أكثر القضايا إثارة للانقسام… الإباحية والنسوية

الجمعة 24 سبتمبر 202112:58 م

يحرص مؤرخو الفنون، على الفصل بين الفن الإيروتيكي، والفنون الإباحية، مستندين إلى القول: "إن الفن متعدد الطبقات بالضرورة، في حين أن المواد الإباحية أحادية البعد؛ لديها وظيفة واحدة فقط للقيام بها، وهي الإثارة الجنسية، وبالتالي فهي تفتقر إلى التعقيد الرسمي والبنيوي، والتعقيد المعرفي، والانفتاح التفسيري للفن".

وإذا كانت كلمة إباحية، "بورنوغراف"، قد أُخذت من اليونانية، من الكتابة عن البغايا، فإنها اليوم ليست بالضرورة تعبّر عن الأمر ذاته، نظراً إلى أن العديد من الأشياء التي يُطلق عليها عادةً، "المواد الإباحية"، في الوقت الحاضر، لا تتم كتابتها حرفياً، ولا عن البغايا كما كانت عليه في السابق. والمواد الإباحية، هي كل مادة (سواء أكانت صوراً أو كلماتٍ)، تتضمن محتوى جنسياً صريحاً، وقد يظن البعض أن الإباحية هي عمل جديد، ولكنها في الحقيقة أكثر عمقاً في التاريخ، وربما يصعب تتبّع تاريخها، وتتبّع تاريخ تطور النظرة إليها، من مجتمع إلى آخر، ومن فترة زمنية إلى أخرى، فمثلاً إن ظهور المواد الإباحية، تمّ تقريباً في العام 1740، تزامناً مع ذروة عصر التنوير (هانت 1996؛ دارنتون 1995). حتى أن عدداً قليلاً من الروايات الإباحية، في ذلك الوقت، حمل مصطلح "الفلسفة" في العنوان (فلسفة دوساد في المخدع، 1795)، وبعضها كُتب في الواقع من قبل فلاسفة بارزين، كانوا حريصين على استخدام هذا النوع الشائع للغاية، لإفشاء بعض أفكارهم للجماهير، ومن أبرز هذه الأمثلة على ذلك، كتاب "فلسفة تيريز"، الذي كتبه الفيلسوف جان بابتست دي بوبر، عام 1748.

ومنذ مطلع ستينيات القرن الماضي، وفي ذروة ما عُرف بالثورة الجنسية، وبالتزامن أيضاً مع انتشار السينما والتلفاز، الأمر الذي كان سبباً أيضاً في زيادة انتشار الأفلام كأحد أهم المواد الإباحية، تحوّل موضوع نقاش الإباحية، ليصبح موضوعاً مركزياً وجوهرياً، ضمن النقاشات الفلسفية والأيديولوجية، ولا سيما النسوية منها. وربما يكون الموقف من المواد الإباحية، من أكثر القضايا إثارة للانقسام التي واجهتها الحركة النسوية، بين مؤيدة ومناهضة لها.

موقف النسوية من المواد الإباحية

استندت النسويات المناهضات للمواد الإباحية، إلى الدور المركزي الذي تلعبه هذه المواد، إذ إنهنّ لم يعترضن على المحتوى الجنسي الصريح في حد ذاته، حيث ترسم النسويات خطاً فاصلاً في العمق بين المواد الجنسية الصريحة، "المواد الإباحية"، من جهة، وبين "الشبقية" من جهة أخرى، إذ يتم تعريف الشبقية على أنها مادة جنسية صريحة تستند إلى المساواة، أي تصوّر النساء مشاركات متساويات حقاً، وموافقات في اللقاءات الجنسية. على النقيض من ذلك، تُعرف الإباحية على أنها مجموعة فرعية من المواد الجنسية الصريحة التي تصوّر النساء يتعرضن للإكراه، أو الإساءة، أو الهيمنة، أو التبعية.

وفي الثمانينيات، استغلت الحركة النسائية المناهضة للمواد الإباحية المناخ المحافظ، وأصبح المحافظون الاجتماعيون الدينيون، على وجه الخصوص، ينتقدون بشكل متزايد الثورة الجنسية التي بدأت في الستينيات، والذين عدّوا نمو صناعة المواد الإباحية، دليلاً على التحول الثقافي في بلادهم، الأمر الذي أدى إلى تقارب الأهداف بين النسويات، وبعض المحافظين، كما ساهم في تمكين الأول من حشد الدعم المالي من المنظمات غير النسوية، وحتى المناهضة للنسوية. وفي عام 1983، صاغت اثنتان من أبرز النسويات المناهضات للمواد الإباحية في الولايات المتحدة، وهما كاثرين ماكينون، وأندريا دوركين، مرسوماً نموذجياً لمكافحة المواد الإباحية، والذي سرعان ما تبنّته مدينة إنديانا بوليس، بمساعدة المنظمات المسيحية الإنجيلية، وعرّف المرسوم المواد الإباحية، على أنها "تبعية جنسية صريحة للمرأة، مصوّرة بيانياً، من خلال الصور و/ أو الكلمات"، ويسمح للضحايا المحتملين برفع دعاوى مدنية، ضد منتجي المواد ذات المحتوى المحدد، وموزعيها.

في حين رأت ماكينون، أن المرء لا يمكن أن يكون نسوياً حقاً، وأن يكون مؤيداً -أو على الأقل أن يفشل في أن يكون مناهضاً- للمواد الإباحية، لأن النسويات بالطبع يعارضن كذلك أي شيء يقوم على إخضاع المرأة، أو اضطهادها.

منذ مطلع الستينات، وفي ذروة ما عُرف بالثورة الجنسية، وبالتزامن أيضاً مع انتشار السينما والتلفاز، الأمر الذي كان سبباً أيضاً في زيادة انتشار الأفلام كأحد أهم المواد الإباحية، تحوّل موضوع نقاش الإباحية، ليصبح موضوعاً مركزياً وجوهرياً، ضمن النقاشات الفلسفية والأيديولوجية، ولا سيما النسوية منها

أندريا دروكين، صاحبة كتاب "رجال يمتلكون النساء"، الذي شكّل تحولاً في المشهد الفكري، قالت "إن المواد الإباحية لا تشكل فقط عنفاً ضد المرأة، بل تشكّل القناة المركزية لهذا العنف، والذي يمثّل الاغتصابُ، الصورةَ المركزية له، حيث أن المواد الإباحية تقوم على تشجيع العنف الكاره للنساء، والذي يعتمد عليه النظام الأبوي، والذي يعبّر عنه، وبالتالي فهو أقوى سلاح للسلطة الأبوية، ولذلك فإن أهم مهمة للنسويات، هي التعامل مع المواد الإباحية".

هيلين لونجينو، وهي واحدة من أوائل الفلاسفة النسويات اللواتي صغن نظريةً عن كيفية إضرار المواد الإباحية بالنساء، قالت: إن المواد الإباحية تُظهر الرجال والنساء يستمتعون بالأنشطة التي تجسّد النساء، وتعاملهن على أنهن أقل من البشر، من خلال تصوير الموضوعات النسائية على أنها أشياء غير إنسانية، إذ تعزز -المواد الإباحية- فكرة إمكانية معاملة النساء من دون احترام أخلاقي، أي اغتصابهن، وإخضاعهن. تقول: إذاً، الخطأ في المواد الإباحية، هو تصويرها المهين، وغير الإنساني، للمرأة، وليس محتواها الجنسي، إذ تتطلب المواد الإباحية، بطبيعتها، أن تكون المرأة تابعةً للرجل، وأن تكون مجرد أداة لتحقيق التخيلات الذكورية.

