القمر يختن المواليد والملائكة يحملونه... المعتقدات الدينية في ظفار

الخميس 16 سبتمبر 202105:16 م

تُشكل المعتقدات الدينية أهم عناصر الميثولوجيا، التي رسختها الجماعات البشرية في أذهان أفرادها عبر الزمن، فقد عبّرت من خلال المعتقد عن علاقة الإنسان مع محيطه، وطريقة تفسيره للظواهر الطبيعية العصية على فهمه وإدراكه. وقد قُدمت المعتقدات كتراث شعبي، والتي يصفها إميل دوركهايم في كتابه "الأشكال الأولية للحياة الدينية": "بأنها أطلال أديان غابرة".

المعتقدات التي نقدمها هنا قد وفدت إلينا من لغة شفوية غير مكتوبة، هي اللغة الشحرية في ظفار العُمانية، وهي إحدى اللغات السامية الجنوبية العربية الحديثة، ويمكننا وصفها بالميثولوجيا الشحرية، نسبة للغة المنطوقة بها، إذ توجد لغات أخرى في ظفار غير الشحرية، مثل المهرية، والهبيوت، والبطحرية.

يسود معتقد في ظفار بأن كل المخلوقات على الأرض كانت ناطقة، سواءً أكانت مخلوقات حية كالحيوانات والحشرات أو النباتات والحجر في مرحلة يقال لها "حينما كان كل شيء ناطقاً"، وبالشحرية: "دعُد كُشيء يهيرج".

وإذا كان الانسان مرتبطاً بالسماء النازل منها، ويناجي آلهته عبرها ويرفع إليها أكفّ التضرع بالشكر والشكوى، فإننا نستعرض المعتقدات المرتبطة بالسماء، لأنها تحمل في ذاتها بعداً دينياً، ومدلولاً قدسياً من خلال الدلائل التي نقدمها هنا، فتقديم الذبائح لكسوف القمر، وضرب الحجارة حتى تعود إلى حالته الطبيعية، لم تكن وليدة طقوس شعبية عابرة، بل تعني تبجيلاً من الإنسان تجاه السماء.

معتقدات مرتبطة بالسماء

تحظى السماء بهالة من القداسة لدى الإنسان في ظفار، إلى درجة أنه عند الإشارة إلى السماء بالأيدي، يتوجب عليه ثني مقدمة الأصابع، وعدم توجيهها مباشرة إلى السماء. كما يُنهى عن عدّ النجوم، لأنه يُعتقد بأنه لكل إنسان نجم في السماء، وحينما يعدّ الإنسان نجمه يتوفى.

أما بالنسبة لوفاة الخُدج والأطفال، فيُعتقد أنهم يصعدون إلى السماء، ويرضعون من شجرة التين "الغيضيت". ويُنهى عن الصفير، لأنه يُبدد السُحب من السماء. نظراً لحاجة الإنسان إلى المطر المُتشكل من السحب والغيوم.

معتقدات القمر "آريت"

ارتبط الانسان بالقمر، دينياً ومعرفياً، إذ عُبد القمر، حينما عُبدت الأجرام السماوية، وبواسطة مراحل تشكله من الهلال إلى المحاق، عرف الإنسان حساب الأيام والأشهر، وأوجد التقويم القمري. ونجد في النص القرآني مكانة القمر في النصوص الدينية، فقد أقسم الله بها في سورتي الشمس، والانشقاق: "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا" (الشمس: 1،2)، و"وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ" (الانشقاق: 18،19).

يوجد في القمر شجرتا الطيق والغيضيت، فإذا نضجت ثمارهما يحدث الخسوف. وقيل إن الملائكة يحملون القمر، ويسيرون على سلاسل حديدية، فإذا زلت قدم أحدهم يحدث الخسوف

ولكن إذا خسف القمر، فإن الإنسان في ظفار، قد فسّر ظاهرة الخسوف، بأنه يوجد في القمر شجرتا الطيق والغيضيت، فإذا نضجت ثمارهما يحدث الخسوف. وقيل إن الملائكة يحملون القمر، ويسيرون على سلاسل حديدية، فإذا زلت قدم أحدهم يحدث الخسوف.

وعند الخسوف (آريت تيوت) أي "القمر تآكل" تُدق الأحجار، وتضرب الأواني ويردد الناس: "للوه للوه يا غافلين، آريت تيوت بدعت تدورن"، وتذبح الأغنام، لأنه يُعتقد بأن القمر يعود لطبيعته إذا رأى الدماء، وإن لم يُعد القمر إلى طبيعته، فالمياه تغمر اليابسة، وتقوم القيامة. وفي مدينة صلالة يرددون باللهجة العربية الظفارية: "دائم الله دائم الله والقمر بين النجوم، دائم الله دائم الله وابن آدم ما يدوم".

وإذا حدث أثناء الخسوف حدث مرتبط بالحياة كالولادة أو الموت، فيتم ربطهما بما جرى للقمر، ويعزون ذلك لسُعد المولود أو الميت، فيقال: فلان انخسف القمر لموته، أو انخسف القمر لولادته. وكذلك من ولد مختوناً من المواليد، يُقال عنه: "فلان ختنه القمر" (ختونوتش آريت).

لقد حظي الهلال بالترحيب والتهليل لطلوعه، فيُقال عند ظهوره: "هلول شهر نغبرك كل حل مصيفيتا ءم معفيتا ءنحن بيذك ءذ شن"، وترجمتها: مرحبا بالهلال. نلقاك في كل وقت ونحن أصحاء ومعافون، نحن وكل أهالينا. ويسمون الهلال بالشهر، وأيضاً "أُرخ"، وهي تسمية قريبة من التسمية السريانية للأشهر.

لم يكن ظهور الهلال يُفرّح الناس فحسب، كونه ينير لهم الليالي بعد اكتماله، بل يستدلون باتجاه فتحتي الهلال على الفأل أو النحس. إذ يُعتقد بأن اتجاه فتحة الهلال إلى إحدى الجهات الشمالية أو الجنوبية هو نذير شؤم، فإذا كانت الفتحة نحو الجهة الجنوبية حيث المدن والحضر، تفاءل أهل الريف، وتشاءم أهل الحضر، والعكس صحيح، ويُقال: "ءشهر ءد ميل لآ ءعرَب، أو ءد ميل لجيال"، أي الهلال مائل نحو الحضر (العرب)، أو مائل نحو الجباليين.

وقد شمل التقديس أيضاً النجوم والأجرام السماوية، فإذا تساقطت الشهب فيعني ذلك وفاة إنسان طيب وكريم، ويقال عند سقوط الشهب: "سُب سُب ءُل منان بول من قيلتن" (سُب سُب لا منا ولا من قبيلتنا).

معتقدات وطقوس خاصة بالأطفال

هناك معتقد في ظفار بأن الأم المُرضعة التي تصب حليب ثديها على أنثى العقرب، فإن لدغات العقارب لاتؤثر على أبنائها. وفي المقابل لا يقوم أبناء المرأة بقتل العقارب، وكأن حليب الأم عبارة عن رابط أمان بين الأطفال والعقارب.

وإذا رغب الأطفال الذكور بلقاء ذويهم بعد الموت، فتُكوى سواعدهم بكيات على شكل دوائر، لاعتقادهم باللقاء في العالم الآخر بعد الموت. وإذا أرادت الأم أن يشبه طفلها الذكر، رجلاً مشهوراً، فإنها تحتفظ بسرّة مولودها، ثم ترمي بها وراء الرجل المشهور، قائلة: كُن مثل فلان، وبذلك تنتقل سمات الرجل وصفاته إلى الطفل عبر حبل السُرة. أما حبل سُرة البنت، فيُفضل رميه في البيت، لكي يُبقيها في البيت.

شمل التقديس النجوم والأجرام السماوية، فإذا تساقطت الشهب فيعني ذلك وفاة إنسان طيب وكريم

تشبه عادة رمي الأسنان اللبنية، بعض عادات الشعوب وتقاليدها، إذ يرمونها قائلين أبدلنا بها أسناناً أخرى من ذهب أو من حديد. أما في ظفار، فتُرمى الأسنان اللبنية عند شروق الشمس، يرمي الأطفال وهم مدبرون للشمس، أسنانهم إلى الخلف، قائلين: "يا شمس أبدليني سناً من ذهب، وأخرى ذات أخاديد ".

تتجنب الأمهات المُرضعات انتقال الأمراض والأوبئة إلى أطفالهن، ولتفادي ذلك يحرصن على أخذ مادة عند والدة الطفل المريض، سواءً عود أو خيط أو أي شيء مادي، ويسمى بالشحرية "شُكم" (شين شدقية)، الذي يمنع انتقال الطاقة السلبية بين الأطفال.

وبالنسبة للأطفال البكائين، فيوضع حول أعناقهم فقرة من فقرات أسماك القرش، أو خرز أحمر. وهناك معتقد آخر بأن الحديد لا يقربه الجن، ولذلك يُفضل وضع قطعة من الحديد عند الطفل، ولدى الطفل الصبي المختون.

أوجد الإنسان القديم وسائل عدة للحفاظ على نظافة بيته ومسكنه، فمثلاً عند تقليم الأظافر لابد من دفنها، وإن لم يفعل المرء ذلك، فإنه يعود بعد الموت للملمة قلامة أظافره. وكذلك بالنسبة للشعر المحلوق، إذ أن تركه على الأرض، يؤذي صاحبه. لكن هناك من ربط إخفاء الشعر والأظافر، إلى أنها من الماديات التي يستخدمها السحرة لإلحاق الأذى بالآخرين.

معتقدات أخرى

يحرص صاحب المنزل عند الشروع في بناء منزله، على الذبح ورشّ الدماء على الجدران، ودق أربع مسامير حديدية في أركان البيت، وعند اكتمال البناء، تُكسر بيضتان على عتبة البيت، وبيضتان على السلم، وبيضتان على السطح.

وقيل إن المعابد في وادي الرافدين، كانت تُحدد حدودها بمسامير برونزية لتمييزها عن بقية المباني، وعادة دق المسامير في زوايا البيت الأربعة موجودة في ظفار، إذ يقوم مالك المنزل أو المشرف على البناء بدق أربعة مسامير حديدية في أركان البيت، لإبعاد الجن والأشباح وعيون الحسد.

المعتقدات أو الطقوس المذكورة هنا، ما هي إلا غيض من فيض الذاكرة الشعبية في ظفار، ولكن الذاكرة التي لا يُدون ما علق فيها تتعرض للنسيان، وتتلاشى خزائنها، خاصة إذا كانت الذاكرة قد اعتمدت على الروايات الشفهية في البقاء، لذلك من الطبيعي أن تُنسى أهم الموارد الروائية في الثقافة الشعبية.

ولكن ما تيسر لنا تدوينه او تذكره، نحن النطاقين باللغة الشحرية كلغة أم قبل تعلم اللغة العربية، خلق لدينا فهماً عن العلاقة بين الإنسان والمكان في بلاد ظفار جنوب سلطنة عُمان. ونستطيع القول إن الإنسان في هذه البقعة قد أحاط نفسه بالميثولوجيا كإطار جامع ومانع من اختلال النُظم البيئية في محيطه الجغرافي. ولا زلت أتذكر التنبيهات الصادرة إلينا من قبل الأهالي الكبار، مثل النهي عن قطع الأشجار أو جز الأعشاب في بداية نموها، أو التبول في الطريق، وإبعاد الأفاعي الميتة عن المسالك الترابية، أو رفع الأحجار عن الطرقات، أو عدم السخرية من الحيوانات، وضرورة الابتعاد عن اشعال النار، وغيرها الكثير من النواهي التي لانجد لها تفسيراً في ذلك الوقت، ولكننا نتفهم الآن كل تلك المحاذير وضروراتها، فلم تكن في حقيقتها إلا نواميس خلقها الإنسان الخاضع للميثولوجيا والمتناغم معها.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard