روين لرصيف22 تجاربهن مع الحيض والولادة… أسيرات فلسطينيات محررات يصرخن: أنقذوا أنهار الديك ومولودها

الثلاثاء 31 أغسطس 202105:06 م

"ولدت طفلي يوسف في نفس تلك الظروف القاسية (داخل السجون الإسرائيلية) حيث البرد الشديد وتكبيلي بالقيود، وقتلي غير المباشر من تلك الطبيبة الحاقدة بتركي أواجه آلام المخاض والنزيف الحاد والسب والشتائم على مدار الوقت".

هذه نبذة عن المصير الذي ينتظر الأسيرة أنهار الديك (25 عاماً) ومولودها الذي سيولد في ظروف أقل ما توصف به أنها "غير عادية أو آدمية" في مكان ربما يكون الأبغض على وجه الأرض: سجون إسرائيل. وكانت الديك، التي تنحدر من بلدة كفر نعمة (غرب رام الله) قد اعتقلت في آذار/ مارس الماضي، وهي حامل في شهرها الثالث.

في رسالة عبر حسابها على فيسبوك، شاركت الأسيرة الفلسطينية المحررة فاطمة الزق الكلمات السابقة مستعرضةً معاناة الولادة في السجون الإسرائيلية، داعيةً للديك ومولودها بالصبر والقدرة على اجتياز الظرف الصعب.

وأضافت الزق: "تكبيلي وشبحي على سرير المشفى بعد الولادة ثلاثة أيام متتالية بالحديد من القدمين ويدي اليمنى، ومنعي من الغطاء الدافئ في شهر يناير، وفتحوا التكييف البارد لتكون جلسة تعذيب جديدة تضاف إلى سجلاتهم القذرة، وحرموني من أن تكون والدتي أو زوجي أو أحد من أقاربي رفقتي وقت الولادة".

وأشارت إلى حرمانها من رضيعها الذي نقل إلى الحضانة "وحينما كنت أطلب منهم إحضاره لكي أضمه إلى صدري وأرضعه ليشعر بالأمان كما أنا أشعر بالسعادة لوجوده معي بعد الله بوجوده معي في ذاك المكان المظلم وسط هؤلاء المجرمين، فتكون لحظات ودقائق معدودة، ثم تصرخ السجانة الحاقدة في وجهي وتأخذ طفلي إلى حيث كان".

"الشبح" و"التفتيش العاري" و"العدّ"... أسيرات محررات يروين لرصيف22 معاناتهن في سجون الاحتلال ويصرخن: سجون إسرائيل ليست مكاناً مناسباً لأنهار الديك وطفلها

إمعان في "التنكيل" بالأسيرات

ومنذ العام 1967، اعتقلت إسرائيل أكثر من 17 ألف فلسطينية، بينهن قاصرات وطالبات وأمهات ومريضات وحوامل. وتقبع 40 منهن في السجون الإسرائيلية راهناً بينهن 11 أماً.

ولن تكون الديك أول أسيرة تعاني محنة الوضع في سجون إسرائيل إذ سبقتها إلى ذلك أميمة الأغا، وسمر صبح، وانتصار القاق، وماجدة السلايمة، وميرفت طه، ومنال غانم، وسميحة حمدان، علاوة على الزق التي أنجبت طفلها يوسف عام 2007. ويجبر الاحتلال الأم إما على ترك مولودها لأهله فور ولادته أو إبقائه معها في الزنزانة غير الصحية مدة عامين قبل نزعه من حضنها. 

وتعالت الدعوات إلى الإفراج عن الديك خلال الأيام الماضية، بما في ذلك من مؤسسات حقوقية ونسوية فلسطينية وعربية ودولية، لا سيّما أنها موقوفة دون حكم. ونُظّمت وقفة تضامنية معها أمام سجن الدامون الأحد 29 آب/ أغسطس.

وعبر وسم #أنقذوا_أنهار_الديك، حذّر ناشطون من أن ظروف الزنازين الإسرائيلية الانفرادية -الضيقة المعتمة غير النظيفة والخالية من أشعة الشمس والهواء النظيف- لا تناسب أماً ورضيعها يحتاجان إلى من يسهر على رعايتهما بالإضافة إلى الطعام الصحي المغذي والفراش النظيف الكافي والرعاية الصحية أيضاً.

وفي تصريحات لرصيف22، شاركت مجموعة من الأسيرات المحررات، وذووهن، تجاربهن مع الفترات الاستثنائية في حياة المرأة، كالحيض والولادة، داخل السجون الإسرائيلية، مناشدات الضغط على سلطات الاحتلال لإنقاذ الديك وطفلها المنتظر مما عانينه.

أصرت الأسيرات على أن الاحتلال "يمعن في إذلال الأسيرات والتنكيل بهن باستغلال ظروفهن البيولوجية كالحيض والحمل والوضع" وعلى أن سجون إسرائيل ليست بيئة مناسبة للنساء خاصةً الحائضات والحوامل والمرضعات.

وروى بعضهن أنهن اضطررن إلى قضاء الحاجة على أنفسهن لرفض الجنود الإسرائيليين السماح لهن بالذهاب إلى الحمام خلال التنقل بين السجن والمحكمة. وتحدثت أخريات عن طقس "الشبح" أي تكبيل اليدين والقدمين في "البُرش" - وهو مكان النوم/ تخت حديد، أحياناً والأسيرة عارية، كأحد أشكال التنكيل والعقاب، حتى بالنسبة للمريضات منهن.

"تم تكبيلي وشبحي على سرير المشفى بعد الولادة ثلاثة أيام متتالية بالحديد من القدمين ويدي اليمنى، ومنعي من الغطاء الدافئ في شهر يناير، وفتحوا التكييف البارد لتكون جلسة تعذيب جديدة"... لمحة عمّا ينتظر أنهار الديك ومولودها

"لا رأفة"

قالت الأسيرة المحررة فوزية قنديل: "كانت فترة الحيض أصعب الأيام في السجن. ذات مرة، كنت متوجهة إلى محكمة عوفر وجاءتني الدورة الشهرية قوية جداً (دم غزير) وكانت المسافة طويلة وليس معي فوط ولا محارم ولا غيار بديل. بقيت من الصباح حتى المساء على هذه الحالة وحين عدت إلى السجن كانت حالتي مزرية والرائحة سيئة جداً".

وأكدت قنديل أن إدارة السجن لم تكن توفر للأسيرات الفوط الصحية، فيما أسعار الفوط الصحية في "كانتين" سجون الاحتلال لا تقل عن ضعفي سعرها خارجه.

وتنص قواعد الأمم المتحدة لمعاملة السجينات، المعروفة بـ"قواعد بانكوك"، القاعدة الخامسة، على "يجب أن توفر للسجينات في أماكن إيوائهن المرافق والمواد الضرورية لتلبية احتياجاتهن الخاصة من حيث النظافة الشخصية، بما في ذلك الحفاضات الصحية مجاناً والإمداد بالمياه بصورة منتظمة لأغراض العناية الشخصية للأطفال والنساء، ولا سيما النساء اللواتي يقمن بأعمال الطهو والحوامل أو المرضعات أو اللواتي يجيئهن الحيض".

ولا تراعي السلطات الإسرائيلية أبسط القواعد الأممية في هذا الصدد.

وأضافت قنديل أن إحدى الأسيرات القاصرات أخبرتها أن مجندة إسرائيلية أجبرتها على "التفتيش العاري" وهي حائض، وإلا واجهت عقاباً شديداً بالعزل الانفرادي.

كما أوضحت أنها عانت مشاكل في البول بسبب حرمانها من دخول الحمام لفترات طويلة خلال التنقل بين السجن والمحكمة. "خلال الذهاب إلى المحكمة، يجلسوننا على كراسٍ حديدية، مكلبشين الأيدي والأرجل، نعود أيدينا وأرجلنا زرق. حتى إذا الأسيرة مريضة لا رأفة"، زادت.

اعتقلت قنديل عام 2018، عند حاجز قلنديا، وحكمت 20 شهراً، قضت نصفها في المحاكمات. قالت إنها ارتاحت نسبياً بعد صدور الحكم.

أما منى، شقيقة الأسيرة إسراء جعابيص، فقالت إن سلطات الاحتلال لا توفر لشقيقتها الفوط الصحية وإنها تشتريها من "الكانتين"، وبثلاثة أضعاف سعرها في الخارج تقريباً (30 بدلاً من 10 شيكل).

بسبب عدم علاج حروقها، وتضرر ما تبقى من أطراف أصابعها ويديها، وإهمال حاجتها إلى عمليات جراحية حيوية وعاجلة، معاناة إسراء مع الدورة الشهرية مضاعفة. لكن هذا لا يشفع لها لدى إدارة سجن الدامون.

قالت منى: "في إحدى الرسائل، قالت لي إسراء إنه أثناء نقلها إلى المحكمة باغتتها الدورة الشهرية ورفض جنود الاحتلال منحها فوطاً صحية وظلت حتى العودة إلى زنزانتها -أكثر من 30 ساعة- تنزف بدون فوط".

وتابعت: "تعجبت من جملة كتبتها إسراء تعليقاً على هذا الموقف. كتبت لي ‘أنا حقيقةً منى، حسيت بالحرية لمّا دخلت الأسر مرة أخرى بعد الرحلة هاي وما عانيته‘". وعقبت منى: "في فترة الكورونا جربنا الحجر والأسر لكن بشكل مرفه مقارنة بالسجن وكان لدينا كل شيء، وما تحملنا. ما تعيشه الأسيرات في ظل احتلال يتلذذ بتعذيب أسراه قهر وإذلال".

وأضافت: "نظام بناء سجون الاحتلال مقصود ألا يحمي من البرد. الرائحة بشعة، والفئران والحشرات منتشرة. البُرش يُكسّر الجسد. غرف ضيقة مظلمة والحمام بلا باب. تخيلي، في عز نومك، الرابعة فجراً، يأتي ‘العدّ‘. يقومون بعدك ويجب أن تستيقظي وتقفي منتبهة. بخلاف التفتيش العاري المتكرر… كل هذا اسمه موت بالبطئ. لا أتخيل كيف تلد أنهار الديك في هذه الظروف. أتمنى أن يتم إنقاذها".

منذ 1967، اعتقلت إسرائيل أكثر من 17 ألف فلسطينية، بينهن قاصرات وأمهات وحوامل. أسيرات محررات يؤكدن لرصيف22 أن الاحتلال يمعن في التنكيل بالأسيرات باستغلال ظروفهن البيولوجية كالحيض والحمل

القاصرات معاناة مضاعفة

تجربة صابرين زبيدات لم تكن أفضل حالاً وإن قالت إن إدارة سجنها "كانت توفر لي فوطا، لكنها كانت من نوعية رديئة وعددها غير كاف. لذا كنت أعتمد على الأموال التي يرسلها أهلي لأشتري من الكانتين. العديد من الفتيات الأخريات لم يكن قادرات على شراء هذه الفوط وكنا نساعدهن ونقدمها لهن".

وتابعت: "بعض الأسيرات خاصة القاصرات كن يبقين أياماً في تنقلات بين المعابر أو ليوم كامل خلال جلسات المحاكمة، كن يعانين لعدم السماح لهن بالذهاب إلى الحمام فكن يعدن إلى الزنازين ملابسهن غارقة بدم الحيض ورائحتهن كريهة ولا تحتمل ويشعرن بإحراج وألم نفسي كبيرين".

وأكملت: "اعتقلت لثلاث سنوات وشهرين. كنت أعاني مشكلة صحية بسبب لولب منع الحمل. لم تكن تأتيني الدورة الشهرية وطلبت إزالته لأنه كان يؤلمني. بعد مطالبات عديدة سمحوا لي بإجراء العملية قبل بضعة أشهر من الإفراج عني. ورافقني الضابط الإسرائيلي إلى غرفة العمليات وأنا بملابس العملية الخفيفة رغم رفضي. كان يرفض فك قيود يدي ورجلي حتى أصر الطبيب على ذلك". 

وشكت زبيدات من أن "حمامات الاستحمام في بعض السجون خارج الغرف، ولا يتسنى للأسيرات تنظيف أنفسهن أو غسل ملابسهن إذا بللها دم الحيض. يتعرضن بسبب ذلك إلى مواقف ومشاعر سيئة جداً".

إحدى الفتيات اعتقلت في الـ13 من عمرها وأتتها الدورة الشهرية لأول مرة في اليوم الأول لاعتقالها كردة فعل نفسية على خوفها. ظلت تنزف ليومين دون أن يمنحها الجنود فوطاً صحية أو يسمحوا لهن بمساعدتها أو شرح الأمر لها بل اقتادوها إلى زنزانة انفرادية.

الأسيرة المحررة منار مجد شويكي (20 عاماً)، اعتقلت عام 2015 وهي بعمر 14 فقط، وظلت بسجون الاحتلال أربع سنوات. قالت: "إدارة السجن ما كانت توفر الفوط الصحية. كنا نشتريها من الكانتين. في كتير أوقات، كانت سلطات السجن ‘كنوع من العقاب‘ تمنع الفوط الصحية من الكانتين وكنا لذلك أحياناً نشتريها ونبقيها تحسباً". 

لأنها كانت طفلة وقت دخلت السجن، وحتى مغادرته عام 2019، ولم تعرف الحيض إلا قبل ستة أشهر من الاعتقال، كانت معاناة منار مع الدورة الشهرية في سجون الاحتلال أكبر.

أوضحت شويكي: "كنساء، نعلم معاناة المرأة مع الحيض حتى في الظرف العادي مع اضطراب الأعصاب واختلاط المشاعر وهو ما تزداد معاناته مع الأسر. عانيت والكثير من الفتيات مع الحيض في الأسر؛ بعض الفتيات كانت الدورة تنقطع عنهن أربعة أشهر أو أكثر. أخريات عانين شدة النزف واستمرار الحيض لتسعة أيام فأكثر. كل هذا بسبب الحالة النفسية وظروف الاعتقال".

وأكدت أن النقل إلى المحكمة والتحقيقات كان يزيد معاناتهن. وروت أن إحدى الفتيات اعتقلت في الـ13 من عمرها وأتتها الدورة الشهرية لأول مرة في اليوم الأول لاعتقالها كردة فعل نفسية على خوفها. قالت إن الفتاة ظلت تنزف ليومين دون أن يمنحها الجنود فوطاً صحية أو يسمحوا لهن بمساعدتها أو شرح الأمر لها بل اقتادوها إلى زنزانة انفرادية حيث بقيت مصدومة ومجهدة وملابسها غارقة بالدماء ولا تفهم ما يحدث معها.

وتكررت شهادات الأسيرات المحررات عن محنة الحيض في السجون الإسرئيلية، مع اضطرار غير القادرات منهن على تقطيع البطاطين الخشنة وغير النظيفة لمنع تدفق الدم على الجسد، وحضور أخريات جلسات المحاكمة وبقع الدورة على ملابسهن.

تجدر الإشارة إلى أن المحكمة الإسرائيلية العسكرية رفضت، الاثنين 30 آب/ أغسطس، الإفراج عن الديك، بل رفضت طلباً رفعته أسرتها عبر الصليب الأحمر لوقوف أحد أقاربها معها أثناء الولادة.

علماً أن رئيس الوزراء الفلسطيني محمد اشتية دعا منظمة الصليب الأحمر الدولي إلى توفير ظروف صحية لائقة تمكن الديك من وضع مولودها داخل معتقلها تحت إشراف أطباء من منظمة الصحة العالمية، فيما طالب الاحتلال بالإفراج الفوري عنها لتنال الرعاية الصحية اللائقة.

وعلاوة على آلام الحمل النفسية والجسدية، تكابد الديك اكتئاب حمل ثنائي القطب يتطلب رعاية طبية خاصة لا تتوفر في السجون الإسرائيلية.

إظهار التعليقات
Website by WhiteBeard