على الرغم من أن الحركة النسوية المناهضة للإباحية، من الموجة الثانية، قد تطورت الآن إلى الموجة الثالثة من الحركة النسوية الإيجابية للجنس، إلا أن عدداً من الأكاديميات النسويات يحاولن إحياء المعارضة المجتمعية للمواد الإباحية، من خلال استخدام أدوات التحليل الفلسفي، والعلوم الاجتماعية، والتجريبية.

تنظر النسويات المؤيدات للجنس، إلى المواد الإباحية، على أنها أداة لتخريب الأعراف الجنسية، وتمكين النساء، من خلال تمكينهن من مقاومة القمع الجنسي، والتركيبات الجنسية للاحترام الأنثوي.

وتنتقد إيمي ألين، المناقشات النسوية حول المواد الإباحية، لتقليل فكرة السلطة إلى القدرة على إخضاع شخص ما، أو مقاومة التبعية، وتالياً فإن النسويات المناهضات للمواد الإباحية، لا يتعاملن معها إلا من حيث التبعية للرجال، وعليه فإنهن يعاملن النساء بوصفهن ضحايا، ويتغاضين عن أشكال القوة الاجتماعية التي تتمتع بها بعض النساء، بحكم عرقهن، أو جنسيتهن، أو طبقتهن. تجادل ألين بأن قوة القهر، أو قوة المقاومة، مترابطة، إذ يتشكل كلاهما من خلال الفهم المشترك للاحتياجات والرغبات البشرية التي يمكن السيطرة عليها من قبل الآخرين، أو تحريرها. فالمواد الإباحية لا تتمتع بالقدرة على بناء واقعنا الاجتماعي الذي تدّعي ماكينون، ودوركين، أنها تمتلكه، ولا نمتلك نحن كأفراد، القدرة على تقرير تفسير المواد الإباحية على أنها تخريبية بالضرورة، ولا يمكن إحداث مثل هذا التحول في تأثير المواد الإباحية، إلا من خلال حركة اجتماعية جماعية (Allen 2001: 528).

وبناءً على وجهة النظر هذه، لتأثير المواد الإباحية، فإن قدرتها على دعم الأعراف الاجتماعية السائدة، أو تقويضها، مشروط بنوع ثالث من السلطة، وهو القدرة على التصرف، بالتضامن مع الآخرين.

وتجادل بعض المنظرات النسوية، بأن المواد الإباحية تتعلق بالتلصص، وأن بعض النساء (وبعض الرجال)، يسعدون بالنظر إلى تصوير الجنس، واستكشاف استخدام النساء للمواد الإباحية. قامت الباحثات النسويات بدراسة الأنواع الإباحية اللينة التي يتم تسويقها للنساء، مثل الخيال اللبني الرومانسي، والبعض درسن المواد الإباحية السحاقية، لتحدي فكرة أن المواد الإباحية تنطوي دائماً على إخضاع الرجال.

في عام 1986، نشرت مجموعة من النسويات كتاب "القبض على المظهر: النسوية، والمواد الإباحية، والرقابة"، والذي يجادل بأن النسويات استهدفن المواد الإباحية، بدافع الإحباط من عدم إحراز تقدّم في الحد من العنف ضد المرأة، ويعرض الكتاب مجموعة من الصور الإباحية، لتوضيح أنواع المواد التي قد تكون مقيّدة في المقدمة، بموجب اللوائح القانونية المدعومة من النسوية (جادل بذلك كيت إليس، وباربرا أودير، وآبي تالمر)، كما يؤكد أنه يجب ألا تنجذب الحركة النسوية، باسم حماية المرأة، إلى ممارسة الرقابة على التمثيل، أو التعبير الجنسي "المنحرف"... كان على النساء أن يتعلمن، بدعم من نساء أخريات، التعبير عن الخبرات التي تقع خارج المجال المناسب، "الفتاة اللطيفة"، لكي نعترف بأوهامنا، ونفخر بخياراتنا الجنسية. يجب أن نتحدث عندما نكون ضحايا، ولكن أيضاً يجب أن نعترف بما يثيرنا، وندعم النساء اللواتي يكسبن عيشهن من خلال توفير هذا الإثارة للرجال، وأنفسنا.

قد يقول البعض، بعد هذا السرد لبعض الآراء النسوية المناهضة، أو الداعمة للأفلام الإباحية، إن النسوية، في بعض آرائها وطروحاتها، تقف على النقيض من حقوق المرأة، وربما إنها تدعو للفجور -كما يطيب للكثيرين في العالم العربي اتهامها به

إعادة تشكيل أذواقنا بطريقة نسوية

تنتقد دورسيل كورنيل، المرسوم النموذجي لماكينون، ودوركلين، لميله إلى تكريس الصورة النمطية القديمة للمرأة في القانون، أي المرأة الضعيفة التي في حاجة إلى حماية، كما ترى أنه يعتمد على القانون لفرض الأعراف الاجتماعية، وتقول إن: "العمل السياسي، وليس الإجراء القانوني، يجب أن يكون النمط الرئيس للتدخل في إنتاج المواد الإباحية، وتعتقد أن على النسويات أن يعقدن تحالفات لخلق تمثيلات للجنس، داخل صناعة المواد الإباحية، قد تفيد النساء، إذ إن النشاط النسوي يجب أن يركّز على إطلاق العنان للخيال الأنثوي، بدلاً من تقييد الرجال".

أما آن إيتون، فتقول: "كما تشكّل المواد الإباحية التقليدية، أذواقنا المثيرة، بطريقة تعزّز القيم الأبوية، يمكن، بل يجب، أن يتم اختياره للأغراض النسوية". وفي الوقت ذاته، ترى روبن زانغ، أن لعمل النساء الملوّنات، في صناعة المواد الإباحية، قدرة على تعزيز الصورة النمطية العنصرية، والقيم الجمالية، ومقاومتها، في مواجهة حجج أولئك الذين يزعمون أن مخاطر المشاركة في صناعة الإباحية، تفوق فوائدها. تقول: "إذا كان علينا الانتظار، حتى يتم تفكيك النظام الأبوي، من أجل ملذات جنسية نقية أخلاقياً، فلن يُسمح لنا بأي ملذات على الإطلاق، علاوةً على ذلك، لن ننخرط في هذا النوع من التجريب واللعب -والذي، بالتأكيد، قد يؤدي في  البداية إلى أخطاء أكثر من النجاحات- الذي سيؤدي في النهاية إلى المواد الإباحية التحويلية التي طالما اشتاقت إليها النسويات، بينما يمكننا بالتأكيد انتقاد عناصر وأعمال معينة من المواد الإباحية، فإن المواد الإباحية كصناعات سوق، وأشكال من الإنتاج الثقافي، ستستمر في لعب دور مهم في تسهيل الذات الجنسية النشطة التي نرغب في أن نكون"، وتنميتها.

أخيراً، قد يقول البعض، بعد هذا السرد لبعض الآراء النسوية المناهضة، أو الداعمة للأفلام الإباحية، إن النسوية، في بعض آرائها وطروحاتها، تقف على النقيض من حقوق المرأة، وربما إنها تدعو للفجور -كما يطيب للكثيرين في العالم العربي اتهامها به- لكن الأمر يتعلق في جوهره بوجهات نظر نسوية-فلسفية، وأبحاث علمية تحاول الوصول إلى الأماكن كلها التي توجَد فيها النساء، بحيث لا يكون هناك تهميش لأية امرأة، في محاولة جادة وحقيقية، للوقوف على واقع المرأة، وتحليل الظروف والشروط كلها التي تكرّس العنف والتمييز ضدهن، وتمنع تحقيق المساواة الكاملة بينها وبين الرجل، من أجل العمل على إلغائها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard