"هيك صار فينا"... من مخيم برج البراجنة إلى قلب كوبنهاغن

الأحد 10 أكتوبر 202105:25 م

سبع نساء فلسطينيات قادهن عزمهن من مخيم برج البراجنة جنوب بيروت إلى أحياء العاصمة الدنماركية كوبنهاغن.

هي ليست رحلة سياحية يقصدها الميسورون، إنما قصة تلخّص معاناة اللاجئين/ات الفلسطينيين/ات في لبنان.

بدأت رحلة العرض المسرحي بوقوف الكاتبة المسرحية فاديا لوباني وست ممثلات هن: مهى مرة، وفيقة لوباني، سميرة ياسين، آية قاسم، آلاء عويتي وآمنة بيرقجي، في طابور الانتظار، في ممر المغادرة داخل مطار بيروت.

هؤلاء السيدات قلقات جداً كأنهن مذنبات، يحاولن تبديد الخوف، لكن انفعالاتهن واضحة: توتر، قلق وريبة.

تنتمي الممثلات الهاويات إلى جيلين مختلفين، ولكن التجارب ذاتها تتكرّر في مخيم برج البراجنة. لا يهم العمر إن ولدنا بمخيم للاجئين/ات يحكمه ضيق المساحة وكثافة السكان وأوضاع معيشية صعبة، وهموم عبرت الزمان حتى باتت تتناقلها الأجيال بالوراثة.

"هيك صار فينا"، مسرحية تجسّد قصصاً حقيقية عن الحب والخيبة والأمل والتضحية، توحّدت تحت توتة الدار، لتعبر الحدود من خشبة مسرح متواضع إلى خشبة أعرق مسارح الدنمارك.

توتة الدار

في حوارها مع موقع رصيف22، كشفت كاتبة مسرحية "هيك صار فينا"، فاديا لوباني، عن سبب اختيار التوتة كرمز للمسرحية: "لقد اخترنا التوتة رمزاً لمسرحنا، لما تحمله من دلالة على وطننا فلسطين وقضيتنا، إذ إن التوتة كانت جامعة لكل العائلة وحملها أجدادنا إلى أرض اللجوء، لتكون ونيسة لهم".

وعن المسرحية، أشارت لوباني إلى أنها تحمل عنوان "هيك صار فينا"، لأنها تنقل قصص ست نساء، بشكل واقعي، وتتحدث بلسان حالهن.

"هيك صار فينا"، مسرحية تجسّد قصصاً حقيقية عن الحب والخيبة والأمل والتضحية، توحّدت تحت توتة الدار، لتعبر الحدود من خشبة مسرح متواضع إلى خشبة أعرق مسارح الدنمارك

وأبدت فاديا سعادتها بالنجاح الذي حققته المسرحية: "لم أتوقع كل هذا النجاح، لقد تقبَّلَنا المجتمع الدنماركي وتفاعل مع قضيتنا"، مضيفة بأن "هذا التفاعل برز من خلال الأسئلة التي كانت عميقة ودقيقة جداً، طرحت علينا مجموعة من الأسئلة عن حياتنا وعن مطالبنا، فأجبنا بأن مطلبنا الرئيسي هو أن نعيش بكرامة وأن نمارس الحق في تقرير مصيرنا".

في الواقع، امتدت العروض على مدار 9 أيام، في أهم مسارح الدانمارك، منها "منهت ألبرج"، "جيلروب" إلى جانب مسرح ثانوية ريسلينغ.

وتعليقاً على هذه النقطة، قالت لوباني: "في كل عرض كنا نشعر بمدى تجاوب الجمهور معنا، كما شعرنا بحجم التعاطف".

قصص النساء

النساء هن أكثر عرضة للاضطهاد والتمييز لا سيما في حالات اللجوء، فكثيرات منهن يضطررن للتخلي عن أحلامهن والتضحية بها لأسباب اقتصادية أو اجتماعية.

هنا على خشبة مسارح الدنمارك تقدم ست نساء فلسطينيات قصصهن بعدما قامت منظمة "C:NTACT" ، وهي منظمة مسرحية وإعلامية مستقلة، بتطويرها.

تتميز القصص بأنها واقعية وتروي تجارب شخصية لعدد من النساء في المخيم، تحاكي تجاربهن الخاصة: ألم الموت، فراق الأحبة، مرض الفصام، الهجرة والبحث عن حياة أفضل والسعي وراء فرص العمل.

البداية مع آية، وهي فتاة تبلغ من العمر 24 عاماً، تحب وظيفتها في روضة للأطفال، لكن خطيبها يفضل بقاءها في المنزل. هي في حالة ضياع، إذ يجب عليها أن تقرر ما إذا كانت ستتبع حلم الحياة العملية أو أن تنخرط في علاقة عاطفية وتختار الحياة الأسرية.

وبينما آية في خضم معضلة قد تؤثر على مستقبلها، تتحدث سميرة عن زوجها العاطفي، وهو ما لا ينسجم مع التوقعات بالنسبة للرجال في المخيم. أثرت الشائعات والتحامل على زوجها في كيفية قبول سميرة نفسها لإعلانه حبه لها.

ثم تتحدث مهى مرة عن زوجها الذي يصاب بالفصام، وكيف أن المجتمع لا يتقبله، إلا أنها تصر على الوقوف إلى جانبه وتبتكر الزراعة المنزلية كطريقة لمساعدته في رحلة العلاج.

من المعروف أن الأعراف الاجتماعية والظروف الاقتصادية التي تخلق في بيئة المخيم لها طابع خاص، وقد تؤثر على حياة النساء وقراراتهن المستقبلية.

واللافت أنه وراء هذه التعقيدات، لم تخلُ القصص من ذكر حق العودة وتقرير المصير، إذ إن المخيم مرتبط بقضية فلسطين.

تغيّرت حياتنا

"لم يتوقف التصفيق وتسارعت معه دقات قلبي". بهذه الجملة تبدأ مهى مرة (إحدى الممثلات) حديثها عن مسرحية "هيك صار فينا"، مشيرة إلى أنها المرة الأولى التي تسافر فيها وتكون بمفردها بعيداً عن عائلتها.

وأردفت بالقول: "هذا العرض لم يكن فقط لنقل قصصنا، بل كتب لنا قصة جديدة، لقد تغيرت حياتي... ثبت لي أنني أستطيع أن أتخذ قراراً وأن أسافر وأن أنقل صوتي ووجعي، لقد تحطمت جميع القيود والممنوعات، صحيح أن عمري 54 عاماً ولكن هذه المرة كنت صاحبة قرار وتجربة".

وتتفق المخرجة الدنماركية صوفي بريكلي مع رأي مهى، لجهة أن عرض المسرحية في الدنمارك قد غيّر حياة هؤلاء السيدات.

وأضافت صوفي: "لقد تعاملت معهن طيلة 5 سنوات وكنت ألمس الألم والإحباط، ولكني اليوم أرى نساء طموحات مشرقات، لديهن شغف للمعرفة والاطلاع، أعتقد أن الرحلة غيّرت مصيرهن ونظرتهن للحياة".

بداية الحلم

في العام 2016، قَدِمت صوفي بريكلي من الدنمارك إلى المخيم في إطار عمل، وتعرفت على مديرة ومؤسسة روضة "القسّام" فاديا لوباني.

وعن هذه التجربة، قالت صوفي: "لقد شاركت فاديا تفاصيل الحياة اليومية وصعوبة الحياة في المخيم، ورسمنا سوياً حلم امتلاك مسرح اعتبرناه المكان الوحيد الذي تستطيع فيه النساء تحقيق ذواتهن".

وتابعت بالقول: "واجهنا صعوبات في البداية، إذ لم يكن إقناع النساء وأهاليهن بالفكرة أمراً سهلاً. ثم توسعنا شيئاً فشيئاً، وانصب اهتمامنا على أعمال تتحدث فيها المرأة عن مشاكلها بلا خجل. وبالفعل، من خلال التدريبات تمكنا من أن ننزع ثوب الخجل عن النساء، ونجحت كل امرأة في تجسيد حكاياتها وقصص غيرها ممن يعشن في المخيم. واليوم ينتمي أعضاء المسرح إلى جيلين، أولهما واكب مرحلة التأسيس، وبات في الخمسينيات من العمر، أما الثاني فهو جيل العشرينيات حالياً".

وأوضحت صوفي أن "المسرح يهدف إلى إخراج كل مكنونات النساء، ويجعلهن منفتحات على بعضهّن البعض كي يعرف الناس القصص الجميلة الموجودة في المخيم".

ولفتت المخرجة الدنماركية إلى أنهن تمكّن من تقديم 4 مسرحيات حتى اليوم، حملت العناوين التالية: طلعة، صباح الخير حبايبي، عند التوتة، هيك صار معنا".

وأشارت بريكلي إلى أن مسرحية "عند التوتة"، التي عرضت في مخيم برج البراجنة، حققت نجاحاً كبيراً، ما دفع ببعض المسؤولين والمسرحيين الدنماركيين وممثلين عن الجالية العربية في الدنمارك إلى تبني فكرة عرض مسرحي في بلادي.

أحلام صغيرة تولد من رحم المعاناة، ولكن مع الإرادة نستطيع أن نقول إنه ليس هناك من أمر مستحيل، فالنجاح تقف وراءه العزيمة. هذا هو المغزى الكامن وراء قصص سبع نساء نجحن في نقل صوتهن من زواريب المخيم الضيّقة إلى أوسع مسارح كوبنهاغن

وفي حين أنه كان من المفترض أن يكون العرض قبل سنة ونصف، ولكنه تأخر لعدة أسباب، أبرزها جائحة كورونا والبحث عن مسرح في الدنمارك لإنشاء توأمة معه، كذلك بسبب التمويل، وفق ما كشفت صوفي: "لقد عملنا على جمع المال لتجديد جوازات سفر النساء والحصول على تأشيرات ونفقات السفر.

وأضافت المخرجة: "لقد تم دعم هذا المشروع من قبل مؤسسة الفن الدنماركية، وزارة الثقافة الدنماركية، السفارة الدنماركية في بيروت والمورد الثقافي (وجهات)".

وعن كواليس مسرحية "هيك صار فينا"، قالت صوفي إنها استغرقت ثلاثة أشهر من العمل بالتعاون مع منظمةC:NTACT، لتطوير القصص.

أما عن الجمهور الدنماركي، فكشفت أنه "كان متأثراً جداً ومستمتعاً في آن بسماع تجارب السيدات وسردهن تفاصيل حياتهن اليومية التي وصلت للقلب بعيداً عن الحرب"، معتبرة بأنه "عندما نتشارك القصص تغيب الفواصل والحواجز".

وختمت صوفي حديثها بالقول: "ردة فعل الجمهور والمتابعين/ات والصحافة تشير إلى أننا نجحنا في تحقق الحلم، وبات هناك مسرح بمواصفات عالمية لنساء المخيم لنقل صوتهن. وأنا سعيدة لتحقيق هذا النجاح".

أحلام صغيرة تولد من رحم المعاناة، ولكن مع الإرادة نستطيع أن نقول إنه ليس هناك من أمر مستحيل، فالنجاح تقف وراءه العزيمة. هذا هو المغزى الكامن وراء قصص سبع نساء نجحن في نقل صوتهن من زواريب المخيم الضيّقة إلى أوسع مسارح كوبنهاغن.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard