لماذا فشلت محاولتا إعادة الخلافة الإسلامية في مكة والقاهرة؟

الأحد 12 سبتمبر 202110:38 ص

انتهت الحرب العالمية الأولى، وسقطت عاصمة الإمبراطورية العثمانية "إستانبول"، في يد قوات الحلفاء في تشرين الثاني/ نوفمبر 1918، واحتلّت اليونان بعض المناطق من تركيا، وأظهر الحلفاء روح التشفي بينما أظهر السلطان العثماني محمد السادس (محمد وحيد الدين) انهزامية أثارت حنق كثيرين من الأتراك.

في ظل تلك الظروف، نمت روح المقاومة، ويقظة القومية التركية، وبرز القائد العسكري مصطفى كمال أتاتورك كقائد للمقاومة، ففصلته حكومة السلطان من منصبه العسكري، وعدّته متمرداً. دفع ذلك أتاتورك إلى اتخاذ أنقرة قاعدة له، وشكل فيها حكومته، وأصدر تعليماته للموظفين المدنيين والعسكريين جميعهم بطاعة أوامر حكومة أنقرة، وعدّ حكومة "إستانبول" غير شرعية، "لخضوعها لقوات الحلفاء"، فرد السلطان بفتوى من شيخ الإسلام تفيد بأن قتل المتمردين واجب ديني.

خاضت المقاومة التركية معارك كثيرة على جبهات عدة، وبعد فترة من المفاوضات، انتهت بانتصار حكومة أنقرة، دوّى اسم"أتاتورك" كمقاوم تمكن من تحرير وطنه من الاحتلال، وفي 12 تشرين الأول/ أكتوبر 1921، عُقدت هدنة مودانيا التي اعترفت بمقتضاها حكومات الحلفاء بعودة السيادة التركية.

إلغاء الخلافة

أدرك أتاتورك أن الدولة العثمانية ماتت بسلطتيها السياسية والدينية، وأن الأتراك بحاجة إلى نظام جديد، لا مكان للحكم الديني فيه. وفي الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 1922، أعلن المجلس الوطني الكبير أن السلطنة زالت منذ أن احتلّ الإنكليز "إستانبول"، وفي الـ17 من الشهر نفسه، هرب السلطان محمد السادس، وفي الـ19 منه، تولى ولي عهده وابن عمه الأمير عبد المجيد، السلطة الروحية، وتمت مراسم تنصيبه خليفةً، في "مسجد أيوب"، وخُلعت عليه البُردة النبوية، كرمز لسلطته الروحية الدينية، ولم يحمل سيف جدّه عثمان، رمز السلطة السياسية.

ويرصد أحمد عبد الرحيم مصطفى في كتابه "في أصول التاريخ العثماني"، وضع الخليفة عبد المجيد الشكلي والرمزي بقوله: "يبدو أنه كان يقيم حفل السلاملك (الاستقبال) الأسبوعي، ويحظى بالشكليات، من دون أن تكون له مكانة واضحة في الشأن التركي، أو في شؤون العالم الإسلامي".

ثم توالت الأحداث، ففي 23 تموز/ يوليو 1923، جرى التوقيع على معاهدة لوزان التي نصّت على عودة السيادة على الأراضي التي تشملها تركيا حالياً. وبعد رحيل قوات الحلفاء، وانتهاء الاحتلال، أُعلِنت الجمهورية التركية، وبعد ستة أشهر، في الثالث من آذار/ مارس 1924، ألغى أتاتورك منصب الخلافة رسمياً، منهياً وجود سلالة آل عثمان في تركيا.

لم تسقط الخلافة في 3 آذار/ مارس 1924، فمن المؤكد أنها فقدت أهليتها، كنظام للحكم، قبل ذلك بعقود، وأن الأحداث السابق ذكرها، لم تكن إلا نتيجة حتمية لذلك.

إذا كانت محاولة الشريف الحسين قد انتهت، بتمزيق ملكه على يد جيش عربي مسلم، فقد انتهت خطوة الملك فؤاد بالفشل الذريع على يد العلماء، بما يثبت أن نظام الحكم الإمبراطوري (الخلافة)، قد تجاوزه الزمن، ولم يعد صالحاً

فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، بدأت ملامح السقوط تبدو على السلطنة العثمانية، إذ لم يحموا الثغور، ولا الدستور، وتركوا الفرنسيين يحتلّون المغرب والجزائر وتونس، وتركوا مصر والسودان والعراق للإنكليز، بل اتهموا أحمد عرابي بالتمرد، لوقوفه في وجه المحتل، وتركوا ليبيا للطليان، وسواحل الجزيرة العربية نهباً للمستعمرين الأوروبيين، وتركوا مسلمي الهند وأفغانستان وماليزيا وإندونيسيا تلتهمها البرتغال وهولندا وإنكلترا. وهكذا، فقدت السلطنة العثمانية أهميتها، كحامية للدين الذي استخدمته لإصدار الفتاوى السياسية ضد معارضي السلطان العثماني.

أحدث إلغاء الخلافة دوياً في أوساط السياسيين ورجال الدين، ولم تهتم الشعوب كثيراً، وتمثل رد الفعل في موقفين: الأول للشريف الحسين بن علي، ملك المملكة الحجازية، والثاني للملك فؤاد، ملك المملكة المصرية.

خليفة بلا عسكر ولا سلطة

سارع الشريف حسين، ملك الحجاز، إلى إعلان نفسه خليفة للمسلمين، في 11 آذار/ مارس 1924، في الشونة في الأردن، أي بعد أيام من إلغاء منصب الخلافة. ويذهب نضال داود المومني، في كتابه "الشريف الحسين بن علي والخلافة"، إلى أن هذا الإعلان جاء تحت ضغط من ابنه الأمير عبد الله، أمير شرق الأردن، الذي جمع له رؤساء القبائل والعشائر في سوريا، وفي فلسطين، لمبايعته. وقبل هذا التاريخ، في 5 آذار/ مارس، أعلنت مكة والطائف البيعة للحسين خليفة للمسلمين، في برقيات متتالية.

بإعلانه نفسه خليفة، من دون قدرات عسكرية وسلطة حقيقية على أرض الواقع، تسبب الحسين بخوض حرب غير متكافئة ضد إمارة نجد، وجيش الإخوان السعوديين الذين تمكنوا في النهاية من هزيمته، وإنهاء حكمه في الحجاز، وضم مملكته إلى نجد.

ظهر أن الحصول على السلطة، عبر مسار البيعة، طريقة بالية لم تعد تصمد أمام تحديات إقامة الدول الحديثة. والمفارقة أن هذه المغامرة انتهت بتمزيق مُلك الشريف حسين، على يد جيش عربي مسلم

يلاحَظ على هذه المحاولة غياب فهم طبيعة اللحظة التاريخية، لدى الشريف حسين، وعدم الإلمام بالعوامل التي أدّت إلى إلغاء الخلافة، فالمجتمعات التي أراد أن يكون خليفة عليها تطورت لديها أدوات الحكم، ولم يعد يناسبها الحكم الإمبراطوري القروسطي، وأيضاً غلبت عليها الروح القبلية القديمة. فالحصول على السلطة، عبر مسار البيعة، كان قد صار طريقة بالية لم تَعُد تصمد أمام تحديات إقامة الدول الحديثة.

والمفارقة أن هذه المغامرة انتهت بتمزيق مُلك الشريف حسين، على يد جيش عربي مسلم، في ما بدا وكأنه عقاب له على تسرّعه.

فؤاد الأول والتمهيد الديني

أما الملك فؤاد الأول، ملك المملكة المصرية، والذي نشأ في الآستانة، وأكمل تعليمه في إيطاليا، ثم تولى الحكم في مصر، فقد فضّل ألا يقدِم على هذه الخطوة، إلا بعد تمهيد ديني.

وتشير الدكتورة أمل فهمي، في كتابها "فاروق والخلافة الإسلامية"، إلى تحرك لعلماء الأزهر، برضا الملك، لبحث مسألة الخلافة. ففي 19 آذار/ مارس، أي بعد أيام قليلة من إلغاء الخلافة، وبعد إعلان الشريف حسين نفسه خليفةً، أعلن رجال الدين في مصر تكوين لجنة تدعو هيئة كبار العلماء، والأمراء، وغيرهم، لبحث طريقة استعادة الخلافة، وترأس هذه اللجنة الشيخ يوسف نصر الدجوي.

اجتمعت هذه الهيئة في 25 آذار/ مارس 1924، في الإدارة العامة للمعاهد الدينية في الأزهر، برئاسة شيخ الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوي، وعضوية عدد كبير من الشيوخ، وبعض المدنيين المهتمين بأمر الخلافة، وتمثلت نقيصتها في أنها أصدرت بياناً يحدد مفهوم الخلافة، إذ حددته حسب وضعه أيام الخلافة العثمانية الأخيرة، ولم تتفهم التغييرات التي طرأت على العالم الإسلامي، وعلى العالم العربي، والكيانات المنفصلة عن تركيا، وانتشار الوعي القومي بين الشعوب، وهذه كلها عوامل ساهمت في تجاوز فكرة الخلافة.

عام 1926، توصّل علماء دين مسلمون إلى خلاصة مفادها أن "الخلافة الشرعية" لا يمكن تحققها نظراً لحالة المسلمين حينذاك

النقطة الثانية التي تسجّلها الدكتورة أمل فهمي على الهيئة المذكورة هي في قيام الهيئة بتكوين لجان فرعية، في المدن، والأقاليم، تدعو لتنصيب الملك فؤاد خليفةً للمسلمين. بدا كأن القيّمين على الخطوة صنعوا تنظيماً دينياً جديداً يعمل على الانتشار، وتكوين الفروع، ويقوم بدعوة الجماهير، للإيمان بضرورة عودة منصب الخلافة.

وبهذا، تحوّلت فكرة الخلافة، على يد رجال الدين، إلى ممارسة سياسية خطيرة، في مجتمع كان لا يزال في خطواته الأولى نحو المدنية، والليبرالية. ورأت الهيئة أن تجتمع بعد عام، أي بعد الانتشار بين الجماهير، تمهيداً للقبول بتنصيب الملك فؤاد خليفة للمسلمين، ولكن حالت الأحداث التي وقعت بين دولة نجد والحجاز دون الاجتماع في الموعد.

مؤتمر إسلامي للخلافة

تمكن المصريون، في النهاية، من عقد المؤتمر الإسلامي العام للخلافة، في القاهرة، بعد عامين. عُقد الاجتماع في دار المعاهد الدينية التابعة للأزهر الشريف في الحلمية، يوم الخميس، في 13 أيار/ مايو 1926، الموافق للأول من ذي القعدة سنة 1344هـ، في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً.

وحسب محاضر الجلسات التي دوّنتها مجلة المنار، لصاحبها رشيد رضا، يمكن رصد التالي: الدعوة كانت عامة، لعلماء المسلمين كلهم من الشعوب كافة، وحضر من الوفد المصري في اليوم الأول ستة من علمائهم، ومن ليبيا (طرابلس الغرب) أربعة على رأسهم الأمير الإدريسي السنوسي الذي كان قد اتّخذ من القاهرة مستقراً له، ومن تونس عالم واحد، ومن المغرب (مراكش) عالمان، ومن جنوب إفريقيا عالمان، ومن علماء جزر الهند الشرقية (تشمل الفلبين وإندونيسيا وتايوان وبعض الدول الصغيرة) عالمان، ومن سلطنة جوهر (الآن جزء من ماليزيا) عالم واحد، ومن الهند كذلك، ومن اليمن عالمان، ومن الحجاز واحد، ومن فلسطين ثمانية، ومن بولونيا عالم، ومن العراق عالمان، مع ملاحظة أن العراق كان تحت حكم الملك فيصل بن الشريف الحسين بن علي، صاحب أول محاولة لتنصيب نفسه خليفة.

وبلغ عدد المشاركين 31 شخصية، يمثلون 13 شعباً، ودولة، ثم انضم إلى المؤتمر في يومه الثاني، ثماني شخصيات مصرية، ثم في اليوم الثالث انضم إلى الوفد المصري ثلاثة أشخاص أيضاً، وأصبح الوفد المصري مكوناً من 17 شخصاً، وانضم مفتي الموصل فأصبح الوفد العراقي مكوناً من ثلاثة أشخاص، كما انضم قاضي قضاة الحجاز سابقاً، فأصبح وفد الحجاز مكوناً من شخصين. وفي الاجتماع الرابع، زاد وفد فلسطين شخصين، فأصبحوا تسعة، وانضم الشيخ عبد القادر الخطيب مفتش الأوقاف في سوريا ولبنان، كوافد جديد.

استمر المؤتمر سبعة أيام، وبدأ في 13 أيار/ مايو 1926، وانتهى في الـ19 منه، وعقد أربعة اجتماعات رئيسية فقط، وتكوّنت فيه لجنتان فقط، لبحث ست مسائل مهمة في تقرير استعادة الخلافة. اللجنة الأولى تبحث موضوعات: بيان حقيقة الخلافة وشروط الخليفة في الإسلام، ووجوب الخلافة في الإسلام، وبِمَ تنعقد الخلافة؛ واللجنة الثانية تبحث في: هل يمكن الآن إيجاد الخلافة المستجمعة للشروط الشرعية؟ وإذا لم يكن من الميسور إيجاد هذه الخلافة فما الذي يجب أن يُعمل؟ وإذا قرر المؤتمر وجوب تنصيب خليفة فما الذي يُتَّخَذ لتنفيذ ذلك؟

منع ابن خلدون

منذ اللحظة الأولى، نكتشف أن ثمة خلافات مكتومة بين الوفود، ربما تعود إلى خلافات سياسية بين زعماء دولهم. فالوفد العراقي شاغب منذ البداية حول النظام الداخلي، وطريقة التصويت، وأوقف النقاش أكثر من مرة، للعودة إلى نقطة البداية. انتهت الجلسة الأولى، ولم يخرج المجتمعون بأي نتيجة تُذكر.

أما الجلسة الثانية، فتشكلت فيها اللجنتان السابق ذكرهما، مع ملاحظة أن التشكيل تم بعد نقاش طويل حول تفاصيل صغيرة، لا تتناسب مع طبيعة المؤتمر وموضوعه.

أما في الجلسة الثالثة، فقد حاور الوفد الفلسطيني بحدّة، في تفاصيل التصويت، وفي أمور لا تحتاج إلى تصويت. ونشب خلاف شكلي ساذج، حول تقرير اليوم الأول، وهل هو تقرير إجمالي، أم مضبطة يتم إدراج كل كلمة، وكل اعتراض، وكل نقاش، فيها. وطالب الوفد العراقي بتأجيل التصويت إلى حين دراسة مقترحات اللجنة، أو تأجيل المؤتمر، واعترض على الاستشهاد بكلام ابن خلدون.

وفي الجلسة الرابعة، استمرت المشاغبات، واستنزاف الطاقات، في حورات جانبية، واعتراضات غير عميقة، مثل الاعتراض على كلمة "الملحدين"، التي تم إدراجها، وحضور الصحافة من عدمه، وإرسال برقية تندد بمجازر الفرنسيين في سوريا ولبنان، حتى ضج أحد أعضاء الوفد، وهو الشيخ محمد فراج المنياوي، وقال للمجتمعين: "حضرات العلماء الأفاضل، عقد المؤتمر ثلاث جلسات، وهذه هي الرابعة، ولم نفعل شيئاً، ونحن ما اجتمعنا لأجل أن نتحدث في الأمور الثانوية، ولكن لنقدّم للمسلمين عملاً نافعاً، فأرجو أن يسود بيننا حسن التفاهم. إمّا أن نقف بعضنا إلى بعض، بحسن نية، أو بغير ذلك، مما يجب أن نترفع عنه، ويجب أن نتعاون يا إخواني على البرّ والتقوى".

وبعد مقاطعات، وصخب، ومشاغبات، انتقل المؤتمر إلى تلاوة تقرير اللجنة الثانية، في المسائل الثلاث، وكانت كالتالي: أولاً، إن الخلافة الشرعية المستجمعة لشروطها، والمبيّنة في تقرير اللجنة العلمية (الذي أقره المؤتمر في الجلسة الرابعة)، والتي من أهم ما فيها الدفاع عن حوزة الدين في بلاد المسلمين جميعها، وتنفيذ أحكام الشريعة الغراء فيها، لا يمكن تحققها نظراً لحالة المسلمين، الآن.

ثانياً، لا يمكن البت بما يجب أن يفعله المسلمون الآن، نظراً لاختلاف مصالحهم. وأمّا مَن يمكن تنصيبه خليفةً، فلم تناقشه اللجنة أساساً، نظراً لانتفاء السبب، ولتعذر قيام الخلافة من الأصل.

إذا كانت محاولة الشريف الحسين قد انتهت، بتمزيق ملكه على يد جيش عربي مسلم، فقد انتهت خطوة الملك فؤاد بالفشل الذريع على يد العلماء، بما يثبت أن نظام الحكم الإمبراطوري (الخلافة) تجاوزه الزمن، ولم يَعُد صالحاً، وأن الشعوب لم تعد ترغب في الانطواء تحت راية شعب ما.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard