لا دراسات ولا اهتمام من المنظمات… العنف الأسري يشمل الرجال أيضاً في سوريا

الأحد 12 سبتمبر 202112:04 م

على الرغم من أن حوادث قتل سوريات لأزواجهن تكاد تكون نادرة التداول في الأخبار إلا أن وقوع حادثتين مماثلتين في يوم واحد بمنطقتين مختلفتين نهاية الشهر الماضي يعد أمراً "ينذر بالخطر" بحسب ما قالته لرصيف22 الأخصائية النفسية السورية روجين شاويش. 

في 23 آب/ أغسطس، أقدمت زوجة تنحدر من محافظة درعا على حرق زوجها بالبنزين في بلدة حطلة بريف دير الزور، بسبب نيته الزواج للمرة الثانية وجلب "الضرة" للعيش معها في المنزل، وفق اعترافاتها.

في اليوم عينه، قامت زوجة بسكب البنزين وإشعال النار في زوجها وزوجته الأولى وبناته الثلاث في ريف مدينة الحسكة (شمال شرقي سوريا)، ما أسفر عن مقتل إحدى الطفلات (عمرها 40 يوماً) وإصابة والديها وشقيقتيها بحروق بالغة من الدرجة الثالثة. لم يجد رصيف22 أخباراً لاحقة تبين وفاة أي من الضحايا من عدمها.

وفي 21 آذار/ مارس الماضي، شهد أحد مخيمات جنديرس بريف عفرين (شمال حلب)، مقتل زوج شاب حرقاً على يد زوجته التي سكبت عليه البنزين وهو نائم ثم أضرمت النار فيه بسبب خلاف بينهما وتهديد الزوج لها بالطلاق.

علاوة على الحرق، أقدمت أخريات على قتل أزواجهن بطرق أخرى. في كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قامت امرأة في حي ميسلون (غرب حلب) بقتل زوجها بوضع السم في قهوته، انتقاماً من "خيانته" بعدما شاهدت محادثة غرامية له مع فتاة أخرى عبر واتساب.

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، قتلت امرأة زوجها (في العقد السابع من العمر) بمنطقة نهر عائشة بدمشق باستخدام "شفرة حلاقة"، قائلةً إن السبب معاناتها سوء المعاملة والضرب طوال 35 عاماً من الزواج.

نتيجة حتمية لـ"الضغط والقهر"

"المرأة اللي شافت عنف طوال حياتها، وما عاد تتحمل، رح تقوم بهدا الشكل"، هكذا تعلّق الناشطة المدنية السورية منال موسى على تكرار حوادث قتل سوريات لأزواجهن.

وتضيف الناشطة الفاعلة في جمعية سارا المعنية بالنساء لرصيف22 أن "نتيجة الأزمة المستمرة في سوريا زادت الأعباء على المرأة في غياب الأب والزوج والابن. أصبحت المرأة معيلة ونازحة". تقول أيضاً إن جائحة الفيروس التاجي ساهمت في زيادة العنف ضد النساء بسبب بقاء المرأة والرجل في المنزل فترات طويلة.

من جهتها، تقول أنديرا وليكا، من جمعية شاويشكا المعنية بالمرأة في سوريا، إن هذه الحوادث التي تمثل 1% من جرائم العنف الأسري في سوري مقابل 99% منها تكون النساء ضحاياها، هي نتيجة حتمية لـ"الضغط  والقهر اللذين تعانيهما النساء في كل أرجاء سوريا".

وتقول لرصيف22: "من المعلوم أن الحرب الدائرة خلفت آثاراً مدمرة  على كل أبناء  سوريا رجالاً ونساء وأطفالاً، لا سيّما على صعيد الانحطاط الأخلاقي".

وتوضح أنديرا قصدها بالقول إن الكثير من الرجال في سوريا لم يعودوا يأبهون بزوجاتهم وأطفالهم، ويغرقون في الهروب إلى الملذات، ما يعمّق أزمات الأسر ويؤثر سلباً على النساء -الزوجة والأم والأخت- وقد يقمن بردة  فعل أقسى كالقتل".

مع ذلك، تشدد أنديرا على أن معدلات قتل الرجال للنساء في سوريا خلال السنوات الأربعة الأخيرة ارتفعت إلى 25 جريمة شهرياً تقريباً. وتضيف إليها حالات انتحار النساء التي يكون الزوج سبباً رئيسياً فيها، على حد قولها.

حوادث قتل نساء لأزواجهن في سوريا تبقى "نادرة الحدوث لكن تنذر بالخطر"، لا سيّما وسط توقعات بوجود حوادث مماثلة لا تكتشف أو يتم التعتيم عليها تحت مسميات أخرى كالانتحار. يعاني الرجال السوريون أيضاً العنف النفسي والعنف الاقتصادي وكذلك الجنسي

لكن الرجال السوريين يتعرضون للعنف أيضاً

تؤكد روجين شاويش، التي تعمل معالجة نفسية في مؤسسة جيان لحقوق الإنسان، أن اتجاه السوريات إلى إيذاء النفس أكثر انتشاراً مقارنة بمحاولات إيذاء الغير كالزوج نتيجة للضغوط والمعاناة المستمرة هناك. مع ذلك تحذر من أن تكرار هذه الحالات بالوتيرة المشار إليها سلفاً "ينذر بالخطر وإن كانت نادرة".

تقول روجين: "نتيجة عدم القدرة على التوازن بين الحياة والتحديات والصعوبات لتغير الحياة السريع وتغير الأدوار الاجتماعية والمهمات والواجبات وعدم القدرة على التأقلم والتكيف الضروريين للصحة النفسية تظهر أمراض كالاكتئاب الذي ينتهي بالانتحار في حال عدم تلقي الدعم اللازم".

وتضيف: "بالنظر إلى حالات الانتحار المتزايدة، وإلى أدوات العنف والقتل التي باتت سهلة وفي متناول اليد، لا أستبعد وقوع جرائم قتل أزواج لا تُكتشف أو يتم التعتيم عليها أو تُدرج تحت مسمى آخر كما يحدث في الكثير من حالات الانتحار التي ارتفعت إلى معدلات مقلقة حالياً".

وتشدد المعالجة النفسية على أن "الرجال السوريين يتعرضون للعنف أيضاً وليس فقط النساء". 

ولا توجد أرقام رسمية أو تقديرية لمعدلات العنف ضد الرجال في سوريا خلال العقد الفائت، بحسب ما أفادت مصادرنا وبحث رصيف22 عبر الإنترنت. في غضون ذلك، ركزت العديد من التقارير على العنف الجنسي ضد الرجال والفتية في النزاع السوري والمرتكب من مختلف أطراف الصراع. أشارت هذه التقارير إلى عدم اهتمام المنظمات الإنسانية بمعاناة الضحايا الرجال مقارنة بالنساء.

وتقول منال إنه لا توجد منظمات معنية بالرجال ضحايا العنف الأسري أو العنف القائم على النوع في سوريا. وهو ما يؤكده صحافي وناشط حقوقي سوري فضّل عدم ذكر اسمه، موضحاً لرصيف22 أنه "قبل عام 2011، لم يكن هناك اهتمام يذكر بحقوق الإنسان في البلاد. وبعد الصراع والانتهاكات الجسيمة بدأ الاهتمام من خلال منظمات دولية أو عبر مؤسسات محلية وسيطة، وانصب الاهتمام الأكبر على النساء والأطفال كفئات هشّة".

كما يعتبر أنه حتى الآن يمكن القول إن الاهتمام بحقوق الإنسان في سوريا لا يزال مشوهاً وبعيداً عن المأمول منه، وهو ما يبرر برأيه عدم الاهتمام بالرجال ضحايا العنف إلى البوم.

في غضون ذلك، تقول روجين إنها تعاملت بشكل مباشر مع رجال تعرضوا لحالات إهمال وعنف نفسي واقتصادي.

كما تشير إلى أن هناك محاولات إلى تطبيق برنامج العنف القائم على النوع الاجتماعي (GBV) على كل شخص يتعرض للعنف الجندري بما يمكن من التعامل مع الرجال في هذه الحالات على أساس أنهم "بحاجة إلى مساعدة وأنهم أيضاً ناجون أو ضحايا".

القانون السوري ينصف الرجل قاتلاً ومقتولاً

وبشأن تعامل القوانين السورية مع جرائم قتل النساء لأزواجهن، توضح المحامية السورية رهادة عبدوش لرصيف22 أنه لا يوجد قانون خاص بالعنف الأسري رغم المحاولات الحثيثة والاقتراحات في هذا الشأن.

بناء على ذلك، تتم المعاقبة تماماً كالغرباء وتشديد العقوبة فقط في حالات القتل بين الآباء والأبناء.

وتصنف جرائم القتل في القانون السوري ضمن عدة تصنيفات هي: القتل القصد، والعمد، والخطأ، والقتل لدافع شريف (جرائم الشرف)، والقتل لدافع دنيء، والقتل تحت فورة الغضب.

توضح رهادة أن الذكور وحدهم يستفيدون من ميزة تخفيف العقوبة بذريعة القتل لدافع شريف. في حين يمكن تخفيف العقوبة في حالات القتل تحت فورة الغضب أو الدفاع عن النفس بغض النظر عن جنس القاتل وصلة القرابة مع القتيل/ة.

مع ذلك، تؤكد المحامية السورية أن "المجتمع يتواطأ مع الزوج القاتل تحت أسماء مختلفة منها الطاعة والتأديب. القانون والمجتمع يتكاتفان في حال حجة الشرف والسمعة رغم إلغاء المادة المتعلقة بالتخفيف عن العقوبة بحالة جرائم الشرف لاعتماد المشرع على القتل بدافع شريف وفورة الغضب".

لأن التركيز على النساء والأطفال فقط… لا توجد أي أرقام رسمية أو تقديرية لمعدلات العنف ضد الرجال في سوريا خلال العقد الفائت. كذلك، لا توجد منظمات معنية بالرجال ضحايا العنف الأسري أو العنف القائم على النوع

وتتابع: "عندما تقتل المرأة زوجها، ينظر القاضي إلى الأسباب التقديرية للتخفيف وترجع إلى قناعة القاضي وتخفف العقوبة إلى 10 سنوات حداً أدنى. إذا ثبت أن المرأة كانت تقع دائماً تحت خطر القتل من الزوج، قد تنظر المحكمة بعين الرحمة للزوجة".

كيف نحد من العنف ضد المرأة/ الرجل؟

ترى منال أن الحد من العنف الأسري في سوريا مرتهن بتحسن الأوضاع الأمنية والسياسية والمجتمعية بدايةً من إنهاء الصراع وعودة النازحين وتحسين الوضع المعيشي وتوفير فرص العمل، باعتبارها عوامل رئيسية في تفشّيه. 

أما أنديرا، فتعتقد أنه ينبغي البدء من التربية والمناهج التعليمية للقضاء على العادات والتقاليد التي تؤدي إلى تعنيف المرأة وتعديل القوانين المجحفة بحق المرأة. بالتزامن مع قيام الجمعيات والمنظمات المدنية بالتوعية حول أدوار المرأة السياسية والاجتماعية والقانونية ومساعدتها في بلوغ مراكز صنع القرار وتمكينها اقتصادياً.

ترى أنديرا أنه خلال عقد من الصراع، "حصلت  طفرة انطلقت خلالها المرأة  السورية بل قفزت قفزة نوعية تذكر في التاريخ إذ أصبحت العاملة والإدارية  والرئيسة وصاحبة القرار،  تعرفت على حقوقها وجاوز الوعي لديها 65% من إجمالي نساء سوريا".

وهي تعتبر أن هذا التغير "هو ما لم يتحمله الفكر الذكوري وكان سبباً آخر ليحارب هذه المرأة ويعمل على تعنيفها لأنها أصبحت تفكر وتعترض وعرفت ما لها وما عليها وهذا ما لا يقبله الرجل حتى الآن". لذا تعتقد أن تمكين المرأة سيقضي على العنف ضدها وتالياً أي عنف انتقامي منها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard