كل القطط الميتة في حياتي

السبت 16 أكتوبر 202112:58 م

ياللموت، ياللفناء المُسْكر


I

رقد جدي في فراشه، بدا نائماً، لكنّي رأيت الموت واقفاً عند رأسه. لم يكن هيكلاً عظمياً مسربلاً بالأسود كما يظهر في أفلام الرعب أو يصفونه في الأساطير، كان رجلاً نحيلاً، بجلد رقيق وشفتين رفيعتين، عيناه حزينتان، أو مثقلتان ربما بكل ما رأى. كان يرتدي قميصاً وبنطلوناً، يقف واضعاً يديه في جيبيه، شعره ناعم، وعظمتا وجنتيه بارزتان. كان يشبه الممثل أدريان برودي، حتى بنفس ابتسامته التي تضيّق عيناً واحدة بينما الأخرى تنظر باندهاش، أو عطف، أو شفقة.

يومها قابلت الموت مجسداً لأوّل مَرّة، لأنّي قبلها لم أر جسماً خالياً تماماً من الحياة، لم أر الموت سوى في عيون قططي الميتة. يموت القط وتظل عيناه مفتوحتين، تختفي منهما اللمعة، وتَتَحَوّلا إلى عينين زجاجتين، يموت ويبدو نائماً لكنّ عينيه تفضحان موته. عندما نموت تبقى العينان مفتوحتين حتى يغلقهما أحد. القطط لا تجد أحداً، القطط في البيت وفي الشارع، تموت وتظل ترمق العالم باندهاش.

كلما مشيت في الشارع، رأيت قطاً ميتاً على الرصيف أو على الأسفلت، أحياناً أجده لا يزال يحتضر، فأجلس إلى جواره، أضع كَفّ يدي على جسمه الذي يبرد شيئاً فشيئاً حتى يسكن.

يتركني الموت واهنة، أشعر بعظام ركبتي تتلاشيان، وأبكي إلى الداخل. تخنقني الدموع الداخلية، وأسمع صوت نهنهتي دون أن يسمعها أحد. تنقذني الكمامة هذه الأيام، يختفي فمي خلفها فأفتحه وأنهنه، أبكي لأنّي أكره الموت، وأشفق عليه، أشفق على الشاب النحيل الشفاف الذي يضطر للوقوف على رؤوس الكائنات جميعاً حتى يموتوا.

I I 

عرفت الموت على كبر، بدا لي وكأنه اجتماع عائلي مبهج، يجلس الجميع في بيت جدتي الصغير، مرصوصين على الكنب والمقاعد، صامتين وكأنهم ينتظرون شيئاً، أعينهم معلقة بغرفة جدتي، كانوا ينتظرون موتها، بينما نلهو أنا وأطفال العائلة في غرفة الصالون أو على السلم، نجري ونضحك ونشرب العصير ونتناول الحلويات. لم أفهم ما يحدث حتى أجبرتني أمي على توديع جدتي، أدخلتني إلى غرفتها التي اعتدت دخولها فور وصولي إلى البيت كل خميس لطبع قبلة على وجنتها بسرعة، دون أن أتأملها جيداً حتى، ثم أركض للعب مع الصغار.

في هذا اليوم لم أتمكن من تقبيلها، دخلت ووجدتها راقدة على ظهرها، بدت واهنة جداً، لا أنسى شكلها أبداً، ربما في هذه اللحظة ولد بداخلي الخوف من الانتظار، رغم أنني طوال الوقت أنتظر شيئاً لا أعرفه.

أبكي لأنّي أكره الموت، وأشفق عليه، أشفق على الشاب النحيل الشفاف الذي يضطر للوقوف على رؤوس الكائنات جميعاً حتى يموتوا... مجاز في رصيف22

أمسكتُ يَدَها العظمية ونظرت إلى شعرها الأبيض وعينيها الزرقاوين، ضَغطت بكف يدها على يدي وبكت، بكت دون صوت، دمعة وحيدة انسَلّت من عينها اليسرى وسالت على جلدها الرقيق. كان فمها مفتوحاً وعيناها نصف مغمضتين. كانت تحبني وأنا أحبها، سماني أبي على اسمها، غادرت الغرفة، فأغلقت أمي الباب عليها حتى ماتت.

لم يحضر أبي موت أمه، كان مسافراً إلى بلاد بعيدة تمنحه مالاً لا يكفي لملأ الفراغ حوله والخواء داخله، حاولت أمي أن تداري عنه خبر الموت، لكن الموت لا يمكن إخفاؤه، زل لسانها بتفصيل ساذج عندما هاتفنا فجأة ذات مساء قبل الخميس الأول للموت، عندما أخبرته أن جدتي الأخرى-أمها-تعد (قُرص الرحمة) في فرن البيت، سألها أبي لمن تعدها فارتبكت أمي، ثم عزمت أمرها وأخبرته.

سكت أبي لحظات طويلة، رأيت وجه أمي يتصبب عرقاً، ثم عاتب أمي لأنها لم تخبره، لأنه كان يدعو لها بالشفاء طوال الوقت، يتمنى لو كان قد دعا لها بالرحمة.

وكأن هذا فقط ما يؤرقه! استبدل أبي بالحزن الرغبة في فعل شيء يعزيه، مثل الدعاء بالرحمة لأمه التي رحلت دون أن يراها. هذا ما نفعله، نبحث عن عزاء ما، عن شيء يشغلنا حتى لا نجنّ، فكرة الموت مؤرقة، ليس فقط للفراق، لكن للتساؤلات الكبرى عما خلف الاختفاء، ما الذي يحدث بعدما يختفي الشخص أسفل طبقات التراب، أو خلف جدار مقبرة؟

وقتها لم أتساءل عن شيء، كانت أخبار الموت تأتينا بعد ذلك في الهاتف، لم ألمسه إلا بعد عامين، عندما سقطت جدتي لأمي أمامي فجأة، كانت تتحدث وتضحك ثم أرجعت رأسها للخلف وغابت.

اختفت في لحظة، تلاشت وهي جالسة على مقعد. حملوها من أمامي، ابتلعتها سيارة الإسعاف وذهبت. هكذا ببساطة رحلت المرأة التي كنت أنام بجوارها طوال أعوامي العشرة، التي كنت أراقب تنفسها كل ليلة خوفاً أن تموت إلى جواري، كنت أدعو الله أن يحميها من الأمراض التي أسمع عنها في التلفزيون، السرطان والإيدز والالتهاب الرئوي والسكتات القلبية، لكن الموت راوغني وأحدث نزيفاً في مخها، لم يستمر طويلاً لأنها ماتت بعد ساعات، لحظة موتها سَقَطَت مروحة السقف إلى أرض الصالة، وبدا لي الموت حينها مثل سقوط قطعة من السقف، أو قطعة من السماء.

I I I

كل القطط التي ماتت بين يدي، على فِراشي وعلى السجادة وفي غرف البيت القديم والجديد، ظلت محفورة في قلبي، لكنّ القطط الميتة في الشارع تميتني معها، مثل القط على رصيف مدرسة ابنتي، ظَلّت جُثّته ملقاة على الرصيف أياماً، كل صباح، أمر إلى جواره، وأرى جسده يتحوّل، يتلاشى شيئاً فشيئاً ويندمج في طبقات الأرض. كل صباح أحاول ألا أنظر وأنظر. كل صباح تتلاشى عظامي، وأشعر بذات الوهن.

اللقطات لا تغادرني، ذات يوم رأيت من شباك سيارة الأجرة كلباً ميتاً، كان رفيقه يحاول إيقاظه برجليه الأماميتين، يهزه ويدلك صدره، في هذه اللحظة القصيرة وأنا أمر بجوارهما بسيارة الأجرة، لمحت الموت، لم يكن متجسداً في جثة الكلب، بل في عيني رفيقه الذي بدأ باليأس. كان يتعرف على الموت ربما لأول مرة، وبدا في عدم تصديقه لفكرة ألا يستيقظ الرفيق كل ما أود التعبير عنه ولا أستطيع.

كل القطط التي ماتت بين يدي، على فِراشي وعلى السجادة وفي غرف البيت القديم والجديد، ظلت محفورة في قلبي، لكنّ القطط الميتة في الشارع تميتني معها... مجاز في رصيف22

في الموت تخفّف، شعرت به وأنا أقف أمام مقبرة جدي، مقبرة عالية مثل غرفة صغيرة مغلقة، يرقد خلف جدارها دون أن أتمكن من رؤيته أو لمسه، لكني شعرت بأنني خفيفة، وكأن ثقلاً ما كان يشدني إلى الأرض اختفى، أخاف أن أصارح نفسي بحقيقة مشاعري، أنني أكره الموت وأنتظره، يبدو لي أن في كل موت انعتاق. ذات يوم، سأتحرر تماماً، لن ألمس الأرض، وسأتمكن وقتها أنا أيضاً من الطيران.

V

اليوم مشيت في الشارع ورأيت قطّة صغيرة بيضاء ميتة، مُلقاة على ظَهرِها كما تفعل القطط عند التَدَلّل، كانت ميتة جداً لكن بعينين مغلقتين. أوّل قطة مَيتة مغمضة أراها، أَظُنّ أنّها ماتت صغيرة جداً، قبل حتى أن تمنحها الحياة فرصة لفتح عينيها ورؤية العالم.

ماتت دون أن تُحِبّ أو تُحَبّ، عندما رأيتها اليوم تسلّلت فكرة إلى عقلي، قلت لنفسي: "لن أموت دون أن أرى العالم... لن أموت دون أن أعيش".

أريد أن أنظر إلى الموت الذي يشبه أدريان برودي عندما يأتي لاصطحابي، وأقول عرفت ما كنت أريده في لحظة غريبة لا علاقة لها بأيّ شيء، عرفت الطريق الذي يجب عليّ أن أسير فيه، ما يجب أن أتخلّى عنه وما يجب أن أتمسّك به، فعلت كُلّ شيء حتى ألقاك بعينين مفتوحتين وابتسامة خفيفة.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard