 18 أكتوبر 202101:09 م

"من الأسئلة التي طرحها عليّ: هل تعرفين أحداً هنا؟ تعيشين وحدك أم مع عائلتك؟ هل لديك معارف؟ تزورين تركيا للمرة الأولى؟".

أنقل في هذا المقال شهادة يارا (اسم مستعار)، فتاة سورية تبلغ من العمر 29 عاماً، وَجدتْ في السفر، عام 2015، الخلاص، أو هكذا اعتقدت. اتجهت من حلب إلى دمشق في رحلةٍ استمرّت 11 ساعة لكثرة الحواجز، ومن ثم إلى بيروت، فاسطنبول، حيث وجدت نفسها "في مكان كبير كتير"، على حسب وصفها. 

فضّلت عدم الكشف عن اسمها بسبب تعرّضها لتجربة معيّنة، لم تود البوح بها لأهلها، خشية خوفهم عليها، مع استمرار تغّربها.

درست يارا التجارة والاقتصاد في جامعة حلب، وعملت في مكتبٍ لحجز تذاكر الطيران. كانت هذه خبرتها العَملية البسيطة قبل الانتقال إلى اسطنبول وبدء رحلة البحث عن عمل. 

بعد نحو أسبوعين من وصولها، وجدت خلال تصفّحها فيسبوك إعلاناً لمكتب سياحة وسفر تركي. كان المكتب يبحث عن موظف أو موظفة تتحدث باللغة العربية. 

تواصلتْ يارا مع المكتب وأجرت مقابلةً مع زهير (اسم مستعار)، صاحب الشركة ومديرها، وهو تركي، في أواخر الأربعين من عمره. يُجيد زهير قليلاً اللغة العربية، لأنه تلقى تعليمه في السعودية، بحسب ما قالت عنه. وفي وصفها للشركة، تقول إن المكتب شقّة داخل بناية. يعمل فيه أربعة موظفين سوريين (شابّان وشابتان)، وأصبحت هي الموظفة السورية الخامسة.

"أخبرني أن زميلي 'أحمد' سيتولى مهمة تدريبي"، تقول يارا، وتشرح أن عملها كان يتعلّق بحجز تذاكر طيران، وفنادق، وبرامج رحلات سياحية داخل تركيا وما إلى ذلك.

وتضيف: "كان يعطينا أرقام الأشخاص الذي يريد منا التواصل معهم". من هم؟ "أشخاص كثيراً ما يترددون إلى تركيا. يطلب منّا التواصل معهم لمعرفة هل سيأتون مجدداً أم لا. غالبيتهم من السعودية والكويت".

وتتابع: "كنت أقوم بحسبتي المتعلقة بتكاليف الحجوزات، وأتوجه إلى المدير ليضيف ربحية المكتب. يكون المبلغ المطلوب (دون أرباح) أربعة آلاف دولار أمريكي على سبيل المثال، فيطلب أن أقدم العرض بعشرة آلاف دولار. كنت أستغرب كثيراً".

وعند إخبارها الزبون بالمبلغ المهول، كثيراً ما يقول لها إنه سيتواصل مباشرةً مع زهير ليتفاوض معه، وإن لديه رقم زهير الشخصي. "وبيِختفي البني آدم، وهالحكي مثله مثايل. حسّيت فيه شي. ما بعمل شي. ما منبيع شي. عم نشتغل بس ما عم يكتمل شي"، تقول يارا. 

"هذا قوّاد"

تُكمل في شهادتها: "ذهبتُ مرّة إلى مكان منتشر في تركيا يُدعى 'Simit Sarayı'، واقتربت فتاة وطلبت التحدث عبر هاتفي، موضحة أنها تواجه مشكلة ما في هاتفها... بعد ذلك سألتني هل بالإمكان الجلوس معي. فقبلت بالتأكيد. 'ما أنا ما بعرف حدا، بدي حيالله حدا من السما'".

اسمها رحمة، وقالت ليارا إنها مغربية، تدرس في اسطنبول حالياً، وتبحث عن عمل. ومن حديث إلى آخر، سألَتها ماذا كانت تعمل في المغرب، قالت "كاينة نشطح"، أي أنها كانت تمتهن الرقص الشرقي. "قلتُ لها إنني أعمل هنا (بالقرب من Simit Sarayı) في مكتب سياحة وسفر، وطلبت مني ترشيح اسمها في حال توفرت فرصة عمل في المكتب"، تقول يارا.

وتتابع: "قلت لحالي حرام، كنت لسة جاي جديد على تركيا، وحاسة بمعاناة الناس، وكيف صعب الواحد يلاقي شغل!". 

فأخبرت يارا صاحب العمل بالأمر، وطلب مقابلة الفتاة. تعلّق يارا هنا: "طبعاً هو أي بنت بدها تيجي ما رح يقولها لأ… اتصلت فيها وقلتلها بده يقابلك".

وبدأت رحمة بالعمل دواماً جزئياً (Part time) لالتزامها بالدراسة. تقول يارا: "لا أعلم ما الاتفاق، ولكنها كانت تعمل بضع ساعات معنا في المكتب".

وتكمل يارا: "في يوم، دخلت رحمة الشركة وهي غاضبة، واتجهت نحو مكتبه، من ثم خرجت ولم تعد. اتصلت بها لأسألها عمّا يجري، ردّت: 'هذا كلب، ولن يعطيكم رواتبكم، ويعمل في شيء سيئ'. لم تقل أي تفصيلٍ آخر، واختفت ولم تعد تجيب على أي اتصال".

وتضيف: "بات يسألني عنها كثيراً حتى شككت بأنها سرقت شيئاً ما منه ولكنه نفى ذلك. أخبرته أنني تعرفت عليها صدفةً وسألتني هل هناك فرصة عمل، وأنني لا أعرف عنها شيئاً. عرض عليّ المال في إحدى المرّات مقابل أن أخبره عن مكانها".

"بعد أسبوع أو أكثر قليلاً، أتت رحمة إلى الشركة مجدداً وهي تصرخ وتشتم وتقول إنه تحرّش بها، وإنه شخص بلا أخلاق، و'قوّاد'، وإنه يستخدم العمارة المقابلة للشركة من أجل الدعارة، وإن في كل شقة بنت أو بنتين، روسيات وأوكرانيات وجزائريات وسوريات و'اللي بيزبط معه'"، بحسب يارا. 

"من الأسئلة التي طرحها عليّ: هل تعرفين أحداً هنا؟ تعيشين وحدك أم مع عائلتك؟ هل لديك معارف؟ تزورين تركيا للمرة الأولى؟"... شهادة فتاة سورية تحكي عن عملها في شركة سياحة وسفر تركية تبيّن لاحقاً أنها غطاء للدعارة

وتضيف أن زهير وظّف رحمة لتعمل في تلك العمارة وليس في مكتب السياحة نفسه، وأنها لا تعلم على ماذا اختلفا. وتوضح: "اكتشفنا أنه يحاول من خلالنا تذكير الناس بخدماته، وشركة السياحة غطاء على شبكة الدعارة (يبدو أنها غير مرخصة، فالدعارة في تركيا مقننة بموجب قانون أعدته حكومة حزب العدالة والتنمية، وصادق عليه البرلمان في 26 أيلول/ سبتمبر عام 2004، ودخل حيز التنفيذ في الأول من حزيران/ يونيو عام 2005)".

"وما إن لحق بها زهير حتى أخذنا أغراضنا وهربنا. كان 'أحمد' هو الوحيد الذي بقي، كان مقرباً من زهير ويبدو أنه الوحيد الذي كان يعلم الحقيقة… واكتشفتُ قبل سنتين أن زهير بات قواداً مشهوراً"، تقول يارا. 

"اكتشفنا أنه يحاول من خلالنا تذكير الناس بخدماته. وشركة السياحة غطاء على شبكة الدعارة".

لماذا لم تبقي في الشركة وأنت بحاجة قصوى للمال؟ "كنت وحدي هناك، ولا أعرف أحداً، وهو قوّاد، لن أخاطر بنفسي". وعن رحمة، تقول: "أعتقدت أنني أساعدها، لم أكن أعلم أنني أقودها إلى هذا". 

تروي يارا أن زهير كان يستخدم الدين أو مظاهر التديّن كنوع من التمويه:" كان يسألنا أيام الجمعة هل من الممكن تشغيل القرآن في المكتب، كما كان يصلّي فروضه أمامنا، ولم يكن يصافح النساء باليد". 

وقالت إنها استلمت نصف راتب فقط، كونها بدأت في منتصف الشهر. وكان راتبها مفترضاً أن يكون 1300 ليرة تركية شهرياً. وعن مقابلة العمل، تستذكر أنه سألها أسئلة أخذتها بحسن نيّة، ولكنها توحي بشيء ما. "سألني هل تعرفين أحداً هنا؟ هل تزورين تركيا للمرة الأولى؟ هل لديك معارف؟ تعيشين وحدك أم مع عائلتك؟ قلت له إنني أعيش مع عمي (بينما كانت تعيش وحدها)، ولديّ خالتي هنا في اسطنبول أيضاً". 

لماذا لم تنتقمي منه مثلاً عبر الإبلاغ عنه؟ تجيب: "كنت خايفة. كنت صغيرة، 23 سنة تقريباً، وكنت لحالي وما بعرف حدا. وما بعرف القانون. لفلفت السيرة واختفيت. خفت أشكي عليه وينقلب الموضوع ضدي، خصوصاً إني سورية، السوري بهديك الفترة، وما زال، مش مرحب فيه، ممكن ينقلب الموضوع ضدّي. مش وارد أفوت بمشاكل". 

"صاحب الشركة كان يستخدم الدين أو مظاهر التديّن كنوع من التمويه. كان يسألنا أيام الجمعة هل من الممكن تشغيل القرآن في المكتب، كما كان يصلّي فروضه أمامنا، ولم يكن يصافح النساء باليد"

"فلوس حرام"

مرور يارا بما هو مريب لم ينتهِ مع انتهاء عملها بـ"السياحة والسفر". 

تخبرني أن منطقتيْ يوسف باشا وأكسراي في اسطنبول على سبيل المثال كانتا من أكثر الأماكن الموبوءة (دعارة وسرقات...)، لكن لم يحذرها أحد منهما. تقول إن هناك مجموعة من المطاعم السورية التي يرتادها السوريون بكثرة مثل أنس وطربوش. وهناك صادفت شخصاً تعرفه من سوريا، وأخبرته أنها تبحث عن عمل، فذكر لها أن هناك فرصة بيع أدوية عبر الهاتف.

وتشرح: "الشركة كانت بمنطقة أرقى قليلاً، اسمها شيرين ايفلر. صاحبها تركي، عمره 23 سنة، ويرافقه مترجم تركماني يجيد العربية. تبيع الشركة منتجات 'تجميلية'. هل تعرفين الدعايات التي يقال فيها 'الحل عنّا إن كانت ركبتك سوداء؟'، كنا نبيع مثل هذه المنتجات، وإلى جانبها، كانت الشركة تبيع دواء خاصاً بعلاج آلام المفاصل وآخر لداء السكري".

"توظفت، وكان في الشركة نحو 15 موظفاً. من يدرّب الموظفين ويعطيهم المعلومات عن الأدوية لم يكن طبيباً، وإنما مهندس زراعي خمسيني تقريباً، كان من العراق"، تقول يارا.

وتضيف أن الشركة كانت تستهدف السعوديين من خلال الإعلانات الموجهة إليهم. تقول: "حين يتصل أي شخص، يظهر رقمه لدينا، فنعود ونتصل به لنشرح عن الأدوية. نقول له إن الدواء ألماني، وهكذا يظهر في الإعلان فعلاً، ولكنه تركي الصنع… أي كذب بكذب".

وتردف: "سألت المهندس عن الدواء مرة، قلت له إن والدي يعاني مرض السكّري، قال لي: 'قعدت مع دكتور وسألته عن الدواء، كما قرأت عن تركيبته... هو لا يضرّ، ولكنه لا يفيد'. اكتشفت أنه الموضوع حرام بحرام، وأنه بتضحكوا على الناس. وبدأت مجدداً في البحث عن عمل".

عملت يارا شهرين ونصف، وكانت تتقاضى 1400 ليرة، بالإضافة إلى ثلاثة دولارات عند استلام الزبون الطلب. 

وتختم: "اكتشفت لاحقاً من الشخص الذي ساعدني في الانضمام للشركة أنها شركة غسيل أموال وأنها أُغلقت. الموضوع كان شائكاً، صاحب الشركة عمره 23 سنة، كما كانت الأموال كثيرة بالمقارنة بحجم البيع، ناهيك بالأكاذيب المتعلقة بالأدوية".

وبما أنه لم يوجد عقد عمل مع يارا "كونها سورية"، بحسب قولها، لم يتطلب أمر انتقالها إلى عمل ثالث سوى عدم الرد على المكالمات. بدأت بعد هذه التجربة رحلة جديدة في عالم العقارات، مودعةً محطتين قد تحكي عنهما طويلاً في حديثها عن أولى تجاربها في عالم الكبار.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard