لا الماركسية تقيدني ولا دهاليز التاريخ

الخميس 23 سبتمبر 202106:19 م

ثمّة مُلاحظات كثيرة، يسجلها المُتتبّع للمُنجز الفلسفي للمفكّر المغربي موليم العروسي (1952) منذ ثمانينيات القرن المنصرم؛ أوّلها أنّ الرجل ليس ناقداً فنياًّ كما يُعرّف مغربيّاً ومغاربيّاً، لأن كتاباته تتجاوز مفهوم النقد الفني التقليدي القائم على استعراض المعلومات والسياقات التاريخيّة والأساليب الفنية والمدارس الجماليّة، صوب كتابة فكرية تبدأ بالفلسفة وتنتهي بالإبداع. لكن وبانتماء المغرب إلى ما يُشبه "السلفية الثقافيّة"، فإنّ فلسفة الفن تختلط بالنقد الفني ويصبحان معاً كتابة واحدة، مع أنّهما يختلفان عن بعضهما البعض، من حيث المُنطلقات المنهجيّة والركائز المعرفية، حتى ينأى الواحد عن الآخر، لدرجة أنّ النقد الفنيّ يُصبح عتبة أولى للتفكير وأرضية معرفية لتدشين صرح فكري بصريّ، يقوم على المزج بين الفكر والتاريخ، دون أيّ يُخلّ أحدهما بحدود الآخر.

لكنّ ما لم تنتبه إليه بعض الكتابات أنّ العروسي يُوازي في كتابته بين الفلسفة والتاريخ بطريقة لا ندركها إلاّ بخلق مساحة مع مُنجزه الفكري، وهي مسافة ليس للاستراحة وإنّها للتأمّل في خصوصية فعل الكتابة وترسّبات الممارسة، وهي تعود إلى كون العروسي اشتغل في خفاءٍ لتلقين دروس في تاريخ المغرب للفرنسيين بمعيّة كريستين السرفاتي وفق خلية ماركسيّة لينينية تابعة لمُنظّمة "إلى الأمام".

منذ ذلك الوقت يحتل التاريخ ناصية كبيرة في فكر العروسي. ورغم أنّ فكره ليس تاريخياً بالمعنى الذي يذهب إليه عبد الله العروي، لكنّ العروسي لا ينفي التاريخ من أرضه، بل يُوسّع مساحته وآفاقه الفكريّة ويجعلها تمشي على قدمين: الفلسفة والتاريخ.


نظرة العروسي المختلفة للتاريخ

يبقى الأجمل عند العروسي أنّ التاريخ لا يشتغل لديه بمفهومه السياسيّ الرسمي كما نراه عند العروي، حيث تتحوّل بعض المؤلّفات إلى كتابة جديدة للسُلطة. وهذا سّر الكتابة عند موليم العروسي روايةً وفكراً، لأنّه يجعلها امتداداً عميقاً لجذور الثقافة المغربيّة، مُستكنهاً أغوارها، حيث تغدو الكتابة سفراً في شغاف الروح وسراديب الجسد فتتحرّر من إسقاطات التاريخ نفسه.

الأجمل عند العروسي أنّ التاريخ لا يشتغل لديه بمفهومه السياسيّ الرسمي كما نراه عند العروي، حيث تتحوّل بعض المؤلّفات إلى كتابة جديدة للسُلطة. وهذا سّر الكتابة عند موليم العروسي روايةً وفكراً

هذا اللعبة الفكريّة في كتابات لعروسي، تجعله يرصد تاريخ المنسيّ والمكبوث واللامُفكّر فيه من اجتماعنا العربي. إنّه يبني كتابة جديدة لا تستند على الأنساق الفلسفية وإنْ كانت تستمد منها زخمها، لكنّه وبدون وعيّ يُفضّل تكسير الأوثان والمعابد وتحرير الأجساد من كل هذه الترسّبات التي تقف عائقاً أمام الجسد كيْ يُبدع لغته/فكره، وحتّى تتخلّى الكتابة نفسها حتّى لا تكون الفلسفة سُلطة في وجه القارئ، مؤسّسة مسار التفكير ومُوجّهة فعل الكتابة وتاركة اللذة لتاريخ يحضر بوصفه مسرحاً للأفكار ومُحرّكاً خفيّاً لها.

أما المسألة الثانية، أنّ مشروع موليم العروسي الذي شيّده منذ الثمانينيات حول الفكر البصريّ، يظلّ أكثر المشاريع الفكرية ظلماً واغتراباً والتي لم ينكب حولها الباحثون والطلبة العرب لتوسيع أفق المشروع الفكري وألقه والتعريف به وبما ينحته من مفاهيم مذهلة جديدة تتعلّق بالصورة والجسد والفضاء والقلق والألم؛ وهي مفاهيم فلسفية/أنثروبولوجية تعيش ضرباً من اللامفكّر فيه داخل الفكر العربي المعاصر، بحكم تقوقع هذا الفكر في نوع من التفكير الماضوي المُستند على مفاهيم القومية والأًصالة والحضارة والديني والسياسي.

والحقيقة أنّ سبب هذا الاغتراب الذي تعيشه كتابات العروسي الفلسفية، ناتج بدرجة أولى عن تضخّم الخطاب الفكري حول الفكر اللاهوتي، إذْ نعثر داخل الجامعات المغربيّة على مواد ومؤلّفات وندوات أشبه بفقه فلسفي، مع أنّ المغرب الراهن لا علاقة له بهذا النوع من المعرفة التاريخيّة، أمام ما يشغل مجتمعه من أسئلة قلقة تتعلّق بالجسد والجنس والسياسة والحريات الفردية وغيرها.


النظر للفن عكس التيار

هذا الانحسار الفلسفي، لا علاقة له بمفهوم الكتابة لدى العروسي، وإنّما راجع إلى طبيعة المنظومة الثقافيّة ومختبراتها العلمية، التي لا تعترف بالفنّ ولا ترى أنّ الفنّ يُشكّل مدخلاً لاجتراح فكر بصريّ، يُوازي في زخمه المعرفي الأنماط الأخرى من التفكير القائم على النصوص والمراجع، بدل الصورة ومُتخيّلها الجمالي مثل الفوتوغرافيا والسينما والتشكيل، كما فعل العروسي في عدد من مؤلّفاته بالعربية والفرنسية مع التشكيل العربي، حيث أخرج هذا المجال من نزعته الفنيّة التدريسيّة المحضة، نحو نمط تفكير يتعامل مع الصورة بوصفها خزّاناً من الدلالات والرموز والعلامات والثقافات المحلّية.

الماركسيّة لدى العروسي، أشبه بكيان مُستقل عن الماركسيّة نفسها

هذا الأمر، سيُبلوره العروسي جيّداً في كتابه الفكري "الفضاء الجسد" حيث سيعمل وفق خطاب فكريّ تحليلي مُركّب يمزج الفلسفة بالأنثروبولوجيا لتشريح موضوعات تتعلّق بالنقد الفنّي والصورة والقلق والموسيقى والجسد والفضاء والثقافة الشعبية.

وقد مثّل الكتاب في ذلك الوقت ما يشبه فتحاً فلسفياً، لأنّ طريقة تشكيله المنهجية كانت مختلفة عن المجلّدات الفكرية الببغائية، بسبب نزوعه إلى كتابة ما هو عبارة عن دراسات فكريّة موجزة في الصورة وعلاماتها المرئية وغير المرئية، تتماشى أكثر مع مفهوم "ما بعد الحداثة" الذي يدعو إليه العروسي والذي كان من أوائل المُفكّرين العرب الذين سيُدشنون صرحاً فكرياً لهذا المفهوم، بعد عودة العروسي من جامعة السوربون الفرنسيّة إلى المغرب، وبعد لقائه بالفيلسوف الفرنسيّ جان فرانسوا لوتار.

وكل هذا في وقت كانت فيه علاقة الثقافة المغربيّة بالحداثة ضعيفة، لأنّها تعيش إرهاصاتها الأولى داخل مؤلّفات فكرية قليلة لعبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي، على سبيل المثال لا الحصر.


العروسي والماركسية

انتسب العروسي مُبكّراً إلى الماركسيّة ووفقها عاش وتبلور فكره. قبل أنْ ينسحب منها على خلفية ما أضحت عليه الماركسيّة بعد انهيار المُعسكر الاشتراكي وسقوط الاتحاد السوفياتي وتواري اليقينيات الفلسفية التي نظّرت لهذا الأفق الفكري في الغرب، بعد ظهور الماركسيّة الجديدة (ألتوسير) وتحريرها لكيان المرء في علاقته بالسياسة. ورغم أنّ العروسي فهم بالمعنى الغرامشي أنّ كلّ شيء له علاقة بالسياسة، إلأ أنّه لم يجعل من هذه الماركسيّة تياراً فكرياً أو سياسياً ولا حتى معتقداً دينياً لا يقبل الجدل والنقاش.

أعتقد أنّ هذا السبب هو ما جعل العروسي يتخلّى تنظيمياً على ماركسية تقليدية وصلت إلى بلاد المغرب عن طريق ترجمات مُرتبكة. الماركسيّة لدى العروسي، أشبه بكيان مُستقل عن الماركسيّة نفسها؛ إنّها جسد بيولوجيّ قابل للذة والكسر والطعن والنقد، كما أنها ليست معتقداً نتمسّك به، بل جهاز مفاهيمي يُمكّن المرء من تجاوز الطاقة البيولوجية العادية وتملّك الجسد لأدوات الصراع اليوميّ.

بهذه الطريقة تخلّى موليم العروسي في ذلك الوقت المُبكّر عن الماركسيّة كإيديولوجية، تحرم المُفكّر من الحفر في الحقائق والانصياع لإيديولوجية جدلية همّها الوحيد الدفاع عن أطروحتها السياسية/الفكريّة حتّى لو كانت تتنافى مع ما هو موجود داخل معطيات الواقع اليومي العيني المُباشر.

لم تنجح الماركسيّة في سجن العروسي داخل قفصها، بل تمرّد عليها بفضل أفكار اليسار الجديد التي كانت تُلوّح آنذاك في الفكر الفرنسي؛ فقراءة لوي ألتوسير قد ساعدت الكثير من المفكّرين العرب للخروج من مأزق الماركسيّة كإيديولوجية وعقيدة وكأنها خندق مُظلم يحرم المرء من ملذّات التفكير والبحث عن الحقيقة من داخل جسده قبل خارجه.

لم يجعل العروسي من الرواية كتابةً وجدانية وحميمية، وإنّما قالباً للرؤى والأفكار والرموز والتاريخ والفنّ والتصوّف

هذا التحوّل الأنطولوجي في فكر موليم العروسي، سيكون له تأثير كبير على كتاباته الروائية والأخرى الفكريّة القائمة على التفكير في الفن ومُتخيّله الرمزي، لأنّه بقدر ما تحرّر سياسياً من "اعتناق" الماركسيّة في صورها القديمة، غدا فكره أكثر تنطّعاً وبحثاً وحفراً في المناطق المنسيّة واليباب من تضاريس جسدنا الإنساني.

لا يشعر المرء بالغرابة لكون العروسي ينظر إلى الكتابة الأدبيّة، بوصفها كتابة فلسفية تنتهي بالإبداع، وإلاّ كيف نُفسّر كتابات سارتر الروائية والمسرحية. وبسبب الحريّة والخصوصية التي يمتلكها النصّ الأدبيّ، فإنّ أغلب المفكّرين المغاربة الذين كتبوا الرواية تمرسوا على مُتخيّلها الجماليّ، من أمثال عبد الله العروي، عبد الكبير الخطيبي، موليم العروسي، عبد الإله بلقزيز، بسالم حميش.

فإننا نجد جرأة فكريّة لا مثيل لها داخل أعمالهم التنظيرية الفكرية؛ فالقالب الروائيّ حمّال أوجه وبانتمائه إلى جنس الأدب، فإنّ ذلك يُسوّغ له بشكل مُضمر التمرّد على الظواهر والأفكار والتصوّرات التي تطال المجتمعات العربيّة. ولذلك بإيعاز من اللّغة التي تَمنح لهذا المُكوّن الأدبيّ التخييلَ والثورة والتمرّد والترحال، بدل الرتابة والسكون والتقرير، الذي تنضح به الكتابة الفكريّة المُجرّدة مهما كانت جديّتها وتميّزها عن باقي الكتابات.

فطن العروسي منذ تسعينيات القرن العشرين، إلى ما يُمكن أنْ تلعبه الرواية من دور في تغذية مشروعه الفكري. ومع ذلك لم يجعل العروسي منها كتابة وجدانية وحميمية، وإنّما قالباً للرؤى والأفكار والرموز والتاريخ والفنّ والتصوّف في روايتيه: "مدارج الليلة الموعودة" (1993)، و"ملائكة السراب" (2012)؛ حيث منسوب الفكر مرتفع لصالح كتابة أدبيّة واقعية/مُتخيّلة، تمتلك خصوصية لغتها وتنهل رموزها وصورها ومنطلقاتها المعرفية من التربة المغربيّة، باعتبارها خلفية جغرافية تشغل العروسي روائياً.

هذا وإن كان موليم في رواياته مشغولاً باللغة الأدبيّة وحميميّتها وما تُتيحه على مستوى مُتخيّل رمزيّ، فإنّه لا يترك ولا للحظة الخيطَ الفكريّ القائم على رصد موجات التحديث والحداثة في تاريخ المغرب الحديث والمعاصر، وكيف تنكّر المغاربة لهذا المدّ التنويريّ الذي يطمح إلى إخراجهم من التقليد والتكلّس والتحجّر والاستبداد، الذي فرضته الحياة السياسية في المغرب آنذاك، سواءً من السُلطة الداخلية المُمثّلة في المخزن أو عن طريق الاستعمار الفرنسي وكتاباته الاستشراقية حول بلاد المغارب.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard