حزب الله واللاجئون السوريون ومسائل أخرى… تعقيدات المصالح الروسية في لبنان

الخميس 2 سبتمبر 202102:22 م

على الرغم من أنها لا تملك حدوداً على البحر الأبيض المتوسط، ولديها قاعدة عسكرية واحدة فقط في المنطقة، تحديداً في طرطوس السورية، تحتفظ روسيا بنفوذ هائل في منطقة الشرق الأوسط، أخذ في التنامي على مدار السنوات الماضية.

لبنان ليس خارج قاعدة مصالح ونفوذ موسكو حيث يلعب الروس دوراً كبيراً في محاولات إيجاد حلول لأزمة اللاجئين السوريين في لبنان وكذا في تشكيل الحكومة اللبنانية وعدة قطاعات استثمارية حيوية.

ناقشت ورقة بحثية بعنوان "اللعبة الكبرى في بلاد الشام... مصالح روسيا في لبنان"، أعدها معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية في الجامعة الأمريكية في بيروت (IFI)، في تاريخ وخلفيات الدبلوماسية الروسية النشطة تجاه لبنان، بما في ذلك أمن الطاقة الروسي، والأمن العسكري، والعلاقات السياسية المشتركة. وذلك في محاولة لاستجلاء ما إذا كان لدى موسكو مصالح "طويلة الأمد" في البلاد، أو هناك تحديات تعرقل توسعها.

تدخل لتحقيق "استقرار"؟

الورقة التي أعدها المحلل والباحث الإقليمي والباحث المشارك في المعهد يغيا طاشجيان، أشارت إلى أن روسيا -كما القوى الإقليمية الأخرى- اتخذت خطوات كبيرة لتعزيز مصالحها الجيوسياسية في بلاد الشام لغرض توسيع نفوذها والسيطرة على موارد الطاقة الهائلة في المنطقة.

"تعتبره امتداداً لسياستها الإقليمية تجاه #سوريا" و"نافذة على العالم لدمشق"... عن تعقيدات المصالح الروسية في #لبنان، ودور #حزب_الله واللاجئين السوريين فيها، والتحديات التي تواجهها

كما أوضحت أن التدخل الروسي في الصراع السوري يفتح شهية موسكو على السعي للاستفادة والتدخل أكثر في المنطقة، لا سيّما في لبنان المجاور. وزاد الدور الروسي في لبنان من منطلق محاولة إيجاد حلول لأزمة اللاجئين السوريين هناك إذ يستضيف البلد نحو 1.5 مليون لاجئ سوري.

في هذا السياق، ينظر بعض اللبنانيين إلى روسيا على أنها "قوة قادرة على توفير الاستقرار" في البلد الذي يعاني أسوأ أزمة اقتصادية في تاريخه الحديث. هذا بالنظر أيضاً إلى عرض موسكو التنسيق الأمني والعسكري والعديد من الاستثمارات في قطاع الطاقة اللبناني المتأخر.

لكن الملاحظ أن موسكو أظهرت اهتماماً أكبر أخيراً بالشؤون الداخلية اللبنانية، وخاصةً بتشكيل الحكومة المتعثرة إذ عقد مسؤولون روس عشرات اللقاءات الرسمية مع مسؤولين لبنانيين رفيعي المستوى على مدى الأشهر الستة الماضية، تناولت تشكيل الحكومة اللبنانية، والأزمة السورية، والقضايا الإقليمية، ومقترحات استثمارية.

ويستهدف الجانب الروسي قطاعي الطاقة والموانئ في لبنان في استثماراته المقترحة.

ويرى طاشجيان أن هذه التحركات الروسية تعكس الدور الفاعل لموسكو في لبنان وكيف أنها "تعتبره امتداداً لسياستها الإقليمية تجاه سوريا"، بل تنظر إليه كـ"نافذة على العالم" بالنسبة لدمشق، بحيث تعتقد أن إنشاء وإعادة إعمار المرافق الحيوية اللبنانية يساعد في تجاوز عقوبات قانون "قيصر" الأمريكي التي تكبل سوريا.

الطاقة بوابة التدخل الروسي

ويلفت الباحث إلى أن مصالح روسيا الحالية في لبنان تختلف عن مصالح الاتحاد السوفياتي سلفاً؛ كانت سياسة الأخير الخارجية قائمة على دوافع أيديولوجية وتحالف مع الحركات اليسارية والقومية، لكن الكرملين يتعامل مع المنطقة الآن ببراغماتية.

من منطلق تدخلها لإيجاد حلول لأزمة اللاجئين السوريين، يرى بعض اللبنانيين روسيا "قوةً قادرةً على توفير الاستقرار" لبلدهم. لكن اهتمام الروس سرعان ما تحوّل إلى شؤون داخلية بينها تشكيل الحكومة

وأضاف أن القوة الناعمة والقوة الصلبة لروسيا تسيران جنباً إلى جنب إذ لا يتعلق اهتمام موسكو الرئيسي بشرق المتوسط بالوجود العسكري والبحري فقط، كما يبدو في سوريا وليبيا، ولكن أيضاً بالسيطرة على موارد الطاقة الهائلة هناك.

تعتبر موسكو تطوير "خط أنابيب" عبر مختلف الدول العربية، يشمل لبنان والعراق وسوريا، فرصة لزيادة نفوذها في المنطقة. واستنتج الباحث أن روسيا دخلت سوق الطاقة في لبنان من خلال تعاقدات شركات النفط الروسية المملوكة للدولة مع الحكومة اللبنانية من أجل زيادة النفوذ.

يعتقد طاشجيان أنه إذا استمرت الشركات النفطية الروسية في توسيع استثماراتها في لبنان فقد تؤسس منتدىً جديداً يناطح "منتدى غاز شرق المتوسط" ومقره مصر. 

تعاون أمني مطرد

تنامي التعاون الأمني والعسكري بين البلدين ليس مستغرباً أيضاً إذ يعتقد أن حل أزمة اللاجئين في قسط كبير منه يتطلب رؤية أمنية. لعل هذا ما دفع إلى توسع طاقم السفارة الروسية في بيروت بالعديد من الشخصيات العسكرية خلال العقد المنقضي.

كذلك سهلت روسيا عودة آلاف اللاجئين السوريين من لبنان إلى سوريا، بناءً على ضمانات من الجانب السوري بعدما أسهم التدخل الروسي في إعفاء العائدين من الخدمة العسكرية والتدقيق الأمني.

حتى بالنسبة للعديد من السياسيين اللبنانيين المعارضين للنظام السوري، تعتبر روسيا وسيطاً قادراً على توفير قناة خلفية بين دمشق وبيروت. لذا، يطلب بعض الأوليغارشية اللبنانية مساعدة روسية لتأمين نصيب لهم في الثروة المتوقعة من إعادة إعمار سوريا.

ومن منظور روسي، نجاح حزب الله على الأرض في سوريا يؤهل الجماعة الشيعية اللبنانية لتصبح شريكةً مستقبلية في احتواء النفوذ الأمريكي في البلدين. ويقول خبراء إسرائيليون إن التعاون بين روسيا وحزب الله إلى توسيع مهارات الحزب في المراقبة والاستطلاع والعمليات التكتيكية الخاصة وتوظيف الدرونز.

بدأت خطوات موسكو الجادة في لبنان بعد انتفاضة تشرين عام 2019 وانفجار مرفأ بيروت، وذلك خوفاً من أن يؤثر عدم الاستقرار في لبنان على استقرار سوريا أو يؤدي لانتكاس جهود إعادة الإعمار التي تبذلها روسيا منذ سنوات

الدبلوماسية الاستباقية 

وفي الآونة الأخيرة، بدأ المسؤولون الروس الانخراط في دبلوماسية استباقية (وقائية) مع فصائل مختلفة في لبنان، لزيادة مصالحها الجيوسياسية في لبنان وضمان الاستقرار السياسي لسوريا وهو العامل الرئيسي لنفوذ موسكو الإستراتيجي بالشرق الأوسط، علاوة على تحقيق استقرار لبنان. 

أعقب هذا النهج الجديد سنوات من اكتفاء الروس بمراقبة الوضع في لبنان وإجراء مشاورات مع السياسيين حوله. وبدأت خطوات موسكو الجادة في لبنان بعد انتفاضة تشرين الأول/ أكتوبر عام 2019 ثم انفجار مرفأ بيروت الهائل والكارثي، وذلك خوفاً من أن يؤدي عدم الاستقرار إلى نتائج وخيمة على استقرار سوريا وجهود إعادة الإعمار التي تسعى روسيا من أجلها خلال السنوات الماضية.

وتعي موسكو أن لبنان "نقطة ضعف لسوريا"، بسبب الترابط الاجتماعي والاقتصادي بين البلدين. وليس أدل على ذلك من أن الأزمة المالية الخانقة في لبنان ارتبطت بانهيار الليرة السورية، والعكس أيضاً صحيح إذ تعتمد سوريا على الدولارات والوقود المدعوم والقمح والمواد الغذائية الأساسية المهربة من لبنان.

لهذه الأسباب، بادر الرئيس الروسي بإرسال تعازيه إلى نظيره اللبناني فور انفجار المرفأ، كما أرسل المساعدات الإنسانية. وبالتزامن مع زيادة النشاط السياسي الروسي في لبنان، تضخمت برامج التبادل الثقافي والتعليمي إليه.

ويلاحظ أن الدبلوماسية الروسية الاستباقية تجاه لبنان تكثفت بعد أن زار وفد من حزب الله موسكو، في آذار/ مارس 2020، والتقى بوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف. وأفادت تقارير بأن الوفد اللبناني طلب من موسكو ملء الفراغ السياسي في لبنان.

في الآونة الأخيرة، انخرط المسؤولون الروس في دبلوماسية استباقية مع فصائل مختلفة في لبنان لزيادة توسيع مصالح موسكو الجيوسياسية في المنطقة وضمان الاستقرار السياسي لسوريا ولبنان

تحديات تواجه روسيا في لبنان

بالرغم من كل ما سبق، يشك العديد من المحللين في أن تتمكن روسيا من ترجمة سيطرتها على سوريا إلى نفوذ كبير في لبنان لسببين: أولهما تآكل نفوذ سوريا في لبنان وهي التي تكابد حرباً أهلية لا تلوح لها نهاية. وثانيهما أن إيران، من خلال حليفها القوي حزب الله، ملأت الفراغ الذي تركته سوريا لدى مغادرة البلاد عام 2005.

ولا يعتقد هؤلاء المحللون أن طهران على استعداد لمشاركة نفوذها المتنامي في لبنان مع روسيا كما هو الوضع في سوريا. يُعتقد أن واشنطن التي تراقب الوضع في لبنان عن كثب أيضاً لن تسمح بزيادة النفوذ الروسي في البلاد.

ولواشنطن حلفاء مهمون في لبنان. كما تموّل أمريكا الجيش اللبناني وتجهزه بالعتاد بالتعاون مع دول أوروبية، في حين يواجه الروس قيوداً على توسيع تعاونهم العسكري مع الجيش اللبناني. على سبيل المثال، أبدت روسيا عام 2008 رغبةً في تزويد لبنان بطائرات مقاتلة لزيادة التعاون الدفاعي، لكن الحكومة اللبنانية رفضت ذلك تحت ضغط واشنطن واستعاضت عن ذلك بذخيرة.

علاوة على ذلك، كشف فشل رئيس الوزراء المكلف الأسبق سعد الحريري في تشكيل حكومة ضعف قدرة روسيا في التأثير على الفصائل اللبنانية المختلفة. وما يحتاجه لبنان في الوقت الحالي هو المساعدة المالية، وهذا أمر لا تستطيع موسكو تقديمه.

في غضون ذلك، يبدو أن روسيا ستواصل الاستثمار في قطاع الطاقة المتدهور في لبنان، وربما تساعد في بناء محطات كهرباء جديدة للتغلب على أزمة الكهرباء هناك. لكن يعتمد نجاح هذه المشاريع أو فشلها على نتيجة التفاهمات/ المواجهات الأمريكية الروسية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard