"من يقرض ماله لصديقه يخسر الاثنين"... كيف يؤثر المال على علاقتنا بالآخرين؟

الخميس 16 سبتمبر 202105:16 م

هل تعلموا/ن أن أكثر من نصف الأشخاص قد انتهت علاقة الصداقة بينهم وبين الآخرين بسبب الأموال المستحقة؟

قد نعتقد بأن مساعدة المحيطين بنا هو الشيء الصحيح الذي يجب علينا فعله، لكن القيام بذلك قد يفسد علاقتنا بهم تماماً.

سواء كان الأمر يتعلق بكتابة شيك مصرفي لأحد أفراد الأسرة الذي يتأخر كثيراً في تسديد الإيجار، أو مساعدة صديق/ة عاجز/ة عن تسديد ديون البنك، فإن تسليف المال للمقربين منّا هو شيء يقوم به معظمنا، على الرغم من أن المسألة قد تكون غير مريحة، بخاصة إذا كان الطرف الآخر تحايل علينا لدفع المال لمالك العقار لأشهر متتالية، أو لا يبدو أبداً مهتماً بإعادة المال بعد أن ساعدناه في الخروج من مأزقه.

via GIPHY

اختلال توازن القوة

اعتاد رائد أن يقف إلى جانب عائلته وأصدقائه على الدوام، فهو الابن الأكبر لعائلة مؤلفة من 4 أشقاء، وقد توفي والده عندما كان صغيراً في السن، فاضطر لتحمل المسؤولية باكراً، وبفضل إصراره تابع تحصيله العلمي، وبات اليوم خبيراً في إحدى مؤسسات المقاولات.

وقد أوضح هذا الشاب الثلاثيني أن ظروف الحياة التي مرّ بها جعلته يعرف معنى الصعوبات، وماذا يعني أن يكون المرء في مأزق ولا يجد من ينتشله، فاعتاد أن يساعد من حوله، طالما أن أموره ميّسرة، غير أنه اعترف بأن تسليف المال لأحد أصدقائه أوقعه في مأزق كبير.

بالرغم من كوننا قريبين من الأشخاص الذين نقرضهم المال، لكن الخبراء يقولون إن إقراض المال يتعارض مع المحرمات حول مناقشة المال، ويؤدي إلى اختلال توازن القوة في العلاقة

وعن تفاصيل ما حدث، قال لرصيف22: "في كل مرة كنت أخرج بها مع صديقي المقرّب، كنت أبادر إلى تسديد فاتورة المطعم... الجيبة واحدة وما في فرق بيناتنا، وأنا على قلبي متل العسل".

غير أن الأمور بدأت تتخذ منحى آخر: "في إحدى المرات، طلب مني صديقي مبلغاً كبيراً من المال، بخاصة وأن المصرف لم يوافق على إعطائه قرضاً، ولكي لا أخذله قدمت طلب الحصول على قرض باسمي الشخصي، وهكذا كان. وافق البنك وأعطيته المال وبدأت العلاقة بيننا تتغيّر، فقد كان يتجنب لقائي ولا يرد على هاتفه في حال اتصلت به، واستمرت الأمور بيننا على هذا النحو لحين أن التقيت به بالصدفة في أحد الأماكن ولاحظت بأنه ينفق على الآخرين من مالي الخاص".

وعمّا إذا كان واجهه في حينها، قال ربيع: "لأ. خلص انجرحت منو، واعتبرت أنو استغلني كل هالسنين ووقت أخد يلي بدو ياه صار يتهرب منّي، حتى لو إجا بيوم من الإيام بدو يرد الدين ما بدي شي منو، صحتين على قلبه"، وختم بالقول: "ما بزعل على المصاري الله بعوض، بس متضايق إنو كنت مفكرو خيي وصديقي".

يقوم العديد من الأشخاص بطرق باب الأصدقاء والعائلة للحصول على مساعدة مادية، بخاصة عندما تكون الأوضاع المعيشية والحياتية صعبة.

في هذا الصدد، أظهر استطلاع أجراه مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في العام 2019، أنه عند مواجهة تكلفة افتراضية قدرها 400 دولار من دون القدرة على تغطيتها على الفور، كان النهج الثاني الأكثر شيوعاً هو الاقتراض من صديق/ة أو أحد أفراد الأسرة.

هذا وتبيّن أنه أثناء وباء كورونا، اتجه الناس بشكل خاص إلى المقربين الموثوق بهم للحصول على المساعدة المالية.

لا شك أن تسليف المال يمكن أن يكون محرجاً وقد يفسد العلاقة، فبالرغم من كوننا قريبين من الأشخاص الذين نقرضهم المال، لكن الخبراء يقولون إن إقراض المال يتعارض مع المحرمات  حول مناقشة المال، ويؤدي إلى اختلال توازن القوة في العلاقة.

هذا يمكن أن يترك كلا الطرفين يتخبطان في مشاعر معقدة مثل الخزي والإحراج والغضب.

قد يكون الخروج من هذا النوع من المواقف صعباً، ولكن من خلال التواصل الواضح وتحديد التوقعات، يمكن تجنب الكثير من الانزعاج الذي يصاحب مساعدة صديق/ة للخروج من محنته/ا.

التابو الذي يغيّر العلاقات

وجدت دراسة حديثة أجرتها مجموعة كابيتال غروب، أن الأميركيين يشعرون براحة أكبر في مناقشة الأمراض النفسية وتعاطي المخدرات والزيجات التي تنطوي على مشاكل أكثر من مناقشة دخلهم ومصروفهم.

"أعتقد أن المال لا يزال موضوعاً حميمياً للغاية بالنسبة للكثير من الناس للحديث عنه"، هذا ما قالته عالمة النفس والمعالجة المالية ماغي بايكر لموقع بي بي سي، مشيرة إلى أن الناس يتحدثون كثيراً عن المال، ولكن لا نسأل بعضنا البعض عن الأوضاع المالية الدقيقة: "هناك هذا الغطاء حول موضوع المال بأكمله، والمبلغ الذي تملكه، والمبلغ الذي لا تملكه".

بدوره، أكد جاي مايكل كولينز، مدير مركز الأمن المالي في جامعة ويسكونسن في الولايات المتحدة، أن المال هو بالفعل موضوع محرم في المحادثات، معتبراً أن هذا التابو يجعل العلاقات معقدة وغامضة.

وأضاف كولينز: "إذا ذهبت إلى البنك وطلبت الحصول على قرض، فسيكتشفون ما إذا كان بإمكاني سداده أم لا. ثم أوقع عقداً، ينص على أنه إذا فشلت في الدفع، يحدث شيء ما: إما أن يأخذوا راتبي أو يستعيدوا سيارتي. لا نحصل على أي من ذلك عندما نقرض المال لأحد الأقارب أو الأصدقاء. إنها الطبيعة الفضفاضة للاتفاقية، فضلاً عن الافتقار إلى قدرة المتابعة أو المساءلة التي تجعل الناس قلقين حقاً".

من جهة أخرى، فإن إقراض المال لشخص ما يعني أن طبيعة العلاقة قد تتغير لفترة زمنية، وفق ما قالت ماغي بايكر: "إذا أقرضتم/نّ شخصاً ما المال، فسيكون مديناً لكم/نّ سواء أدرك ذلك أم لا. ثم فجأة، تصبح لديكم/نّ القوة"، الأمر الذي يعني تغيير دور المرء في العلاقة، بحيث يتحول من صديق/ة أو أحد أفراد العائلة ليصبح مسؤول عن القروض.

هناك أيضاً درجة عالية من عدم اليقين بالنسبة للمقرض، لأنه بغض النظر عن مدى قربه من الشخص الذي يطلب منه المال، فقد لا يكون لديه أي فكرة عن كيفية تعامله معه لناحية تسديد الدين.

في الواقع، يقول الخبراء إن معظم القروض لا يتم سدادها، وهو أمر أشارت إليه بايكر، كاشفة أنه تسع مرات من أصل 10، لن يسدد الطرف الآخر الدين.

بدوره، وافق جاي مايكل كولينز على هذه النقطة، بالقول: "غالباً ما يعطي الشخص الذي يطلب القرض الأولوية لجميع فواتيره ونفقاته الأخرى أمامكم/نّ. وحتى في هذه الحالة، ما لم يسمعوا بخلاف ذلك، سيفترضون أنكم/نّ مرتاحين مالياً لدرجة أنكم/نّ لا تهتمون/ين إذا استعدتم/نّ أموالكم/نّ أم لا".

وأوضح كولينز أنه في العادة يبدأ الشخص في تجنب الدائن/ة، مما يجعل هذا الأخير يشعر بالاستياء وبأنه تم استغلاله.

لماذا التخطيط مهم؟

يتفق الخبراء على أنه إذا دخلنا في مثل هذه الموقف المحرجة من دون خطة واضحة لسداد الديون، فمن المحتمل تحدث نتائج عكسية.

وفقاً لمسح أجراه موقع Bankrate.com، أفاد ما يقرب من نصف البالغين (46%) الذين أقرضوا المال للأصدقاء أو العائلة أنه ترتب عن ذلك نتائج سلبية، وكشف 37% أنهم خسروا المال و21% عانوا من علاقة سيئة مع المقترض.

via GIPHY

ويوضح الخبراء أن إقراض المال للأصدقاء يصبح مشكلة عندما يتحول إلى نمط روتيني، أي عندما يتوقع منكم/نّ الصديق/ة أن تستمروا في سداد الفاتورة طوال الوقت: "هذا هو المكان الذي يجب أن تكونوا فيه واضحين حقاً، والقول: "أنا سعيد/ة بالخروج سوياً، لكنني لن أدفع ثمن العشاء الخاص بكم/نّ هذه المرة". هذا هو نوع الشفافية- التوقعات المسبقة- التي يجب وضعها مع الناس"، بحسب كولينز، مشدداً على أهمية وضع خطة سداد بمواعيد نهائية محددة في حال لم يكن هناك من عقد مكتوب: "امنحوا هذا الشخص فرصة للتفكير ملياً: هل يريد أن يطلب منكم هذا القرض أم أنه من الأفضل له الذهاب إلى أحد البنوك، حيث يكون الأمر غير شخصي تماماً ولن يفسد العلاقة بينكما؟".

هذا ونصح كولينز بضرورة الابتعاد عن الأفراد الذين لديهم تاريخ إشكالي مع المال: "لا يجب لمساعدتكم المالية أن تؤذيهم بالفعل، ويمكن أن يكون هذا هو الحال إذا كانوا في حالة من الفوضى المالية الشديدة مع نمط من سوء الإدارة المالية المزمن".

إذا كنتم/نّ لا تشعرون/ن بالراحة في إقراض الشخص الآخر المال، فلا تفعلوا/ن ذلك. إذا وافقتم/نّ على القيام بذلك، فاعتبروا/ن القرض بمثابة هدية في حال لم يتم تسديده. لذا، لا تقرضوا/ن أكثر مما تستطيعون/ن أن تخسروه/نه

ومع ذلك، يؤكد الخبراء أن كل سيناريو مختلف، لأن علاقاتنا مع الناس تختلف بشكل كبير، كما تختلف ظروفهم الفردية.

على سبيل المثال، إذا كان شخص ما مسؤولاً عن العائلة ولديه وظيفة بدوام كامل، لكنه واجه فجأة ضائقة مالية أو حالة طبية طارئة، وكان بحاجة إلى الدعم، يمكن منحه المال دون التوقع منه تسديده في المقابل.

في الختام، إذا كنتم/نّ لا تشعرون/ن بالراحة في إقراض الشخص الآخر المال، فلا تفعلوا/ن ذلك. إذا وافقتم/نّ على القيام بذلك، فاعتبروا/ن القرض بمثابة هدية في حال لم يتم تسديده. لذا، لا تقرضوا/ن أكثر مما تستطيعون/ن أن تخسروه/نه.

في هذا الصدد، قالت المخططة المالية المعتمدة ميغان برينزفيلد، مديرة التخطيط المالي في Motley Fool Wealth Management: "افترضوا/ن فقط أن منح صديق أو أحد أفراد الأسرة قرضاً يعادل إشعال النار في هذا المال. فكروا/ن في الأمر بقسوة، ولكن في نفس الوقت، فإن منح شخص ما ومساعدته يجب أن يجلب الفرح لكلا الطرفين، لذلك لا ينبغي أن يتم ذلك على مضض".

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard