"الله لا يفرّج" عن خيباتنا من حِكم بقيت على السبّورة

الجمعة 8 أكتوبر 202111:22 ص

ينشأ كل جيل من الأجيال، بالاعتماد على الكثير من العوامل التي تسهم بشكل ما في بناء شخصيته؛ "أشخاص مؤثرين، أحداث بارزة، بيئة ومجتمع قضى فيهما أيام نشأته، والعديد من المؤثرات الأخرى". نتشابه في سوريا في تفاصيل طفولتنا ودراستنا. الأشياء التي تترسخ في ذاكرتنا، في غالبيتها أشياء مشتركة. في مختلف مراحل نشأتنا، انتشرت المقولات والحكم التي كنّا نتسابق لكتابتها على السبّورة، أو في مواضيع التعبير الكتابي، ضمن مادة العربي، لنستشهد بها من أجل موقف ما، أو في موضوع نتكلم عنه.

 مقولات أجدادنا، هي أهم أسباب خيبتنا.

انتشرت في حياتنا العديد من المقولات التي في غالبية الأوقات لم تتخذ طريقاً صحيحاً في بلادنا، وإنما فقدت قيمتها، وأصبحت مثلها مثل "كيفك؟"، التي تقال في بداية أي حديث بلا أي معنى. تختلف الأسباب التي جعلت من هذه المقولات التي كانت تشكّل منهجاً لنا نسير عليه، بلا معنى، في يومنا هذا، ولكن السبب الرئيسي والواضح هو أن الوضع الذي نعيشه اليوم في سوريا، لم يشبه أي حالة طبيعية، ليجعل من هذه المقولات ذات قيمة ما.

"من جدّ وجد، ومن سار على الدرب وصل"

مقولة تكاد تكون الأكثر انتشاراً في طفولتنا، ومراحل دراستنا الأولى، إذ كانت حكمة كل يوم، ويعتمد عليها الأساتذة ليوصلوا لنا فكرة أن التعب والاجتهاد هما سبيل الوصول الوحيد إلى تحقيق الأهداف. لا يختلف أحد اليوم، في سوريا، على أن كل جيل ضمن هذه البلاد، قد بذل قصارى جهده ليحقق، ويخلق طريق الاجتهاد الخاص به. ولكن ماذا عن الوصول؟! هل تحقق؟ هل الاجتهاد كان طريقاً صحيحاً في مجتمعاتنا؟!

انتشرت في حياتنا العديد من المقولات التي في غالبية الأوقات لم تتخذ طريقاً صحيحاً في بلادنا، وإنما فقدت قيمتها، وأصبحت مثلها مثل "كيفك؟"، التي تقال في بداية أي حديث بلا أي معنى

عانت سوريا في أغلب أوقاتها، من الفساد الذي جعل من الاجتهاد طريقاً ثانوياً جداً للوصول إلى الأهداف. فهل التزامك بطابور الخبز سيجعل طريقك مليئاً بالورود؟! كنت أتمنى أن تكون الإجابة نعم، لكي تحافظ تلك القيم التي نشأنا عليها، على أهميتها وتأثيرها، ولكن للأسف كل طابور في سوريا معرّض للاختراق. قد تكون صديقاً لصاحب المنتج، أو أنك شخص قد اشترى بطاقة عسكرية ما، أتاحت لك عدم الالتزام بالدور، وكذلك سمحت لك بأن تأخذ مكان عسكري حقيقي قد وصل به الزمان ليكون في أشد بقاع العالم بؤساً، ولا يملك رغيفاً واحداً يأكله. هل تنفع هذه المقولة في بلاد الطوابير؟

هناك وظيفة شاغرة ضمن أحد دوائر الدولة. يأتي أحد المتفوقين، وهو مستوفٍ للشروط المطلوبة كافة، ويدخل إلى المنافسة على الوظيفة، ليأخذ فرصته. في الحياة الطبيعية، خارج بلادي، سيأخذ تلك الوظيفة بالتأكيد، لأنه قد اجتهد من أجلها، ولكن نعود إلى البلاد التي لا يحكمها أي قانون، لنجد أن اتصالاً واحداً من أحد كبار المسؤولين، يستطيع الإطاحة باجتهادك، ويضرب به عرض الحائط، ليجعل أحد أقاربه، والذي في غالبية الأوقات لا يكون قد حقق شرطاً واحداً من الشروط المطلوبة، هو الفائز.

هنالك الكثير من الأمثلة التي تجعل تلك المقولة بلا قيمة، إلّا ضمن النوستالجيا التي تسكننا تجاه تلك المرحلة العمرية الخاصة بنا.

تعود بلادنا لتقدم لنا درساً في التخلي عن قيمنا ومبادئنا، مفاده: إن الطريق الوحيد للوصول، بعيد البعد كله عن الاجتهاد، وإنّما هو طريق يجب أن تتكيف من خلاله مع مفرزاتها السيئة، وأشكالها البشعة كلها، والغريب في الأمر أنك عندما تدخل إلى غالبية المدارس الابتدائية، في يومنا هذا، ستجد هذه المقولة حكمة اليوم، ولكن من الممكن أن تجد الحماسة قد خفّت تجاهها.

"السيادة الوطنية فوق كل شيء"

تلك المقولة تميزت عبر تاريخها بكونها أكثر المفاهيم التي حاربت الأنظمة المتعاقبة على البلد، من أجلها، لتكون من المبادئ التي يجب ألّا نتخلى عنها، مهما بلغ وضعنا من سوء، ومن خلالها وقفنا ضد الأطماع كلها التي نشأت عبر التاريخ، تجاه بلادنا، بدءاً من العثمانيين، ثم الانتداب الفرنسي، بينما اليوم قد أتت الضربة الموجعة من البلاد نفسها، حيث نجتمع اليوم نحن السوريين وراء أي بعثة سورية مشاركة في أي حدث عالمي، لكوننا نفتقد مشاهدة علم بلادنا يرفرف في غير النقاط العسكرية، أو الدوائر الحكومية. اليوم، بلادنا ترفرف داخلها أعلام كثيرة جعلت من السيادة الوطنية دون كل شيء. تلك الدول كلها، تأخذ قيمة ومكانة أكبر من أي فرد ضمن هذه البلاد.

"الله يفرّج أحسن شي"؛ جملة مرتبطة بسكان البلاد كبار السن، الذين كانوا يحاولون بشكل أو بآخر، أن يحيلوا مسؤولية الحل في البلاد إلى الله، ولا أعلم مدى الثقة المتبادلة بينهم وبينه، ليعيشوا هذه المدة كلها في انتظار الحل من قِبله

"الله يفرّج أحسن شي"

خلال سنوات الحرب، انتشرت العديد من المصطلحات التي أصبحت في ما بعد متداولة بين أفراد الشعب، لتكون أداة تعبير لنا. ومن أهم هذه الجمل كانت جملة "الله يفرّج أحسن شي". جملة كانت مرتبطة بسكان البلاد كبار السن، الذين كانوا يحاولون بشكل أو بآخر، أن يحيلوا مسؤولية الحل في البلاد إلى الله، ولا أعلم مدى الثقة المتبادلة بينهم وبينه، ليعيشوا هذه المدة كلها في انتظار الحل من قِبله. منذ بداية الـ2021، غالبية أفراد هذه البلاد يريدون الخلاص. لم يعد ينفع أن يكون هذا الخلاص بشكل محدد. لقد عاشوا سنة من السنوات التي لم تكن موجودة في تاريخ حياة أغلبهم، أشد فصول الشتاء برداً، وأشد فصول الصيف حرارةً، من دون أي مقومات، ما أوصل من بقوا يعيشون ضمن هذه البلاد كلهم، إلى مرحلة أن يبدّلوا عباراته الرئيسية، لتصبح: "الله لا يفرّج".

الخلاص، مهما بلغ شكله، سيكون النجاة، ومن خلال ما قُدّم في هذه الفترة، فإن الأمنية الوحيدة أصبحت واضحة، وأقتبسها من أحد سائقي التاكسي قبل أيام عدة، من قوله: "يجي نيزك يلعن دين هالبلاد ويخلصنا".

ليس من السهل أن تنشأ على مقولات كانت بمثابة فنار، أو منارة، يقدّم/ تقدّم لك طريقاً تبني من خلاله مستقبلك، أو أحلامك، لتصحو في أحد الأيام، وتكتشف أن غالبية هذه المقولات هي أحلام ضالة وجدت في حياتنا منفذها الوحيد لتعيش، وتنمو، وتتابع دورة حياتها، كوننا نعتمد في حياتنا على الاقتباسات، والجمل الجاهزة، من دون أن نحاول ولو لمرة أن نشكك فيها. اليوم نصل إلى نتيجة مفادها أن مقولات أجدادنا، هي أهم أسباب خيبتنا، وأن لكل زمن تجاربه، ومقولاته، واقتباساته.

* يعبّر المقال عن وجهة نظر الكاتب/ة وليس بالضرورة عن رأي رصيف22

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard